
هناك مرحلة في العمر لا تأتي فجأة، بل تتسلل بهدوء، كأنها نسمة فجر بعد ليل طويل.
مرحلة لا تعرف تاريخ ميلادها، لكنك تعرف جيدًا متى بدأت؛ بدأت حين شعرت أنك لم تعد نفس الشخص الذي كنت عليه في شبابك.
كنت في شبابي أفعل خمسة أشياء استنزفت روحي وأنا لا أدري، واليوم حين توقفت عنها، عادت إليّ حياتي.
أولًا: توقفت عن تبرير نفسي للآخرين
كنت إذا حدث موقف، سارعت لأشرح، وإذا أُسيء فهمي، أطلت في التوضيح. إذا اتخذت قرارًا، شعرت أنني مدين بتقديم كشف حساب كامل عنه. كنت أعيش في محكمة دائمة، أنا فيها المتهم والمحامي، والناس هم القضاة الذين يتغيرون كل يوم.
كنت أظن أن كثرة التبرير ستشتري لي محبة الناس وفهمهم، واكتشفت أنها تشتري لي فقط التعب.
فمن يعرفك حقًا لا يحتاج لتبرير، ومن يريد أن يسيء الظن بك لن يقنعه ألف دليل. اليوم أقول جملة واحدة وأمضي: “هذا ما يناسبني”.
لا أطيل الشرح. راحة البال بدأت عندما أغلقت باب التبرير.
ثانيًا: توقفت عن العتاب
كنت أعاتب كثيرًا لأني كنت أحب كثيرًا. كنت أظن أن العتاب هو اللغة الراقية للحب. أعاتب الصديق إذا قصّر، والقريب إذا جفا.
ثم فهمت أن العتاب لا يرمم كل القلوب. هناك من تعاتبه فيزداد قربًا، وهناك من تعاتبه فيزداد بعدًا، وهناك من يرى في عتابك عبئًا ثقيلًا يتمنى أن يتخلص منه.
العتاب استثمار للمشاعر، ولا يجوز أن تستثمر مشاعرك في أرض بور.
تعلمت أن أرى الفعل وأبني عليه، لا أن أطالب بكلمات. من أراد أن يبقى معك، سيقرأ حزنك دون أن تتكلم، ومن أراد الرحيل، لن يوقفه عتابك.
توقفت عن العتاب، فقلّت خلافاتي، وهدأ قلبي.
ثالثًا: توقفت عن أن أكون طيبًا أكثر من اللازم
وهذه كانت خسارتي الكبرى وأنا شاب. كنت أقول “نعم” وأنا مرهق، وأسامح وأنا موجوع، وأعطي وأنا فارغ تمامًا، فقط حتى لا يقال عني إنني تغيّرت أو إنني قاسٍ. كنت أشتري رضا الناس بعملة نفسي، حتى أفلست.
النضج علمني أن الطيبة ليست أن تكون متاحًا للجميع في كل وقت، الطيبة أن تكون رحيمًا ولكن بحدود.
أن تساعد دون أن تسمح لأحد أن يستغلك، وأن تحب دون أن تسمح لأحد أن يهينك باسم الحب. ما زلت طيبًا، لكنني لم أعد ساذجًا. أضع حدودي بابتسامة، وأقول لا بهدوء، وأحمي قلبي. فالطيبة بلا حدود هي دعوة مفتوحة للأذى.
رابعًا: تصالحت مع فكرة أنني لن أصل لكل أحلامي
ونحن شباب، نظن أن الحياة يجب أن تكون كاملة: نجاح كامل، وعائلة كاملة، وعمل كامل، وسعادة كاملة. ونجري ونلهث خلف هذه الصورة المستحيلة.
وكلما كبرت، اكتشفت أن الكمال وهم، وأن الحياة بطبيعتها ناقصة، وجمالها في هذا النقص.
هناك حلم تحقق فشكرت الله عليه، وحلم تأخر فتعلمت منه الصبر، وحلم لم يتحقق فتعلمت منه الرضا. واكتشفت أن ما أملكه اليوم، كان في يوم من الأيام هو الحلم البعيد الذي كنت أدعو الله أن يتحقق، ونسيت أن أشكره عليه.
الرضا ليس استسلامًا للفشل، الرضا هو أن تفعل كل ما بوسعك، ثم تنام قرير العين راضيًا بما قسمه الله لك. راحة البال لم أجدها عندما حققت، بل وجدتها عندما رضيت.
خامسًا: لم أعد أنتظر اعتذارًا من أحد
وهذه كانت قمة الحرية. لوقت طويل علقت شفائي بكلمة “آسف” من شخص جرحني. انتظرتها من صديق خذلني، ومن قريب أساء إليّ، وطال الانتظار، وأنا الذي كنت أتألم، بينما هو يمضي في حياته.
من ينتظر اعتذارًا، يسلم مفتاح قلبه ليد غيره. قررت أن أسترد مفتاحي. قررت أن أسامح، ليس لأنهم يستحقون، بل لأنني أنا أستحق أن أعيش بسلام.
المسامحة ليست أن تقول للآخر: أنت على حق، بل أن تقول لنفسك: أنا أستحق أن أمضي للأمام دون هذا الحمل الثقيل.
لم أعد أنتظر شيئًا من أحد، حتى كلمة آسف. أغلقت الباب بيدي، ومضيت.
والخلاصة…
لم أعد أبرر، ولم أعد أعاتب، ولم أعد طيبًا بلا حدود، وتصالحت مع أحلامي، ولم أعد أنتظر اعتذارًا.
خمسة قرارات غيرت حياتي. لم تجعلني قاسيًا، بل جعلتني هادئًا. لم تجعلني منعزلًا، بل جعلتني انتقائيًا. لم تجعلني فاشلًا، بل جعلتني راضيًا.
هذا هو النضج يا سادة، ليس أن تكبر في العمر، بل أن تكبر في فهمك لنفسك. أن تدرك أن أجمل أنواع الحرية هي أن تمضي في طريقك مطمئنًا، تاركًا للآخرين حرية أن يفسروك كما يشاؤون.
أنا اليوم لا أملك كل شيء، لكنني أملك نفسي.. وهذا هو كل شيء.







