
منذ عدة أشهر ونحن نسمع بأن هناك تحركًا ما في المنطقة يبحث في محاولة تشكيل محور دفاعي مشترك بين دول المنطقة، وقد أسماه الكيان «المحور السني»، إلى أن جاء يوم أمس، وتحقق ذلك الخبر على أرض الواقع ما بين المملكة العربية السعودية وتركيا والباكستان، من مكة، عبر التوقيع على اتفاقية سميت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك».
تم التوقيع على الاتفاقية في مكة المكرمة، في قصر الصفا، بحضور قادة الدول الثلاث، وتقتضي تلك الاتفاقية تعزيز الردع المشترك. لاحظوا كلمة «ردع»، فهي المحور الأساسي في تلك الاتفاقية، واعتبار أي اعتداء أو هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث بمثابة هجوم على الجميع.
أولًا: أبارك للدول الثلاث الذين وقعوا تلك الاتفاقية في ظل ظروف تاريخية تحاول بها بعض القوى أن تفرض حضورها على دول المنطقة، وهما طهران والكيان، ودخل كلا الطرفين بمسرحية صراع بينهما، الهدف منها هو السيطرة على دول الخليج.
وقد يستغرب البعض بتسميتي لها مسرحية رغم أنهما دخلا فعلًا في حرب حقيقية، ضرب كل طرف الطرف الآخر بضربات موجعة، وهذا صحيح، ولكن كان لا بد من تمثيل المسرحية بواقعية لكي يقتنع من لا يريد الاقتناع بأنها مسرحية، حيث يشاهد بها خراب ودمار وقتل، ولكن المقصود بنهاية تلك المسرحية هو دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.
ودليلي على ذلك كمية الصواريخ والمسيرات التي تلقتها، ولا زالت تتلقاها، دول الخليج، سواء عبر طهران مباشرة أو أذرعها التي تلقت مؤخرًا رسالة شديدة اللهجة لتوقف عبثها مع السعودية ودول المنطقة، وتوقفت بالفعل، حتى الكيان الذي أسماه «المحور السني» لاستفزاز طهران تحديدًا.
ثانيًا: اتفاقية مكة للدفاع المشترك هي اتفاقية ردع، وليست اتفاقية هجوم على أي طرف من الأطراف الفاعلة في المنطقة، بالذات طهران والكيان، حيث إن مضمونها أن أي اعتداء على أي دولة من الدول الموقعة عليها هو اعتداء على الأطراف الموقعة عليها.
وهي رسالة بها حنكة سياسية بالغة الأهمية بعدما حاولت طهران والكيان خلط الأوراق في المنطقة، وستقيد يد طهران والكيان في المنطقة بشكل سيجعلهما يحسبان مليون حساب إن فكروا بالإضرار بالمملكة أو حتى أي دولة خليجية، كون المملكة هي الشقيقة الكبرى لدولنا الخليجية والحاضنة لها، لارتباط أمنها بأمن دول الخليج.
وأدعو دول الخليج بالدخول لتلك الاتفاقية في وقت تبدو فيه المحاور في المنطقة والتكتلات هي الحامية والضامنة، خصوصًا وأن دول المنطقة والباكستان وتركيا تمتلك مقومات غاية في الأهمية، سواء كان على المستوى الاقتصادي، فالمملكة وتركيا ضمن الدول العشرين العظيمة، والباكستان لديها سلاح ردع نووي، ويمتلكون موقعًا استراتيجيًا وبعدًا عقائديًا تاريخيًا، وكتلة بشرية وازنة لا يستهان بها.
أُهنئ الدول الثلاث على هذا الاتفاق الذي يأتي في وقت أحوج ما تكون به المنطقة لمن فرض نفسه على أمنها واستقرارها ومستقبلها، وإن دل فإنما يدل على حكمة وحنكة سياسية، وآن أوان فرض السلام في المنطقة لتتفرغ للتنمية والتطور وبناء السلام، بعد أن أُنهِكت من الصراعات بها التي لم تتوقف على مدى العقود الماضية.
فهل تحقق اتفاقية مكة السلام في المنطقة؟
هذا ما آمله…







