مقالات وآراء

إسلام الغمري يكتب: اتفاق مكة..من المظلة الأمريكية نحو نواة دفاع إقليمي مستقل

من السهل أن نقرأ اتفاق مكة للدفاع المشترك باعتباره ردًا على إيران. التوقيت يغري بذلك، والحرب مشتعلة، والصواريخ والمسيّرات عبرت حدودًا كان يُظن أنها بعيدة عن النار. لكن السهل ليس دائمًا صحيحًا. وفي تقديري، فإن اختزال الاتفاق في كونه جبهة سنية ناشئة ضد طهران قراءة رغائبية أكثر منها قراءة سياسية؛ لأنها تبدأ من النتيجة التي يريدها أصحابها، ثم تبحث لها عن دليل.

النص المعلن واضح ومحدود في الوقت نفسه. السعودية وتركيا وباكستان اتفقت على أن أي هجوم مسلح على دولة منها يُعد هجومًا على الدول الثلاث، وعلى تطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي بينها. لم تُذكر إيران، ولم تُسمَّ أي دولة أخرى عدوًا. بل شدد المسؤولون الأتراك والسعوديون على أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف طرفًا بعينه، وقال الرئيس رجب طيب أردوغان إنه مفتوح أمام الدول التي تريد الإسهام في استقرار المنطقة. هذه ليست تفصيلة هامشية؛ إنها جزء من تعريف الاتفاق نفسه.

ثم إن تركيا وباكستان لا تحتاجان إلى معاهدة مع السعودية كي تحميا نفسيهما من إيران. تركيا تملك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، ولها حدود طويلة مع إيران وعلاقة مركبة معها؛ تنافس في بعض الملفات، وتعاون وحوار في ملفات أخرى. وباكستان قوة نووية وجيشها من أكبر جيوش المنطقة، وتعرف كيف تدير حدودها ومصالحها مع طهران. ولو كان المقصود إنشاء حلف للحرب على إيران، لبدت الصياغة العامة والمرنة للاتفاق أغرب من أن تفسر هدفه الحقيقي.

الأهم أن فكرة التعاون الثلاثي لم تولد مع الحرب الراهنة. ففي يناير/كانون الثاني عام 2026، أي قبل بدء العمليات الأمريكية الواسعة ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير/شباط، كان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث بالفعل عن مباحثات جارية بين أنقرة والرياض وإسلام آباد. وقبل ذلك، في سبتمبر/أيلول 2025، وقّعت السعودية وباكستان اتفاقًا استراتيجيًا للدفاع المتبادل. ما حدث في مكة، إذن، ليس رد فعل وُلد تحت القصف، بل خطوة نضجت على مهل، ثم دفعتها الحرب إلى الواجهة.

هذا لا يعني تجاهل الضربات الإيرانية أو التقليل من خطورتها. أي مساس بأمن السعودية أو بأي دولة في المنطقة مرفوض، سواء وقع بصورة مباشرة أو عبر جماعات مسلحة. لكن وقوع ضربات إيرانية، أو التلويح بها، لا يثبت وحده أن اتفاق مكة صيغ لمواجهة طهران. المشهد أكثر تعقيدًا. السعودية نفسها أبقت أبواب التهدئة مفتوحة، وشاركت في جهود منع توسع الحرب، فيما حافظت تركيا وباكستان على قنوات الاتصال مع إيران. هناك توتر حقيقي، نعم، لكن هناك أيضًا حرص واضح على ألا يتحول إلى صدام شامل لن يكون المستفيد الأكبر منه سوى الكيان الصهيوني.

هنا نصل إلى ما أراه جوهر الاتفاق: المنطقة بدأت تفكر في أمنها بوصفه مسؤولية ينبغي لها أن تتحملها، لا خدمة تستوردها كلما وقع الخطر.

لعقود، قامت المعادلة على شيء معروف: قواعد أمريكية، وسلاح أمريكي، وضمانة أمريكية يُفترض أنها تتحرك عند الحاجة. لكنها لم تكن ضمانة مطلقة يومًا. الولايات المتحدة تتحرك وفق مصالحها، وقد تتأخر أو تتردد أو تساوم، ثم تطلب من حلفائها دفع الفاتورة السياسية والعسكرية.

وهي لا تغادر الشرق الأوسط غدًا، كما يردد البعض؛ فوجودها العسكري لا يزال كبيرًا، وحربها الحالية على إيران أكبر دليل. لكن اتجاه البوصلة الأمريكية يتغير، والاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة تضع الصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ في قلب الأولويات. وهذا يعني أن دول المنطقة لا تستطيع الاستمرار في بناء أمنها على افتراض أن واشنطن ستبقى دائمًا مستعدة لخوض حروب الآخرين بالشروط نفسها.

الفارق مهم. نحن لا نتحدث عن قطيعة مع الولايات المتحدة، ولا عن إخراجها من المنطقة بقرار مفاجئ. نتحدث عن دول أدركت أن الاعتماد الكامل عليها مقامرة ثقيلة، وأن من لا يملك جزءًا معتبرًا من قدرته على الدفاع سيظل أسيرًا لقرار غيره. اتفاق مكة لا يهدم المظلة الأمريكية، لكنه يفتح نافذة خارجها. وربما تكون هذه النافذة، مع الوقت، أهم من المظلة نفسها.

الدول الثلاث تملك عناصر يصعب جمعها في إطار إقليمي آخر. السعودية تملك الثقل المالي وموقعًا حاسمًا في سوق الطاقة، إلى جانب مشروع متسارع لتوطين الصناعات العسكرية. تركيا تملك جيشًا ذا خبرة وصناعة دفاعية قطعت شوطًا كبيرًا في المسيّرات والسفن والصواريخ والذخائر الذكية. وباكستان تضيف خبرة عسكرية طويلة وقدرات صاروخية، فضلًا عن كونها القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي.

هذا لا يعني أن الاتفاق أنشأ مظلة نووية؛ فلا يوجد في النص المعلن ما يقول ذلك. ولا ينبغي تحميل الوثيقة أكثر مما تحتمل. لكنه يعني أن اجتماع هذه القدرات تحت تعهد دفاعي واحد ليس أمرًا يمكن تجاهله، وأن الاتفاق قد يتحول، إذا وُضعت له آليات تنفيذية حقيقية، إلى قوة ردع تتجاوز حدود الدول الثلاث.

ومن الطبيعي أن تراقب إسرائيل هذا التحول بقلق. ففي فبراير/شباط الماضي، تحدث بنيامين نتنياهو عما وصفه بـ«محور سني راديكالي ناشئ»، ووضعه ضمن التحديات التي يستعد الكيان لمواجهتها. لم يكن يتحدث يومها عن وثيقة مكة التي لم تكن قد وُقّعت بعد؛ لذلك لا يصح أن ننسب إليه ما لم يقله. لكنه كان يرصد اتجاهًا إقليميًا واضحًا: قوى عربية وإسلامية كبيرة بدأت تقترب من بعضها بعيدًا عن القيادة الإسرائيلية والوصاية الأمريكية الكاملة.

وهذا تحديدًا ما يزعج إسرائيل. فهي اعتادت منطقة ضعيفة ومجزأة؛ تضرب غزة، وتتوسع في لبنان وسوريا، وتفرض قواعد اشتباكها، ثم تقدم نفسها للغرب باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على إدارة الإقليم. قيام تعاون دفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان يضرب هذه الفكرة من أساسها. ليس لأنه يعلن الحرب على إسرائيل، بل لأنه يقول إن أمن المنطقة يمكن أن يُبنى من داخلها، وإن احتكار القوة والردع ليس قدرًا مكتوبًا للكيان المحتل.

الاتفاق، مع ذلك، لا يزال في بدايته. لا نعرف كيف سيُتخذ قرار الرد، وهل ستنشأ قيادة عسكرية مشتركة، وما المقصود تحديدًا بالهجوم المسلح، وهل يشمل الهجمات السيبرانية أو الاعتداء على السفن والقواعد خارج الحدود. كما لا نعرف حدود التعاون في الدفاع الجوي والإنذار المبكر، أو ما إذا كانت الدول الثلاث ستصل إلى مرحلة توحيد العقائد القتالية وخطط الانتشار.

هذه أسئلة حقيقية، وليست محاولة للتقليل من قيمة الخطوة. فالتاريخ مليء باتفاقات بقيت على الورق؛ لأن أصحابها احتفلوا بالتوقيع، ثم نسوا بناء المؤسسة القادرة على التنفيذ. وقيمة اتفاق مكة لن تُقاس بقوة عباراته وحدها، بل بما سيأتي بعدها من هياكل وخطط وتدريبات وقرارات عملية.

وحتى إذا بقي الاتفاق لبعض الوقت إطارًا سياسيًا، فهناك الكثير مما يمكن إنجازه من دون انتظار معركة كبرى: مناورات مشتركة، وتبادل للمعلومات، وربط لأنظمة الإنذار المبكر، وتدريب للقوات، وتنسيق للدفاع الجوي والبحري. والأهم من ذلك كله نقل خبرات التصنيع والتكنولوجيا.

تخيلوا ما الذي يمكن أن ينتج عن اجتماع التمويل السعودي، والخبرة الصناعية التركية، والقاعدة العسكرية الباكستانية. عندها لا تعود الدول الثلاث مجرد مشترين للسلاح، بل شركاء في إنتاجه وتطويره، وربما تصديره أيضًا. وهذه النقلة الصناعية قد تكون على المدى البعيد أهم من بند الدفاع المشترك نفسه؛ لأنها تمنح الدول المشاركة قدرة أكبر على اتخاذ القرار بعيدًا عن شروط الموردين الأجانب وضغوطهم السياسية.

ويبقى سؤال يصعب تجاوزه: أين مصر من اتفاق مكة؟

لم تكن القاهرة بعيدة عن المسار الذي سبق الاتفاق؛ إذ شاركت مع تركيا والسعودية وباكستان في عدة اجتماعات وزارية تناولت أمن المنطقة وتداعيات الحرب، وكان اجتماع أنطاليا في أبريل/نيسان 2026 هو الثالث بين وزراء خارجية الدول الأربع. كما تحدثت تقارير سابقة عن مقترح لإقامة إطار دفاعي يجمعها. ومع ذلك، جاءت الصيغة النهائية لاتفاق مكة ثلاثية.

لا نعرف حتى الآن هل طُرح الانضمام رسميًا على مصر، أم أن المفاوضات الدفاعية كانت منذ البداية محصورة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد. وربما اختارت الدول الثلاث البدء بالنواة الأكثر جاهزية وتوافقًا، على أن يُفتح الباب لاحقًا أمام القاهرة وغيرها. وحتى يصدر تفسير رسمي، يبقى غياب مصر سؤالًا مشروعًا، لا واقعة يجوز بناء استنتاج حاسم عليها.

وهل تستطيع القاهرة أو غيرها من دول الإقليم الانضمام لاحقًا؟ من حيث المبدأ، نعم. فقد أعلن أردوغان عقب التوقيع أن الاتفاق مفتوح أمام الدول التي تريد الإسهام في استقرار المنطقة، كما نُقل عن مسؤول تركي أنه لا يستهدف دولة بعينها، وأن بابه مفتوح أمام دول إقليمية أخرى.

لكن الانفتاح السياسي شيء، ووجود آلية قانونية جاهزة للانضمام شيء آخر. فالبيان المنشور لم يوضح شروط العضوية، ولا طريقة قبول أعضاء جدد، ولا الالتزامات التي ستتحملها الدولة المنضمة. ومن المرجح أن يتطلب توسيع الاتفاق موافقة الدول الثلاث، والتفاوض على طبيعة الالتزامات الدفاعية، ثم استكمال إجراءات التصديق داخل كل دولة. لذلك فمصر ليست مستبعدة، لكنها ليست عضوًا مؤجلًا بصورة تلقائية أيضًا.

إذا أثبتت النواة الثلاثية جديتها، فسيصبح توسعها احتمالًا واقعيًا. مصر مرشحة طبيعية بثقلها العسكري وموقعها الجغرافي ودورها التاريخي، وقد تجد دول خليجية أخرى مصلحة في الانضمام. وسوريا، عندما تستعيد عافيتها وتستقر مؤسساتها، لا ينبغي أن تبقى خارج أي ترتيب جاد يحمي أمن المنطقة ووحدة أراضيها.

أما إيران نفسها، فلماذا يكون الباب مغلقًا أمامها إلى الأبد؟ إذا أعادت بناء سياستها الإقليمية على احترام سيادة جيرانها، وتوقفت عن استخدام الجماعات المسلحة أداةً للنفوذ، فقد تصبح جزءًا من صيغة أمن إقليمي أوسع بدلًا من أن تبقى في مواجهتها. هذا احتمال للمستقبل، وليس بندًا في الاتفاق الحالي، لكنه يوضح أن بناء أمن المنطقة لا ينبغي أن يقوم على خطوط مذهبية أو عرقية مغلقة.

لا أرى في اتفاق مكة ضربة لإيران، ولا أراه بديلًا مكتملًا عن الولايات المتحدة، ولا «ناتو إسلاميًا» وُلد في يوم واحد. أراه بداية أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا: انتقالًا من الركون الكامل إلى الحماية الخارجية نحو امتلاك حد أدنى من القدرة الجماعية على الردع.

وقد يفشل هذا المسار إذا غابت آليات التنفيذ، أو عادت الخلافات القديمة، أو خضعت إحدى الدول لضغوط الخارج. كل ذلك وارد. كما أن توسيع الاتفاق قبل تثبيت نواته قد يحوله إلى إطار فضفاض، تُكثر دوله من البيانات وتختلف عند أول اختبار. لذلك قد يكون البدء بثلاث دول متوافقة أكثر فاعلية من الإعلان المبكر عن تحالف واسع بلا أدوات حقيقية.

لكن مجرد اجتماع الرياض وأنقرة وإسلام آباد على قاعدة «الهجوم على إحدانا هجوم على الجميع» يعلن أن شيئًا تغير. لم تعد الدول الثلاث تقبل بسهولة أن تُدار حروب المنطقة من واشنطن أو تل أبيب، ثم يُطلب منها تحمل النتائج. وهي لا تبحث عن حرب مع طهران، بقدر ما تبحث عن مساحة تحمي فيها نفسها وقرارها ومصالح شعوبها.

من هذه الزاوية يجب أن يُقرأ اتفاق مكة. لا باعتباره حلفًا مذهبيًا، ولا مقدمة لحرب جديدة، بل نواة قابلة للنمو لنظام دفاع إقليمي شبه مستقل. الطريق طويل، والشكوك مشروعة، لكن البداية حدثت. وأحيانًا لا يبدأ التحول الكبير بجيش يتحرك، بل بفكرة تتوقف عن انتظار الإذن.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى