نور الشريف والعدالة.. لماذا ظل القانون حاضرًا في أهم أعماله؟

من بين القضايا التي شغلت نور الشريف طوال مسيرته الفنية، كانت العدالة واحدة من أكثرها حضورًا. لكن اللافت أنه لم يتعامل معها باعتبارها نصوصًا قانونية أو أحكامًا تصدر من قاعات المحاكم، وإنما باعتبارها قيمة إنسانية أكبر من القانون نفسه. ففي معظم أعماله، لم يكن السؤال: «من المذنب؟»، بل كان: «هل حصل كل إنسان على حقه؟». وبين السؤالين مسافة كبيرة، وهي المسافة التي بنى عليها كثيرًا من أهم شخصياته.
لم يكن نور الشريف مولعًا بأدوار المحامين أو القضاة، ولم يقدم نفسه يومًا باعتباره بطلًا ينتصر في المحكمة بخطبة مؤثرة، كما اعتادت السينما أحيانًا. على العكس، كان مهتمًا بالطرف الآخر؛ الإنسان الذي يشعر أن العدالة ابتعدت عنه، أو الذي يحاول الوصول إليها في مجتمع أصبحت فيه الطريق أكثر تعقيدًا.
وربما يرجع ذلك إلى إيمانه بأن العدالة ليست شأنًا يخص رجال القانون وحدهم، وإنما هي أساس العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الفرد والمجتمع، وحتى بين الإنسان ونفسه.
ومن يتأمل أعمال نور الشريف سيكتشف أن فكرة العدالة كانت تتكرر بأشكال مختلفة.
في فيلم «الكرنك»، لم يكن السؤال الرئيسي هو من ارتكب الجريمة، وإنما: هل يمكن أن يتحقق العدل إذا خاف الناس من الكلام؟ وهل تستطيع مؤسسة أن تحاسب نفسها إذا غابت الرقابة؟
كانت شخصية إسماعيل الشيخ، التي جسدها نور الشريف، مثالًا لإنسان لم يُحاكم على فعل ارتكبه، بل دفع ثمن مناخ سياسي كامل. وهنا لم تعد القضية قضية فرد، وإنما قضية منظومة. ولذلك ظل الفيلم حاضرًا في ذاكرة المشاهدين، لأنه ناقش العدالة بمعناها الواسع، لا بمعناها الإجرائي.
أما في «أهل القمة»، فقد ظهر سؤال آخر.
هل يكفي أن يكون الإنسان غنيًا وناجحًا حتى يصبح فوق القانون؟
كان الضابط الذي قدمه نور الشريف يؤمن بأن العدالة لا تعرف طبقة اجتماعية، لكن الأحداث تكشف له أن المال قد يفتح أبوابًا يصعب على القانون الوصول إليها. وهنا لم يكن الفيلم ينتقد مؤسسة بعينها، بل كان يناقش خطر اختلال ميزان العدالة عندما يصبح النفوذ أقوى من النصوص.
وفي «العار»، اتخذت العدالة شكلًا مختلفًا تمامًا.
هنا لا توجد محكمة، ولا قاضٍ، ولا شرطي. هناك ضمير فقط.
بعد وفاة الأب، يكتشف الأبناء أن مصدر ثروة الأسرة هو تجارة المخدرات، فتبدأ محاكمة داخلية أقسى من أي محكمة رسمية. هل يرفضون المال؟ أم يستمرون في الطريق نفسه؟
الشخصية التي قدمها نور الشريف لم تكن تبحث عن مخرج قانوني، بل كانت تبحث عن مخرج أخلاقي. ولذلك بقي الفيلم واحدًا من أهم الأعمال التي ناقشت فكرة أن القانون قد يعجز أحيانًا عن معاقبة الإنسان، لكن ضميره لا يتوقف عن محاكمته.
وفي «حضرة المتهم أبي»، اقترب نور الشريف من العدالة من زاوية إنسانية مؤلمة.
قدم شخصية أب يعيش حياة مستقرة، قبل أن يجد نفسه متهمًا في قضية تهز حياته كلها. فجأة، يصبح الرجل الذي عاش عمره يحافظ على سمعته مطالبًا بإثبات براءته أمام المجتمع.
نجح المسلسل في طرح سؤال شديد القسوة: ماذا يحدث إذا أصبح الاتهام وحده عقوبة؟
فالعدالة لا تعني فقط أن يُعاقب المذنب، وإنما تعني أيضًا حماية البريء من الظلم. وهذه الفكرة كانت محورًا رئيسيًا في العمل، الذي جعل المشاهد يعيش معاناة إنسان يشعر بأن حياته تنهار، حتى قبل أن يقول القضاء كلمته.
وفي «سواق الأتوبيس»، لم تكن القضية جنائية أصلًا، لكنها كانت معركة من أجل العدالة الاجتماعية.
كان البطل يحاول إنقاذ ورشة والده، ويكتشف أن الإهمال والبيروقراطية والمصالح الخاصة تقف في طريقه. هنا لم يكن يطلب امتيازًا، بل كان يطلب فرصة عادلة.
وهذا النوع من العدالة كان حاضرًا بقوة في رؤية نور الشريف؛ العدالة التي تمنح الإنسان حقه في العمل، وفي الكرامة، وفي مستقبل أفضل.
حتى عندما لعب أدوار رجال الأعمال، كما في «الدالي»، لم يتخل عن هذه الفكرة.
كان يقدم شخصيات تؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إذا قام على الظلم. ولذلك ظلت شخصياته، حتى وهي تمتلك المال والنفوذ، منشغلة بالسؤال الأخلاقي: هل ما حققناه كان عادلًا؟
ولعل أكثر ما ميّز تجربة نور الشريف أنه لم يقدم العدالة باعتبارها نهاية سعيدة.
في كثير من أعماله، لا ينتصر البطل بصورة كاملة، ولا يحصل على كل حقوقه، ولا يخرج من التجربة كما دخلها. كان يرى أن الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك، وأن العدالة قد تتأخر، وقد تكون ناقصة، لكنها تظل القيمة التي يجب أن يسعى إليها الإنسان، حتى لو لم يدركها كاملة.
وهذا ما جعل شخصياته قريبة من الناس.
فالمواطن العادي لا يعيش حياته داخل قاعات المحاكم، لكنه يواجه كل يوم أسئلة تتعلق بالعدل؛ في العمل، وفي الأسرة، وفي الشارع، وفي علاقته بالدولة. ولذلك شعر الجمهور أن نور الشريف لا يمثل قصصًا بعيدة عنه، بل يجسد معارك يعيشها بنفسه.
كما أن ثقافته الواسعة لعبت دورًا مهمًا في هذه الاختيارات. فقد كان قارئًا للأدب والفلسفة والتاريخ، ويعرف أن العدالة كانت، عبر العصور، القضية التي قامت عليها الدول وسقطت بسبب غيابها الإمبراطوريات. ولهذا لم يكن يتعامل معها باعتبارها موضوعًا دراميًا فقط، وإنما باعتبارها أساس استقرار المجتمع.
ومن هنا، يمكن فهم سر تكرار هذه الفكرة في أعماله. لم يكن يكررها لأن الموضوع ناجح جماهيريًا، بل لأنه كان مقتنعًا بأن الإنسان سيظل يبحث عن العدالة، مهما تغيرت الأزمنة.
وربما لهذا بقيت أعماله حية حتى اليوم.
فالملابس تغيرت، والمدن كبرت، والوجوه تبدلت، لكن الأسئلة التي طرحها ما زالت مطروحة. هل القانون وحده يكفي لتحقيق العدل؟ وهل يستطيع المجتمع أن يكون مستقرًا إذا فقد الناس ثقتهم في العدالة؟ وهل الضمير يمكن أن يكون، أحيانًا، أقسى من أي حكم قضائي؟
هذه الأسئلة لم يجب عنها نور الشريف بشكل مباشر، لكنه تركها معلقة أمام المشاهد، ليكتشف بنفسه أن العدالة ليست حكمًا يصدر في نهاية القضية، بل قيمة يجب أن ترافق المجتمع في كل تفاصيله.
ولهذا، لم يكن نور الشريف فنانًا جسّد العدالة على الشاشة فقط، بل كان أحد أكثر الفنانين إيمانًا بأن الفن نفسه يمكن أن يكون وسيلة للدفاع عنها، وأن العمل الذي يوقظ ضمير الناس قد يحقق من العدالة ما تعجز عنه أحيانًا عشرات الخطب والشعارات.





