ملفات وتقارير

سوريا على صفيح ساخن.. لماذا استنفر الجيش؟ وهل تقترب مواجهة جديدة في الشمال؟

عادت سوريا إلى واجهة المشهد الإقليمي مجددًا، بعد إعلان الجيش السوري رفع حالة الاستنفار في عدد من مناطق شمال البلاد، وإرسال تعزيزات عسكرية إلى محيط شرق حلب، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول طبيعة التطورات الميدانية، وما إذا كانت البلاد تتجه نحو جولة جديدة من المواجهات، أم أن ما يجري لا يتجاوز كونه رسالة عسكرية هدفها تثبيت موازين القوى ومنع أي تغيير على الأرض.

وجاءت حالة الاستنفار في ظل تقارير تحدثت عن تحركات عسكرية لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في عدد من المناطق الواقعة شرق حلب، وهو ما دفع القوات الحكومية إلى رفع جاهزيتها وتعزيز مواقعها على خطوط التماس، وسط حالة من الترقب الحذر التي تخيم على واحدة من أكثر الجبهات تعقيدًا في سوريا.

ورغم أن أياً من الطرفين لم يعلن نيته تنفيذ عملية عسكرية واسعة، فإن التحركات المتبادلة أعادت إلى الأذهان سنوات الصراع التي شهدت مواجهات متكررة بين القوى المختلفة في الشمال السوري، حيث تتداخل مناطق النفوذ بين الجيش السوري، وقوات سوريا الديمقراطية، والقوات التركية، إضافة إلى الوجود العسكري الأمريكي.

ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن المشهد السياسي الذي تمر به سوريا خلال المرحلة الحالية. فالسلطة في دمشق تسعى إلى بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية، وتؤكد أن وجود أكثر من قوة عسكرية خارج إطار المؤسسات الرسمية يمثل وضعًا لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.

في المقابل، تتمسك “قسد” بالحفاظ على هيكلها العسكري والإداري، معتبرة أنها شريك رئيسي في محاربة تنظيم داعش، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تضمن حقوق المناطق التي تديرها، وهو ما يجعل المفاوضات بين الجانبين شديدة الحساسية، ويحول دون التوصل إلى اتفاق نهائي حتى الآن.

ويزيد من تعقيد المشهد استمرار الوجود الأمريكي في شمال شرقي سوريا، حيث تواصل واشنطن دعم “قسد” في إطار عمليات مكافحة تنظيم داعش، بينما تراقب تركيا التطورات عن كثب، وتؤكد باستمرار أنها لن تقبل بقيام أي كيان مسلح تعتبره مرتبطًا بحزب العمال الكردستاني على حدودها الجنوبية.

هذه المعادلة تجعل أي تحرك عسكري، مهما بدا محدودًا، يحمل أبعادًا تتجاوز الساحة السورية، إذ تتداخل فيه حسابات محلية وإقليمية ودولية، وقد يؤدي أي خطأ في التقدير إلى تصعيد يصعب احتواؤه.

ورغم أن المؤشرات الحالية لا تؤكد اقتراب مواجهة واسعة، فإن استمرار الاستنفار العسكري، وتبادل الرسائل الميدانية بين الأطراف المختلفة، يعكس هشاشة التفاهمات القائمة، ويؤكد أن الشمال السوري ما زال يعيش على وقع توازنات دقيقة يمكن أن تتغير في أي لحظة.

وبين التحركات العسكرية، والحسابات السياسية، والمصالح الإقليمية والدولية، يبقى السؤال مطروحًا: هل ينجح الجميع في احتواء التوتر والحفاظ على حالة الهدوء النسبي، أم أن سوريا تقف بالفعل أمام فصل جديد من الصراع قد يعيد رسم المشهد في شمال البلاد؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى