أخبار العالمملفات وتقارير

عنف متزايد ضد النساء بايران: استهداف مستمر وتحويل الحضور النسائي لتهديد وإذلال

تشهد الساحة العالمية موجات متصاعدة من التجاوزات الرقمية التي تستهدف العنصر النسائي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث انتحرت ثلاث فتيات صغيرات في محافظة لورستان الإيرانية، وقبل أن يتمكن الرأي العام من مناقشة أسباب هذه المأساة، انتشرت صورهن الخاصة على قناة في تطبيق تيليجرام. وفي الهند، تُشاهد مقاطع فيديو الاغتصاب الجماعي للنساء ملايين المرات، وتُصبح مادةً دسمةً للاستخدام على وسائل التواصل الافتراضي. وفي الوقت نفسه، تواجه النساء اللواتي شاركن في المسيرات الاحتجاجية في مدينة دلهي موجة من العنف الإلكتروني تتراوح بين التهديدات بالقتل والاغتصاب، وصولاً إلى نشر أرقام هواتفهن وعناوينهن ومعلومات عن عائلاتهن.

تتجسد هذه الممارسات باعتبارها امتداداً طبيعياً لبنى مجتمعية قديمة تحاول فرض هيمنتها عبر الوسائل الحديثة، وفي نظريتها حول بنى النظام الأبوي، تقول عالمة الاجتماع البريطانية سيلفيا والبي إن النظام الأبوي ليس مجرد مجموعة من المعتقدات الفردية، بل هو شبكة من البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والسياسية التي تعيد إنتاج عدم المساواة بين النساء والرجال. وترى أن الأسرة وسوق العمل والدولة والإعلام، بل وحتى العنف، كلها جزء من هذا النظام، وتعمل مجتمعة على إدامة هيمنة المرأة، مما يجعل الفضاء الرقمي مساحة أوسع لتكريس تلك السيطرة بأساليب مستحدثة ومتطورة للغاية.

تتفاعل المنظومة الرقمية مع هذه التحولات عبر آليات تجارية بحتة تكرس استغلال الأزمات الإنسانية لصالح تحقيق مكاسب مادية، ولعل ما يثير القلق أكثر من العنف نفسه هو اقتصاد العنف، فاليوم تستفيد بعض القنوات والصفحات التي تجذب الجمهور بنشر صور خاصة للنساء، أو إذلالهن، أو إعادة إنتاج محتوى جنسي، من زيادة المشاهدات، ويمكن تفسير هذه الظاهرة بمفهوم اقتصاد الانتباه حيث يكون المحتوى الصادم والمثير للغضب أكثر وضوحاً، وتساعد الخوارزميات على نشره دون مراعاة للعواقب الإنسانية، مما يطرح تساؤلات كبرى حول دور المتلقي في دعم هذه الدوائر المظلمة عبر النقر والمتابعة المستمرة.

تتكامل الأزمات المعيشية مع هذه الظواهر لتشكل ضغوطاً إضافية تعمق من معاناة الفئات الأكثر هشاشة داخل المجتمع، كما أن الوضع الاقتصادي المتردي يُفاقم هذا الوضع، وقد أظهرت تجارب العديد من الدول أنه في فترات انعدام الأمن الاقتصادي، تكون الفئات الضعيفة أكثر عرضة للاستهداف بالكراهية، والنساء، ولا سيما النساء الناشطات في المجال العام، هن أولى ضحايا هذه الدوامة، فالعنف في مثل هذه الظروف ليس مجرد أداة للقضاء على فرد، بل هو رسالة واضحة موجهة إلى الجميع بأن ثمن الظهور والنجاح باهظ للغاية ويستوجب التضحية بالسلامة الشخصية والنفسية.

تسهم حالة التطبيع المجتمعي في ترسيخ هذه السلوكيات وتحويلها إلى ممارسات يومية معتادة لا تحرك ضمير الرأي العام، لكن ربما يكمن الخطر الأكبر ليس في العنف بحد ذاته بل في تطبيعه، فعندما يُقابل نشر صور النساء، أو التهديدات بالاغتصاب، أو الإهانات الجنسية بالصمت أو النكات أو اللامبالاة، يتحول العنف من كونه استثناءً إلى جزء من الثقافة السائدة، هذه هي النقطة التي تحذر منها سيلفيا والبي، حيث تستمر البنى الأبوية في الوجود من خلال القبول الاجتماعي، دون الحاجة إلى إكراه مباشر يفرض نفسها على الأفراد بالقوة العسكرية أو القانونية المباشرة.

تستمر هذه الدوائر المفرغة في حصد المزيد من الضحايا طالما استمر التجاهل الجماعي لطبيعة هذه الجرائم وأبعادها الخطيرة على مستقبل الحريات العامة، والسؤال اليوم ليس ما إذا كانت كراهية النساء موجودة، فالأدلة كافية للإجابة على هذا السؤال، بل السؤال الأهم هو لماذا لا يزال الكثيرون يعتبرون العنف ضد المرأة ليس جريمة ولا مأساة بل أمراً طبيعياً، إذ إنه لن يتم كسر هذا التطبيع، وستظل كل متظاهرة، وكل صحفية، وكل ناشطة في مجال حقوق المرأة، وكل فتاة ترغب في العيش باستقلالية، خاضعة لنفس الدائرة المفرغة التي تبدأ بالإذلال وتنتهي أحياناً بالإبادة التامة في ظل صمت تشريعي واجتماعي مريب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى