
في مقالي السابق كتبت عن خمسة أشياء توقفت عن فعلها فارتحت توقفت عن التبرير، والعتاب، والطيبة بلا حدود، وانتظار الكمال، وانتظار الاعتذار.
سألني كثيرون بعدها وماذا وجدت بعد أن تركت كل هذا؟
الفراغ الذي يتركه التخلي، بماذا ملأته؟
والحقيقة أنني لم أجد فراغاً، وجدت نفسي.
أول ما وجدته وجدت قيمة الصمت كنت قديماً أتكلم كثيراً لأثبت وجهة نظري، وأجادل لأفوز بالنقاش، وأرفع صوتي ليُسمع رأيي كنت أظن أن الصمت ضعف.
اليوم أدركت أن الصمت هو قمة القوة أن تصمت وأنت قادر على الرد، وأن تبتسم وأنت قادر على التجريح، وأن تنسحب وأنت قادر على المواجهة، هذا هو النضج بعينه.
تعلمت أن ليس كل رأي يجب أن يقال، وليس كل حقيقة يجب أن تعلن، وليس كل معركة يجب أن تخوضها بعض المعارك نصرها الوحيد أن لا تخوضها من الأساس.
منذ أن صمتّ، أصبحت كلماتي أقل لكنها أثقل، وحضوري أهدأ لكنه أعمق.
ثاني ما وجدته وجدت أن الوقت هو العملة الحقيقية ونحن شباب كنا ننفق وقتنا بسخاء على كل شيء ساعات في نقاشات عقيمة، وأيام في علاقات مرهقة، وشهور في انتظار أشياء لن تأتي.
اليوم أصبحت بخيلاً جداً في وقتي، كريماً جداً في حياتي لم أعد أجلس في مكان لا أرتاح فيه، ولا مع شخص لا يضيف لي، ولا أناقش موضوعاً لا يهمني وقتي أصبح مقدساً أمنحه لمن يستحق، ولما يستحق، ولنفسي أولاً.
اكتشفت أن أكبر علامة على احترامك لذاتك هي كيف تدير وقتك ومع من تقضيه.
ثالث ما وجدته توقفت عن المقارنة وهذه كانت لعنة شبابي أقارن عملي بعمل فلان، وبيتي ببيت فلان، ورزقي برزق فلان، وطريقي بطريق فلان.
والمقارنة هي أسوأ أنواع الظلم، تظلم بها نفسك قبل أن تظلم أحداً كل إنسان له توقيته، وله ظروفه، وله اختباراته الخاصة التي لا تعرف عنها شيئاً.
ما تراه من حياة الآخرين هو الصفحة الأخيرة المضيئة، ولا تعرف كم صفحة ممزقة قبلها اليوم أنا لا أقارن، أنا أركز أركز على طريقي، على خطوتي، على نموي أنا أفرح لنجاح غيري لأنه لا ينقص من نجاحي شيئاً، وأحزن لتعثري لأنه يعلمني، لا لأنه يجعلني أقل من غيري.
توقفت عن النظر في حدائق الآخرين، وبدأت أسقي حديقتي، فأزهرت أخيراً.
رابع ما وجدته تعلمت أن أسامح نفسي كنا نسامح الجميع إلا أنفسنا كنت قاسياً جداً على نفسي ألومها على كل قرار خاطئ، وأجلدها على كل فرصة ضاعت، وأعاتبها على كل طيبة قدمتها في غير موضعها حتى سألتها يوماً: إلى متى؟.
إلى متى سأظل أسير أخطاء الماضي؟ الماضي لا يعود ليُصلح، لكنه يعود ليُعلم
سامحت نفسي سامحتها على سذاجتها وطيبتها وتسرعها قلت لها فعلتِ ما كنتِ تعرفينه وقتها، بما كان لديكِ من وعي، وهذا يكفي.
ومنذ أن تصالحت مع نفسي، تصالحت مع العالم كله.
خامس ما وجدته وجدت أن القلة تكفي قلة صادقة من الأصدقاء تكفي، وقليل من المال الحلال يكفي، وقليل من الكلام الصادق يكفي، وقليل من السعادة الحقيقية يكفي.
كنت أركض وراء الكثرة ، كثير من الناس، كثير من المال، كثير من المظاهر ثم اكتشفت أن الكثرة ترهق، والقلة الصادقة تريح.
أصبحت علاقاتي محدودة لكنها عميقة، أفراحي بسيطة لكنها حقيقية، وأحلامي قليلة لكنها ممكنة.
الخلاصة…
إن رحلة النضج ليست أن تترك أشياء فقط، بل أن تجد أشياء أجمل مكانها.كح
تركت الضجيج فوجدت الهدوء، وتركت الكثرة فوجدت البركة، وتركت المقارنة فوجدت الرضا، وتركت لوم نفسي فوجدت السلام.
إن لم تكن قد بدأت هذه الرحلة بعد، فابدأ الآن.
فالعمر لا يقاس بعدد السنوات التي عشتها، بل بعدد السنوات التي بدأت فيها تعيش لنفسك بصدق.
وهذا ما فعلت .. بدأت أعيش أخيراً.







