د. أيمن نور يكتب: فؤاد باشا… 26 عامًا من غياب أقرب للحضور. وجوه لا تغيب

بقلم د. أيمن نور
اليوم، التاسع من أغسطس، أدخل متحف «وجوه لا تغيب» في جمعية الشرق للثقافة، وأقف أمام تمثال فؤاد سراج الدين الذي يتصدر المكان. لكن وقفة اليوم ليست ككل الوقفات.
سأقف أمامه كما وقفت أمامه للمرة الأولى منذ أكثر من أربعين عامًا: تلميذًا يحاول أن يخفي ارتباكه أمام أستاذه، وابنًا يعرف أن بعض الآباء لا تنتهي أبوتهم بالرحيل.
سأنظر إلى ملامحه الساكنة في التمثال، وأستعيد وجهًا كان شديد الحياة. وربما أقول له في سري:
يا باشا… مضى على رحيلك ستة وعشرون عامًا، وما زلت أتعلم منك.
فالذي تعلمته من هذا الرجل وأنا في العشرين من عمري، ربما فاق كثيرًا مما تعلمته بعد ذلك، حتى بلغت الثانية والستين.
رحل فؤاد باشا في التاسع من أغسطس عام 2000، لكن الموت، أحيانًا، يخطئ في تقدير سلطانه. يأخذ الجسد، ويظن أنه أخذ الرجل. يطفئ الصوت، ثم يكتشف أن الصدى أبقى من الصوت. يغلق باب البيت، فإذا بصاحبه يخرج منه إلى ذاكرة وطن بأكمله.
هكذا غاب فؤاد سراج الدين عن عيني، ولم يغب عن حياتي. ستة وعشرون عامًا وأنا أكتشف، كلما تقدمت بي السن، أن بعض كلماته التي سمعتها شابًا لم أفهم معناها كاملًا إلا بعد أن دفعت الحياة ثمن تفسيرها.
عشت إلى جواره ما يقرب من عقدين. وكانت سنوات التفتح والتعلم والوعي. لم يكن الوفد عندي مجرد حزب، بل مدرسة سياسية وأخلاقية ووطنية.
لم يكن استمارة عضوية، ولا بطاقة حزبية، ولا سلمًا إلى مقعد. كان حالة وطنية ومسارًا من القيم يمتد من محمد عبده إلى سعد زغلول، ومن سعد إلى مصطفى النحاس، ومن النحاس إلى فؤاد سراج الدين.
أحببت النحاس من خلال حب فؤاد باشا له. وفهمت سعدًا من خلال وفائهما له. وفهمت، بعد ذلك، أن الأفكار الكبيرة لا تورث كما تورث البيوت والأموال؛ إنها تنتقل من قلب إلى قلب، ومن ضمير إلى ضمير.
ولهذا ظل الوفد بالنسبة لي تاريخًا عشته، لا بطاقة أحملها. وظلت مدرسته جزءًا مني، حتى بعد أن افترقت الطرق وتغيرت الأسماء والعناوين.
قبل أيام وقعت عيناي على مقال قديم للأستاذ عباس محمود العقاد، عنوانه اللافت: «الخلق السياسي في مصر». توقفت طويلًا أمام العنوان قبل أن أتوقف أمام الكلمات.
الخلق السياسي.
كلمتان تبدوان اليوم، في عالمنا العربي، كأنهما غريبان لم يسبق لهما أن التقيا! فالسياسة عند البعض أصبحت فنًا للمناورة، والأخلاق عبئًا على المناورة. السياسة عندهم أن تعرف متى تغير كلامك، ومتى تغير موقعك، ومتى تغير أصحابك، وربما متى تغير ذاكرتك.
أما المدرسة التي تعلمت فيها، فكانت تقول العكس تمامًا: إن السياسة، حين تفارق الأخلاق، لا تصبح سياسة أكثر ذكاء… بل تصبح مجرد حرفة للوصول والبقاء.
والفكرة التي قرأتها بين سطور العقاد أن الدساتير والقوانين، مهما بلغت دقتها، لا تكفي وحدها لصناعة حياة سياسية سليمة. فخلف النصوص لا بد أن يوجد «خلق سياسي» يحرسها: مواطن يعرف معنى صوته، ونائب يعرف معنى الأمانة، وحكومة تعرف حدود سلطانها، ومعارضة تعرف أن الخصومة ليست عداوة.
وجدتني وأنا أقرأ أرى فؤاد باشا بين السطور. لا لأن العقاد كان يكتب عنه، بل لأن فؤاد سراج الدين عاش الفكرة.
فالسياسة عنده لم تكن ما يقوله المرء عندما تضاء الأنوار، بل ما يفعله عندما تنطفئ، ولا يبقى شاهدًا عليه إلا ضميره.
عرفت في حياتي سياسيين كثيرين. عرفت من يرفع صوته كي يخفي ضعف موقفه، ومن يغير موقفه كي يحتفظ بمقعده، ومن يقبل اليد في الصباح ثم يلعن صاحبها في المساء.
أما فؤاد باشا فعلمني نوعًا آخر من الرجال. رجالًا يستطيعون أن يقولوا «لا» بصوت منخفض، فتسمعها دولة بأكملها. رجالًا يدفعون ثمن مواقفهم دون أن يعرضوا إيصال الدفع على الناس. رجالًا يخسرون موقعًا، ولا يخسرون أنفسهم.
وأتذكر أن أقسى وصف سمعته منه يومًا في حق كاتب حكومي أسرف في الإساءة إليه وإلى الوفد، لم يكن سبابًا ولا تجريحًا، بل كلمتين فقط:
«بلا خلق».
لم يشتمه. لم يفتش في حياته. لم يرد الإساءة بإساءة. كأنه كان يرى أن سقوط الخلق هو أقصى درجات السقوط.
وكم تبدو لي تلك العبارة الصغيرة اليوم أكبر من الواقعة وصاحبها وخصمه:
بلا خلق.
ربما كانت هذه، في قاموس فؤاد سراج الدين، أقسى إدانة سياسية ممكنة.
ولم تكن الأخلاق عنده نعومة أو ضعفًا. كان الرجل يعرف كيف يقاتل. لكنه كان يعرف، قبل ذلك، لماذا يقاتل، ومن يقاتل، وأين يجب أن يتوقف القتال.
واجه القصر حين استوجب الموقف، وواجه الاحتلال البريطاني حين وجب، وذاق الاعتقال والسجن والمصادرة بعد يوليو، ثم عاد بعد سنوات الغياب ليعيد الوفد إلى الحياة السياسية.
تعاقبت عليه السجون والأنظمة، وبقي شيء واحد عصيًا على المصادرة: رأسه المرفوع.
ولعل اللحظة التي تختصر فلسفته في الدولة والأمن والأخلاق كانت صباح الخامس والعشرين من يناير 1952. كان وزيرًا للداخلية عندما طلبت قوات الاحتلال البريطاني من رجال الشرطة المصرية في الإسماعيلية تسليم سلاحهم وإخلاء مواقعهم.
وكان موقف فؤاد سراج الدين واضحًا: الصمود وعدم الاستسلام. ومن تلك اللحظة ولدت ملحمة صار يومها لاحقًا عيدًا للشرطة المصرية.
تأملوا المفارقة التي تختصر فلسفة كاملة للحكم: وزير داخلية يأمر الشرطة ألا تنحني أمام المحتل، لا أن ينحني المواطن أمام الشرطة.
هنا الفارق كله. هنا يصبح الأمن جزءًا من الكرامة الوطنية، لا خصمًا منها. وهنا تصبح وزارة الداخلية بيتًا لحماية الدولة والمواطن، لا غرفة لإدارة الخوف.
لم يكن فؤاد باشا ملاكًا سياسيًا، ولا أحب أن نحول الرجال الذين نحبهم إلى تماثيل من رخام لا تخطئ. اختلف وأخطأ، وخاض معارك حزبية قاسية، وكان ابن زمن له أدواته وتركيبته وتناقضاته.
لكن ميزته الكبرى أنه كان قابلًا لأن تختلف معه دون أن تضطر إلى احتقاره. وهذه، في السياسة، فضيلة نادرة.
كان يعرف أن الخلاف في الرأي لا يمنحك رخصة للكذب على خصمك، وأن هزيمة المنافس لا تستحق أن تهزم نفسك أخلاقيًا، وأن المعارضة شرف لا ثأر، والسلطة أمانة لا غنيمة.
وعندما أعود بذاكرتي إلى سنواتي معه، لا أتذكر الخطب وحدها. أتذكر التفاصيل الصغيرة. طريقة إنصاته. صمته الذي كان أحيانًا أبلغ من خطبة. ابتسامته عندما يسمع حماسة شاب يريد تغيير العالم قبل نهاية الأسبوع! قدرته على أن يختلف دون أن يهين. وقدرته الأعجب على أن يسامح دون أن ينسى الدرس.
كنت أذهب إليه وفي رأسي سؤال سياسي، فأخرج وفي قلبي درس في الحياة. كنت أتصور أنني أتعلم كيف أصبح سياسيًا، ثم اكتشفت بعد سنوات أن الرجل كان يحاول، قبل ذلك، أن يعلمني كيف يبقى السياسي إنسانًا.
لهذا لم تكن علاقتي به علاقة عضو حزب برئيس حزب. كانت شيئًا آخر.
علاقة تلميذ بأستاذ، ثم تحولت، دون إعلان، إلى علاقة ابن بأب روحي.
جاورته وعشته ما يقرب من عقدين، ورأيت عن قرب ما لا تستطيع كتب التاريخ أن ترويه: المسافة بين الرجل وصورته العامة، بين الزعيم والإنسان، بين صرامة الموقف وحنان القلب.
تعلمت منه أكثر مما تعلمت لاحقًا في قاعات البرلمان، وفي الصحافة، وفي المحاكم، وفي السجون، وفي تجارب السياسة الطويلة.
فالكتب تعلمنا ماذا قال الرجال. أما القرب منهم فيعلمنا كيف كانوا رجالًا.
علمني فؤاد باشا أن تقبيل الأيادي ليس دليلًا على الإخلاص. وأن أكثر الواقفين انحناء أمامك قد يكونون أول الواقفين فوقك عندما تسقط.
وأن الوفاء ليس أن تقول لرجل «نعم» في كل شيء، بل أن تستطيع أن تقول له «لا» دون أن تفقد محبتك له أو احترامه لك.
علمني أن الكرامة لا تقبل التقسيط. وأن المعارضة لا تبرر الكذب. وأن السلطة امتحان أخلاقي يومي. وأن السجن قد يغلق بابًا على جسد رجل، لكنه يعجز أحيانًا عن إغلاق نافذة واحدة في روحه.
لهذا أعود إليه اليوم. لا لأضع وردة أمام تمثال. فالتماثيل لا تشم الزهور.
ولا لأستدعي حزنًا عمره ستة وعشرون عامًا. فبعض الأحزان، حين تعتق، تتحول إلى حكمة.
سأقف أمامه لأقول إن مصر التي أحبها، والتي أحبها هو قبلي، ما زالت في حاجة إلى ذلك الدرس القديم والبسيط:
السياسة أخلاق.
ليست الأخلاق زينة نضعها على حافة السياسة حين تسمح الظروف. وليست ترفًا يمارسه السياسي عندما يكون آمنًا، ويتخلى عنه عندما يصبح الثمن غاليًا.
الأخلاق هي السياسة عندما تختبر. والموقف الأخلاقي الحقيقي هو ذلك الذي نتخذه عندما تكون كلفته أكبر من مكاسبه.
وبعد ستة وعشرين عامًا من رحيله، يبدو لي أن أزمة السياسة في مصر ليست فقط أزمة دستور، أو قانون، أو انتخابات، أو أحزاب. إنها، قبل ذلك وبعده، أزمة خلق سياسي.
نستطيع أن نكتب أجمل الدساتير، ثم نهزم روحها. ونستطيع أن نبني أكبر البرلمانات، ثم نصغر داخلها. ونستطيع أن نملأ الشوارع بصور الحاكم، ثم نفرغ الدولة من معنى الحكم.
فالديمقراطية ليست صندوقًا فقط؛ إنها أخلاق قبول الآخر. والدولة ليست قوة فقط؛ إنها أخلاق استعمال القوة. والمعارضة ليست صوتًا مرتفعًا فقط؛ إنها أخلاق الاختلاف. والوطنية ليست نشيدًا فقط؛ إنها أخلاق المسؤولية.
وهذا، في ظني، هو الجسر الذي يصل مقال العقاد القديم بسيرة فؤاد سراج الدين: الدولة التي لا يحرس قوانينها ضمير، تستطيع أن تمتلك كل النصوص… وتفقد كل المعاني.
اليوم، وأنا أعبر باب متحف «وجوه لا تغيب»، سأرى عشرات الوجوه التي حاولنا أن ننقذها من ذلك الموت الثاني الذي اسمه النسيان. لكنني أمام تمثال فؤاد باشا سأكون أنا الذي يحتاج إلى الذاكرة.
سأقف أمام أبي الروحي، لا لأخبره بما حدث في السنوات الست والعشرين التي غابها؛ فربما تحتاج الحكاية إلى ستة وعشرين عامًا أخرى!
سأكتفي بأن أقول:
يا باشا…
كبر تلميذك.
مر من البرلمان إلى السجن، ومن الانتخابات إلى المنفى، ومن انتصارات صغيرة إلى انكسارات كبيرة.
رأى من السياسة وجوهًا كثيرة؛ بعضها كان جميلًا، وبعضها كان أقسى مما تخيل وهو في العشرين.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:
ما زلت، كلما اختلطت الطرق، أبحث عن تلك البوصلة التي وضعتها يومًا في أيدينا.
أن نخسر ونحن واقفون، خير من أن نربح ونحن منحنون.
رحم الله فؤاد سراج الدين.
أستاذي…
وأبي الروحي…
والرجل الذي علمني أن السياسة يمكن أن تكون مهنة، ويمكن أن تكون سلطة، ويمكن أن تكون لعبة… لكنها لا تستحق أن تكون رسالة إلا عندما تكون أخلاقًا.
بعد ستة وعشرين عامًا، لا أضع اليوم وردة أمام تمثالك يا باشا.
أضع أمامك بعضًا مما زرعته فينا.
وأمضي…
مطمئنًا إلى أن بعض الوجوه لا تغيب لأنها صنعت لنفسها تمثالًا… بل لأنها تركت فينا شيئًا… لا يستطيع الموت أن يأخذه.







