مصر

الزعيم الراحل فؤاد سراج الدين.. رجل دولة عبر العصور

في تاريخ الدول، يبرز سياسيون يرتبط حضورهم بمرحلة زمنية محددة، بينما ينجح آخرون في أن يتحولوا إلى جزء من الذاكرة الوطنية بما تركوه من مواقف وأفكار. ويعد فؤاد باشا سراج الدين واحدًا من أبرز رجال الدولة الذين ارتبطت أسماؤهم بالحياة السياسية المصرية في القرن العشرين، بعدما عايش الاحتلال البريطاني، وشارك في العمل الوزاري والبرلماني، وقاد حزب الوفد، ثم واجه سنوات الإقصاء والاعتقال، قبل أن يعود إلى الحياة السياسية مع استعادة التعددية الحزبية.

وفي التاسع من أغسطس، تحل ذكرى رحيل فؤاد سراج الدين، الذي لم تكن مسيرته مجرد رحلة في المناصب، بل تجربة سياسية امتدت عبر محطات مصيرية شهدتها مصر، من معركة الاستقلال الوطني، إلى قيام ثورة يوليو، ثم إعادة بناء الحياة الحزبية في العقود اللاحقة.

وُلد فؤاد سراج الدين عام 1911، في وقت كانت فيه مصر تخوض معركتها من أجل الاستقلال، وسط صعود الحركة الوطنية وحزب الوفد بقيادة سعد زغلول، ثم مصطفى النحاس باشا. وبعد تخرجه في كلية الحقوق، عمل وكيلًا للنائب العام، قبل أن يتجه إلى العمل السياسي، مقتنعًا بأن القانون والسياسة يشكلان معًا أساس بناء الدولة الحديثة.

داخل حزب الوفد، لمع اسمه سريعًا، ليس بسبب مكانته الاجتماعية، وإنما بفضل قدراته التنظيمية وثقافته القانونية وأدائه البرلماني، حتى أصبح من أقرب الشخصيات إلى مصطفى النحاس باشا، وشارك في إدارة واحدة من أهم التجارب الحزبية في التاريخ المصري الحديث.

وخلال سنوات قليلة، تولى عددًا من الحقائب الوزارية، شملت الزراعة والمواصلات والمالية، قبل أن يتولى وزارة الداخلية، ليصبح أحد أبرز رجال الدولة في تلك المرحلة، التي اتسمت بتشابك الصراع بين الاحتلال البريطاني والقصر الملكي والقوى الوطنية.

وترتبط أبرز محطات فؤاد سراج الدين بمعركة الإسماعيلية في الخامس والعشرين من يناير عام 1952، عندما رفضت قوات الشرطة المصرية الإنذار البريطاني بتسليم أسلحتها وإخلاء مواقعها، لتندلع مواجهة غير متكافئة تحولت لاحقًا إلى رمز للمقاومة الوطنية، وإلى مناسبة تحتفل بها مصر سنويًا بعيد الشرطة.

ويرى كثير من المؤرخين أن موقف وزير الداخلية آنذاك، فؤاد سراج الدين، كان أحد أبرز المواقف السياسية في تلك المرحلة، بعدما تمسك بعدم الاستسلام، معتبرًا أن هيبة الدولة لا تنفصل عن الدفاع عن مؤسساتها وسيادتها.

لكن المشهد السياسي في مصر تبدل سريعًا مع قيام ثورة يوليو 1952، التي أنهت النظام الملكي، وألغت الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها حزب الوفد، ليدخل فؤاد سراج الدين مرحلة جديدة من حياته، شهدت اعتقاله أكثر من مرة، ومصادرة ممتلكاته، وابتعاده عن الحياة العامة لسنوات طويلة.

ورغم تلك التحولات، لم يغادر العمل الوطني من بوابة الخصومة أو الانتقام، بل ظل متمسكًا بأفكاره، مؤمنًا بأن تغير الأنظمة لا ينبغي أن يغير المبادئ، وأن الاختلاف السياسي لا يبرر إسقاط الاحترام المتبادل بين الخصوم.

ويُروى عنه أنه كان يرفض الإساءة إلى مخالفيه، حتى في أشد لحظات الخلاف، مؤكدًا أن الرجال تُقاس بما قدموه لأوطانهم، لا بما وقع بينهم من نزاعات سياسية. وهي فلسفة انعكست في علاقاته بعدد من كبار رجال السياسة، وفي مقدمتهم مصطفى النحاس باشا ومكرم عبيد.

ومع عودة التعددية الحزبية في أواخر سبعينيات القرن الماضي، عاد فؤاد سراج الدين إلى الساحة السياسية، وقاد إعادة تأسيس حزب الوفد، مؤكدًا أن وجود أحزاب قوية وحياة نيابية حقيقية يمثل أحد أهم ركائز الدولة الحديثة.

وخلال تلك المرحلة، حرص على تقديم نموذج مختلف في العمل العام، يقوم على احترام المؤسسات، والتمسك بالحوار، وإعلاء قيمة المسؤولية الأخلاقية في الممارسة السياسية، وهو ما جعل كثيرًا من تلاميذه يعتبرونه مدرسة سياسية متكاملة، قبل أن يكون مجرد زعيم حزبي.

وعلى المستوى الإنساني، عُرف فؤاد سراج الدين بالبساطة والكرم والتمسك بكرامته، حتى في أصعب سنوات حياته، بعد خروجه من السلطة ومصادرة جزء كبير من ممتلكاته. واختار أن يبدأ من جديد، معتمدًا على عمله الخاص، رافضًا أن تتحول المحنة إلى سبب لفقدان احترامه لنفسه أو للآخرين.

وفي التاسع من أغسطس، رحل فؤاد سراج الدين، لكنه ترك وراءه تجربة سياسية ما زالت حاضرة في الذاكرة المصرية، ليس فقط لما شغله من مناصب، وإنما لما مثله من نموذج لرجل دولة جمع بين العمل السياسي والالتزام الأخلاقي.

وربما لهذا السبب، يبقى اسمه حاضرًا كلما جرى الحديث عن تاريخ حزب الوفد، أو معركة الإسماعيلية، أو الحياة النيابية في مصر، باعتباره واحدًا من الشخصيات التي ارتبطت بفكرة الدولة، وآمنت بأن السياسة ليست صراعًا على السلطة، بقدر ما هي مسؤولية تجاه الوطن.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى