مقالات وآراء

د.نزار كريكش يكتب: كيف تُحكم ليبيا خلال سنتين؟


علية المال، علية السلاح، وتحالف الضعف القادم

الكلمة الإنجليزية elite تعني النخبة، لكن أصولها عربية وهي علية القوم بكسر العين، أي الملأ الحاكم والمتنفذ في المجتمع. هذه الطبقة ليست طارئة على المجتمعات، بل هي جزء من بنيتها مثل الطبقة الوسطى والطبقة المسحوقة، وفقاً للتقييم المرتبط بالمال والنفوذ والسلطة. علية القوم نوعان: نوع يصل إلى النفوذ عبر السياسة، الانتخابات، التقرب من السلطات، أو عبر خطاب يجذب المتنفذين في المؤسسات، وأحياناً عبر انتقاد الحاكم فيقرّبك اتقاءً لخطرك. ونوع آخر يدخل دوائر النفوذ عبر السلاح، التهديد، أو الرشاوى، لكنه لا يصبح من علية القوم، بل يبقى في محيطهم.


الإشكال في ليبيا أن علية القوم بلا جذور تاريخية؛ لا توجد عائلات حكمت أو مارست السلطة والمال عبر أجيال، ولا لوردات ولا طبقة أرستقراطية. كل القوى الحالية إما كانت تعمل ضمن إطار القذافي، أو تبحث عن ثروة لا تمنحها نفوذاً دائماً. لذلك فإن النخب الحالية ليست امتداداً تاريخياً للحكم، لكنها تملك المال والسلاح، دون أن يحكم أي منها البلد مرتاحاً طوال هذه السنين.


علية السلاح


يعتقد كثيرون أن القوة وسحق المخالفين هي الطريق للسلطة. عندما جاء خليفة حفتر بمشروعه المسمى “الكرامة”، امتلك سردية قوية: محاربة الإرهاب. جاسون باك في كتابه عن ليبيا يذكر المواقع والقنوات والجيوش الإلكترونية التي روّجت لهذه السردية، وكيف أن مجتمعاً يعاني من ضعف القراءة وبنية تعليم هشة يمكن أن يكون عرضة لهذه الحملات. بالفعل استطاع حفتر أن يبني قوة كبيرة سحقت معارضيه في الشرق.


ثم حاول التقدم نحو طرابلس، لكن خصومه أثبتوا أنهم قادرون على استعمال القوة أيضاً: أنت تستعين بروسيا؟ سننادي تركيا. أنت تملك المرتزقة؟ نحن نملك المرتزقة. أنت تستورد الطائرات المسيّرة؟ نحن نملك المسيّرات وأكثر.
وثائق تركها الفرنسيون في غريان كشفت فوضى عارمة داخل مؤسسة حفتر العسكرية: كتائب تتقاضى رواتب من طرابلس وبنغازي معاً، هروب وتغيب، قادة مدنيون على كتائب عسكرية، عبث بالسلاح، ومراسلات تثبت غياب الانضباط.
بعد الهزيمة، اتجه حفتر نحو البرلمان ليحصل على شرعية عبر التحالف مع عقيلة صالح، أملاً في قانون انتخابي وبرنامج انتقال يضمن مكاسبه قبل انتخابات 2020 وفق مقررات جنيف. لكن هذا التوجه أدخله في تجربة تختلف عن الحرب: تجربة الشرعية السياسية. لذلك أبقى سردية الرجل القوي، وأضاف لها سردية التنمية التي تولّاها أبناؤه، ودخل في منافسة مع طرابلس التي كانت تشهد نشوء علية المال.


علية المال


تجربة عبد الحميد الدبيبة كشفت طريقاً ظن الليبيون أنه سهل: طريق التفاوض والترشح عبر الاتفاقات الدولية. لكن هذا الطريق ليس سهلاً؛ فالدبيبة ينتمي لعائلة تمتلك المال منذ عهد القذافي، والمال كفيل بأن يجعلك في قلب السلطة.
اكتسب الدبيبة شرعية قوية: البرلمان صادق على حكومته، ومشاريع “عودة الحياة” خلَبَت عقول الليبيين أملاً في مستقبل أفضل. لكن علية السلاح أرادوا أن يكونوا جزءاً من السلطة وموارد الدولة بنفس حرية الدبيبة. وعندما رفض، بدأ البرلمان في استخدام التشريعات لإسقاطه، واختار حكومة جديدة بقيادة أسامة حماد، أحد بيادق حفتر، شخصية غير معروفة سياسياً.


بعد النزاع مع البرلمان، حاول الدبيبة كسب الشارع عبر التنمية، لكنه دخل تدريجياً في معادلة السلطة، وبدأ يسعى لبناء قوة عسكرية كما ورد في تقرير خبراء مجلس الأمن لعام 2023، ودخل في لعبة التحالفات مع المليشيات ومع حفتر وأبنائه.


أيهما ينتصر: المال أم السلاح؟


هنا يحدث الانقلاب في مسار الدبيبة: علية المال بطبيعتها أقرب للشارع، لكن الدبيبة ابتعد عن الشارع كقوة سياسية، واعتمد على السلاح والتحالفات الخارجية، ففقد سبب وجوده. وحفتر أيضاً فقد سرديته الأصلية: القوة والعنف المفرط.
مارك ألبرتس في كتابه أنثروبولوجيا الديمقراطية يبين أن معادلة المال والسلاح هي معادلة التشريعات والشارع: علية السلاح تستعين بالتشريعات، وعلية المال تستعين بالناس. وهذا ما حدث تاريخياً في عشرات الدول.


لكن الطرفين في ليبيا تخليا عن سبب وجودهما، فاختلطت الأدوار، وهنا جاءت مبادرة بولس كحبل نجاة للطرفين: حفتر يجد طريقاً فرعياً أي غير انتخابي لوصول ابنه صدام للمجلس الرئاسي، والدبيبة أو فريقه يصلون للحكم دون شرعية شعبية.
لذلك تشبث الطرفان بالمبادرة وأعطوها أكبر من حجمها، رغم أنها لا تتجاوز البعثة الأممية، وأن ليبيا لا تزال في البند السابع.
الانتقال الذي يضعف الطرفين


الانتقال الذي فعله حفتر والدبيبة من مجال إلى آخر – من السلاح إلى المال، ومن المال إلى السلاح – هو الذي سيُضعف الطرفين معاً. حفتر عندما يدخل مجال التنمية يفقد صلابته العسكرية. والدبيبة عندما يدخل مجال السلاح يفقد شرعيته الشعبية.
هذا الانتقال يعني أن كل طرف خسر هويته السياسية، ولم يعد قادراً على الحسم منفرداً، ولن يبقى أمامهما إلا التحالف.
لكن هذا التحالف ليس تحالف قوة، بل تحالف ضعف، هدفه البقاء لا السيطرة.


السيناريو الأخطر


تغيّر في الغرب يسقط الدبيبة ويسقط معه حفتر إذا حدث تغير سياسي في الغرب – انتخابات، صراع داخلي، أو إعادة تشكيل التحالفات – فإن الدبيبة سيخسر الحكم، ومع خسارته سيخسر حفتر المسار الذي بنى عليه مشروعه الجديد. أيُّ سلطة جديدة في الغرب قد ترفض حفتر بالكامل، وتعيد العلاقة مع الشرق إلى نقطة الصفر. وبذلك تعود ليبيا إلى نفس المشكلات التي حاولت مبادرة بولس تأجيلها لا حلّها. سيناريوهات أخرى واضحة هي دولة عسكرية هشة يقودها حفتر، أو ديمقراطية أخرى تسمى ديمقراطية النخب ( علية القوم) حيث يحافظ المنفذون على السلطة ويصلون إلى نقطة وسط مع باقي المجتمع في إطار مكتوب أي دستور وهذا الذي عليه أغلب الدول في العالم حسب الدراسة التي ذكرناها سابقاً.


كيف تُحكم ليبيا خلال سنتين؟


الحكم خلال سنتين في ليبيا ليس مشروع دولة، بل إدارة مؤقتة للأزمة عبر تحالف المال والسلاح:
إن كنت من علية المال:
• ضم أكبر عدد من القوى السياسية والعسكرية ورجال الأعمال.
• استخدام التشريعات كدرع يحميك من السقوط.
• بناء شبكات ثقة مع الشارع، لا مجرد دعاية.
إن كنت من علية السلاح:
• تفصيل قانون انتقال سياسي يضمن الحصانات.
• تثبيت مكاسبك عبر وجود في المجلس الرئاسي أو الحكومة.
• الحفاظ على توازن العلاقات الخارجية.

في النهاية ليبيا خلال السنتين القادمتين لن تُحكم عبر انتخابات ولا دستور، بل عبر تحالف اضطراري بين علية المال وعلية السلاح، تحالف هشّ يسقط بسقوط أحد أطرافه. أما الدولة، فهي مشروع مؤجل إلى حين ظهور نخبة ثالثة لا تعتمد على المال ولا السلاح، بل على المعرفة والمؤسسات، وهي نخبة لم تولد بعد.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى