الحرب في الشرق الأوسط

اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. هل تتجه المنطقة إلى صياغة معادلة أمنية جديدة؟

في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا خلال السنوات الأخيرة، برز الإعلان عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان باعتباره تطورًا لافتًا، أعاد إلى الواجهة النقاش حول مستقبل الأمن الإقليمي، ودور دول المنطقة في بناء ترتيبات دفاعية تعتمد بصورة أكبر على التعاون فيما بينها، بعيدًا عن الصيغ التقليدية التي ظلت لعقود ترتكز على القوى الدولية.

ولا تبدو أهمية الاتفاقية في كونها تجمع ثلاث دول ذات ثقل سياسي وعسكري فحسب، وإنما في توقيتها أيضًا، إذ جاءت في مرحلة تشهد تحولات متسارعة، بدءًا من الحرب بين إسرائيل وإيران، مرورًا بالتصعيد في البحر الأحمر، ووصولًا إلى التحديات المرتبطة بأمن الطاقة، وحماية الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب.

ويرى مراقبون أن هذه المتغيرات دفعت العديد من دول المنطقة إلى إعادة النظر في فلسفة الأمن الإقليمي، والبحث عن صيغ تعاون أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات المتسارعة، في ظل بيئة استراتيجية أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

وتجمع الاتفاقية ثلاث دول تمتلك عناصر قوة مختلفة ومتكاملة. فالمملكة العربية السعودية تمثل إحدى أهم القوى الاقتصادية والسياسية في المنطقة، وتتمتع بموقع جغرافي يجعلها لاعبًا رئيسيًا في أمن الخليج والبحر الأحمر، كما تواصل تطوير قدراتها العسكرية ضمن رؤية تستهدف تعزيز الاعتماد على الصناعات الدفاعية المحلية.

أما تركيا، فقد نجحت خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الدول المنتجة للتكنولوجيا العسكرية، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة والمنظومات الدفاعية، إلى جانب امتلاكها خبرة عملياتية واسعة اكتسبتها من مشاركاتها في عدد من الملفات الإقليمية.

وفي المقابل، تضيف باكستان بُعدًا مختلفًا إلى هذا التعاون، باعتبارها الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي، وصاحبة أحد أكبر الجيوش في العالم الإسلامي، فضلًا عن خبرتها الطويلة في مجالات التصنيع العسكري والتدريب.

ويرى متخصصون أن تكامل هذه القدرات قد يمنح الاتفاقية بعدًا يتجاوز التعاون التقليدي، ليفتح الباب أمام شراكات أوسع في مجالات الصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، والتدريب المشترك، والتنسيق الاستخباراتي، والأمن السيبراني، وهي المجالات التي أصبحت تشكل العمود الفقري للتحالفات الدفاعية الحديثة.

وفي المقابل، يؤكد خبراء أن الحكم على الاتفاقية لا ينبغي أن يستند إلى الإعلان عنها فقط، وإنما إلى طبيعة آليات التنفيذ، ومدى نجاح الأطراف الثلاثة في تحويل بنودها إلى برامج عملية ومؤسسات دائمة للتنسيق والتعاون.

ويكتسب الإعلان عن الاتفاقية أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة البيئة الإقليمية المحيطة بها، إذ من المتوقع أن تتابع القوى الإقليمية والدولية هذا التطور باهتمام، في ظل ما قد يحمله من انعكاسات على موازين القوى في المنطقة.

فإيران قد تنظر إلى أي تعاون دفاعي جديد من زاوية تأثيره على التوازنات الأمنية في الخليج، بينما ستراقب إسرائيل طبيعة هذا التنسيق ومدى تطوره خلال المرحلة المقبلة، في حين تتابع الولايات المتحدة، التي ظلت لعقود اللاعب الأكثر حضورًا في المنظومة الأمنية الإقليمية، أي ترتيبات جديدة قد تعيد توزيع الأدوار داخل المنطقة.

ورغم ذلك، يرى محللون أن الحديث عن ولادة حلف عسكري جديد لا يزال سابقًا لأوانه، خاصة أن الاتفاقية ما زالت في بداياتها، وأن نجاحها سيتوقف على قدرة الدول الثلاث على تطوير التعاون بصورة تدريجية، وتحويله إلى إطار مؤسسي مستدام.

كما يطرح الإعلان تساؤلات بشأن إمكانية انضمام دول أخرى مستقبلًا، خاصة إذا أثبتت الاتفاقية قدرتها على تحقيق نتائج عملية في مجالات الأمن والدفاع والتصنيع العسكري، وهو ما قد يفتح الباب أمام أشكال جديدة من التعاون الإقليمي.

ويؤكد مراقبون أن المنطقة تمر بمرحلة تعيد فيها صياغة أولوياتها الأمنية، في ظل تحديات لم تعد تقتصر على النزاعات العسكرية التقليدية، وإنما تمتد إلى أمن الطاقة، والهجمات السيبرانية، والإرهاب، وأمن الممرات البحرية، وهي ملفات يصعب على أي دولة التعامل معها بصورة منفردة.

وفي هذا السياق، قد تمثل اتفاقية مكة مؤشرًا على اتجاه أوسع نحو تعزيز الاعتماد على الشراكات الإقليمية، بما يمنح دول المنطقة مساحة أكبر للمشاركة في إدارة أمنها، بدلًا من الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.

وربما لا تكون أهمية الاتفاقية في بنودها الحالية فقط، وإنما في الرسالة التي تعكسها، وهي أن الشرق الأوسط يشهد مرحلة جديدة من إعادة ترتيب معادلاته الأمنية، وأن النقاش لم يعد يدور حول من يحمي المنطقة، بقدر ما أصبح يدور حول قدرة دولها على بناء منظومة تعاون تحقق مصالحها، وتستجيب للتحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم والعالم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى