نور الشريف والمخابرات.. كيف اقترب من عالم الجاسوسية؟

لم يكن عالم المخابرات والجاسوسية المساحة الأكبر في مشوار نور الشريف الفني، ولم يتحول في أي مرحلة إلى ممثل متخصص في هذا النوع من الأعمال، لكن عندما اقترب من هذا العالم فعل ذلك بالطريقة التي ميزت معظم اختياراته؛ بحث أولًا عن الإنسان المختبئ خلف القضية، وعن الدوافع النفسية التي يمكن أن تقود شخصًا إلى السقوط، أو تدفع آخر إلى العمل في الظل دفاعًا عن وطنه.
ولهذا جاءت تجربته مع عالم المخابرات مختلفة عن الصورة التقليدية التي سادت بعض أفلام الجاسوسية، حيث المطاردات والأسلحة والعمليات السرية. كان اهتمام نور الشريف منصبًا بدرجة أكبر على الإنسان نفسه، وعلى تلك المنطقة المعقدة التي يلتقي فيها الخوف بالطمع، والولاء بالإغراء، والواجب بالمخاطرة.
وكان فيلم «بئر الخيانة»، الذي عُرض عام 1987، واحدًا من أبرز تجاربه في هذا المجال.
قدّم نور الشريف في الفيلم شخصية جابر عبد الغفار، العامل في ميناء الإسكندرية، الذي تبدأ حكايته كرجل بسيط يعيش حالة من السخط على حياته، ويبحث عن المال وعن فرصة للخروج من واقعه، قبل أن تقوده اختياراته تدريجيًا إلى عالم التجسس.
لم يقدم الفيلم شخصية بدأت حياتها جاسوسًا محترفًا، ولم يصور جابر باعتباره صاحب عقيدة سياسية أو رجلًا يخوض مواجهة فكرية مع وطنه. على العكس، كانت البداية أكثر بساطة وأكثر خطورة في الوقت نفسه.
الطمع.
الرغبة في المال.
الشعور بعدم الرضا.
والاستعداد لتقديم التنازل الأول.
ومن هذه النقطة بدأ السقوط.
يخرج جابر من مصر، وتتغير ظروف حياته، ثم يجد نفسه أمام من يستغل نقاط ضعفه ويقوده خطوة بعد أخرى إلى التعاون مع المخابرات الإسرائيلية، قبل أن يتلقى التدريب ويعود إلى مصر في مهمة للحصول على معلومات حساسة.
هنا لم يعد «بئر الخيانة» مجرد فيلم عن صراع بين جهاز مخابرات مصري وجهاز مخابرات إسرائيلي، بل أصبح دراسة في الطريقة التي يمكن أن يُصنع بها الجاسوس.
كيف يبدأ الأمر؟
وما الثغرة التي يدخل منها من يريد تجنيد إنسان؟
وهل تبدأ الخيانة بقرار ضخم، أم بتنازل صغير يعتقد صاحبه في البداية أنه يستطيع السيطرة عليه؟
هذه كانت المنطقة التي برع فيها نور الشريف.
فهو لم يقدم جابر باعتباره شخصية شريرة منذ اللحظة الأولى، وإنما ترك المشاهد يراقب تحوله.
خطوة بعد أخرى.
وتنازلًا بعد آخر.
حتى يصل الرجل إلى نقطة يصبح فيها الرجوع أكثر صعوبة.
وكانت قوة الأداء نابعة من أن نور الشريف لم يحاول البحث عن تعاطف المشاهد مع الشخصية، لكنه حاول أن يجعله يفهمها.
والفارق كبير.
فالفيلم لم يبرر ما يفعله جابر، لكنه حاول أن يشرح كيف يمكن لإنسان أن يصل إلى هذه النهاية.
وهنا ظهرت واحدة من الأفكار الأساسية في العمل؛ أن السقوط الكبير لا يبدأ دائمًا بقرار كبير.
فقد يبدأ من خلل صغير في منظومة القيم، ثم يتسع تدريجيًا حتى يصل صاحبه إلى منطقة لم يكن يتخيل يومًا أنه سيصل إليها.
ولم تكن الخيانة في الفيلم مرتبطة بالوطن فقط.
فالتحولات التي مرت بها الشخصية كشفت أن الإنسان الذي يصل إلى مرحلة بيع وطنه يكون قد خسر قبل ذلك أشياء كثيرة داخله.
الثقة.
والانتماء.
والقدرة على التمييز بين ما يمكن شراؤه وما لا يمكن أن يكون له ثمن.
ولهذا حمل عنوان «بئر الخيانة» معنى يتجاوز عملية التجسس نفسها.
فالبئر هنا ليس مجرد شبكة مخابراتية يسقط داخلها الإنسان، وإنما طريق يبدأ بالنزول ولا يعرف صاحبه، في كثير من الأحيان، إلى أي عمق سيصل.
وبعد سنوات، عاد نور الشريف إلى عالم المخابرات من زاوية مختلفة تمامًا، من خلال مسلسل «الثعلب»، الذي عُرض في التسعينيات واستند إلى عالم العمليات الاستخباراتية المصرية والصراع الممتد مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية.
وهنا انتقلت زاوية الرؤية من كيفية اختراق الإنسان وتجنيده، إلى عالم رجال يعملون في الظل لمواجهة عمليات الاختراق والتجسس.
وكان هذا الانتقال مهمًا في تجربة نور الشريف.
ففي «بئر الخيانة» اقترب من عالم الجاسوس من الداخل، ودرس نقاط ضعفه ودوافع سقوطه.
أما في «الثعلب»، فأصبح الاهتمام بعالم المخابرات نفسه، وبطبيعة العمل الذي يعتمد على المعلومات، والصبر، والحسابات الدقيقة، أكثر من اعتماده على المواجهة المباشرة.
وقدمت الدراما في ذلك العمل صورة لعالم لا تتحقق فيه الانتصارات بسهولة، ولا تعتمد فيه المواجهة دائمًا على السلاح.
فالمعلومة قد تكون أهم من الرصاصة.
والانتظار قد يكون أخطر من المطاردة.
والقدرة على فهم الخصم قد تكون السلاح الحقيقي في معركة لا يعرف الناس معظم تفاصيلها.
وهذا النوع من الشخصيات كان مناسبًا للغاية لأدوات نور الشريف كممثل.
فهو لم يكن في حاجة إلى مشهد صاخب حتى يصنع التوتر.
كان يستطيع أن يفعل ذلك بالصمت.
بنظرة.
بتغيير بسيط في نبرة الصوت.
أو بطريقة استقباله لمعلومة يعرف المشاهد أنها قد تغير مسار الأحداث كلها.
وهي أدوات جعلته قادرًا على الاقتراب من شخصية رجل المخابرات بعيدًا عن الصورة الاستعراضية التي تقدم صاحب العمل السري باعتباره بطلًا خارقًا لا يخطئ ولا يعرف الخوف.
نور الشريف كان، كعادته، يبحث عن الإنسان أولًا.
الإنسان الذي يتحمل مسؤولية الاحتفاظ بالأسرار.
الذي لا يستطيع أن يحكي للناس ما يفعله.
الذي قد ينجح دون أن يعرف أحد باسمه.
والذي يصبح الصمت جزءًا من طبيعة حياته ومهنته.
ومن هنا يمكن قراءة تجربتي «بئر الخيانة» و«الثعلب» باعتبارهما وجهين مختلفين لعالم واحد.
الأولى تكشف كيف تحاول أجهزة المخابرات الوصول إلى نقاط الضعف داخل الفرد.
والثانية تقترب من الدولة وهي تحاول مواجهة هذا الاختراق.
الأولى تنطلق من الإنسان الذي أصبح هدفًا للتجنيد.
والثانية تذهب إلى عالم من يعملون على اكتشاف تلك العمليات ومواجهتها.
وبين التجربتين تظهر إحدى أهم سمات مشروع نور الشريف الفني.
فهو لم يكن يحب تقديم القضايا من زاوية واحدة.
كان يبحث دائمًا عن التعقيد.
ولذلك لم يقدم عالم الجاسوسية باعتباره حكاية بسيطة عن طرف خير وطرف شر، وإنما باعتباره عالمًا من الصراعات النفسية والسياسية والأمنية، تلعب فيه طبيعة الإنسان دورًا لا يقل أهمية عن قوة أجهزة المخابرات نفسها.
كما تكشف التجربتان جانبًا آخر من اختيارات نور الشريف.
فالرجل الذي ناقش الفساد والسلطة والعدالة والطبقة الوسطى والهزيمة، لم ينظر إلى الصراع مع إسرائيل باعتباره معركة عسكرية فقط.
كانت هناك بالنسبة إليه جبهة أخرى لا يراها الناس.
جبهة المعلومات.
والاختراق.
والتجنيد.
والعمل السري.
وهي جبهة يمكن أن يكون فيها إنسان واحد قادرًا على إحداث ضرر هائل، كما يمكن لإنسان آخر يعمل في صمت أن يمنع هذا الضرر.
ولذلك لم تكن قيمة أعمال المخابرات عند نور الشريف في عددها، لأنها محدودة مقارنة برصيده الضخم في السينما والتلفزيون، وإنما في الزوايا التي اختار أن يدخل منها إلى هذا العالم.
لم يكن مهتمًا فقط بمن ينتصر في النهاية.
كان مهتمًا بما يحدث قبل ذلك.
كيف يسقط شخص؟
وكيف يتم اصطياده؟
وكيف تتحول نقطة ضعف شخصية





