مقالات وآراء

عمرو هاشم ربيع يكتب: ما دامت البلاد تصر على الاستثمار في الحجر.. فلنتخير المشاريع الحجرية

منذ يونيو 2013، أصبحت مصر وبفعل سياسة العمل دون دراسة جدوى، أو العمل وفق نظام الصوت الواحد، تدور في فلك مربك. الفلك الذي دارت فيه البلاد على مدى عقد ونيف ولا زال هو فلك صندوق النقد الدولي. ضمن هذا الفلك صارت مصر في اتجاه العمل من قِبَل ما بات يعرف بـ«الجهات السيادية» لإدارة الاقتصاد، وهو أمر لم يرض عنه لا القطاع الخاص، ولا صندوق النقد، ولا حتى الاقتصاديون الطامحون في بقاء قطاع الأعمال العام والقطاع الخاص النشط للعمل معًا.

ما أسفرت عنه تلك السياسة، لم يكن مفضيًا إلا لرفع أسعار السلع والخدمات، بسبب انخفاض قيمة العملة المحلية بفعل القروض وسداد أعبائها أو خدمة الدين، ما أفضى إلى معضلة أكبر، وهو بيع مقدرات البلاد العامة، ومنها الشواطئ والمواني للإمارات العربية المتحدة وبلدان خليجية أخرى، ما أوقعنا في مأساة وأوحال طُغم من رجال الأعمال الأجانب المستغلين لثروات البلاد، والمستنزفين لثرواتها، بعيدًا عن كل قيم أو نص أتى به دستور البلاد، الذي ما طفقت حكومة مصطفى مدبولي أن تخرقه جهارًا نهارًا.

لا شك أن إصلاحات كثيرة تمت كحياة كريمة وتكافل وكرامة وغيرها وغيرها، فوق النجاحات السياسية في القضاء على إرهاب الدواعش في سيناء، لكن بعض تلك المشروعات ضاعت جدواها بفعل التضخم.

العائد السلبي للاستثمار التقليدي في الحجر

واحد من المشروعات، التي بدأها نظام 30 يونيو بعد القضاء على حكم الإخوان، الذي ولد عدم استقرار سياسي في البلاد، هو الإمعان في الاستثمار في الحجر بامتياز. الاستثمار في الحجر هو تعبير موجز، يعني إهمال الدولة للتعليم والصحة والتصنيع بغرض التصدير، وذلك لصالح بناء المدن الجديدة كالعلمين والعاصمة الإدارية والجلالة وغيرها. واحد من أكثر قطاعات الاستثمار في الحجر هي الطرق والكباري والمونوريل والقطار الكهربائي، وعديد المشروعات التي كلفت البلاد مليارات الجنيهات، وعلى حد تعبير تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2024 أن مشروعات الطرق تكلفت 2 تريليون جنيه، أي نحو 40 مليار دولار تقريبًا.

لا شك، أن مشروعات البناء في الحجر وتحديدًا الداعمة لشبكة الطرق نقلت البلاد نقلة نوعية جيدة في مجال جودة الطرق، إذ أصبحت اليوم في المركز الـ18 بتقدمها 100 درجة على السلم الدولي لجودة الطرق. لكن كل هذا الأمر -نتيجة كثرته- أضر بالمقابل بالتعليم من حيث الطالب والمعلم والمنهج والمبنى، وأضر بالشأن الصحي من حيث هجرة الطواقم الطبية لخارج البلاد، وعجز تعميم التأمين الصحي لمحافظات الجمهورية، وعجز أَسرة العناية المركزة.. إلخ.

محدودية عائد جودة الطرق على الاستثمار

لقد ساهمت جودة الطرق في مصر في تسهيل وحرية الحركة للتجارة الداخلية وحركة نقل الأفراد، والخلاص من قدْر معتبر من ازدحام الطرق والمحاور المرورية. لكن يظل تأثيرها الإيجابي على الاستثمار الأجنبي محدودًا للغاية.

يتأثر الاستثمار الأجنبي في الدول الجاذبة له بعديد الأمور، منها جودة الطرق، التي تعد أحد العوامل المهمة في استقبال المال من الخارج، لكن هناك أمورًا أخرى أكثر جاذبية منها حال المناخ السياسي والمناخ العام في البلد المعني. بعبارة أخرى، يُوصد مناخ الاستثمار الأجنبي حال تقييد حرية الرأي والتعبير، وحال قيام السلطة التنفيذية بالمشاركة في تعيين القضاة، وتأميم الإعلام.. إلخ. كل الأمور السابقة تتوافر في مصر بحكم الدستور وبحكم الأمر الواقع، ما يُنفر المستثمرين الأجانب، لكون ذلك يمنع اللجوء إلى قضاء محلي مستقل استقلالًا حقيقيًا عن السلطة التنفيذية.

لماذا لا نستثمر في تحلية وتدوير المياه؟

من هنا، يبقى السؤال: ما دام أن هناك إصرارًا كبيرًا على الاستثمار في الحجر، فكيف يمكن أن نستفيد من عقلية المستثمرين في الحجر لصالح مصر؟ بالنظر إلى أحوال مصر وأمنها، يُعتقد أن هناك مجالين مهمين للاستفادة من الاستثمار في الحجر.

المجال الأول هو، تحلية مياه البحر، وتدوير مياه الصرفين الصحي والزراعي. إذ من واقع البيانات والإحصاءات حول نهر النيل، يتبين أن مصر أصبحت على شفا مأزق خطير، فلا مياه النيل تكفي حاجة الاستهلاك الفعلي، ولا أهم دولة من دول المنبع «إثيوبيا» ترغب في حل مشكلة شح المياه في دولتي المصب، وهما: مصر والسودان، ولا الموارد المصرية المالية كافية لمواجهة حاسمة لشح المياه عبر التقنيات الحديثة. وأخيرًا وليس آخرًا، فإن الزيادة السكانية تزيد من حدة الأزمة يومًا بعد يوم.

تبلغ حصة مصر من مياه النيل 55,5 مليار متر مكعب سنويًا، وهذه الحصة رغم أنها كانت في سبعينيات القرن الماضي تكفي مصر وتزيد، إلا أن العجز اليوم أصبح كبيرًا. فبعد أن كان نصيب الفرد من المياه في هذا العقد ألفي متر مكعب سنويًا، حيث كان عدد السكان يبلغ نحو 30 مليون نسمة، انخفض هذا النصيب إلى ألف متر مكعب مطلع تسعينيات القرن الماضي، ثم هبطت تلك الأرقام إلى 561 مترًا مكعبًا عام 2019، بل ووصلت إلى 490 مترًا مكعبًا عام 2025، وفقًا لبيان وزير الموارد المائية والري هاني سويلم. وتشير توقعات خبراء الري المصريين اليوم، أنه مع ثبات كافة عوامل مواجهة شح المياه من جانب مصر، فسوف ينخفض -مرة أخرى- نصيب الفرد من المياه العذبة بنسبة 30-40% بحلول عام 2050.

حاجة ماسة لمزيد من إنتاج الماء العذب

على أية حال، تشير الإحصاءات، إلى أن العجز الحالي الذي تعاني منه مصر من مياه النيل يبلغ نحو 35 مليار متر مكعب، لكون حاجة مصر الفعلية هي 114 مليار متر مكعب، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة، التي تشير لحاجة الإنسان إلى ألف متر مكعب سنويًا، والمتوفر اليوم من المياه لا يتجاوز 80 مليار متر مكعب في العام، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. جدير بالذكر، أنه فوق حصة مياه النيل البالغة 55,5 مليار متر مكعب سنويًا، هناك نحو 24,5 مليار متر مكعب ناتجة عن تدوير مياه الصرفين الزراعي والصحي وتحلية مياه البحر واستخراج مياه الآبار والعيون، إضافة إلى الأمطار.

لدى مصر اليوم 129 محطة لتحلية مياه البحر، تسهم في توفير 1,41 مليون مليون متر مكعب يوميًا، وأبرزها محطتا العلمين والعين السخنة «الجلالة». وفي مجال تنقية مياه الصرف، هناك نحو 621 محطة معالجة، تنتج 19 مليون متر مكعب يوميًا، أبرزها محطات بحر البقر والجبل الأصفر والقاهرة الجديدة وأبو رواش والمحسمة.

إنتاج الكهرباء من مصادر غير الغاز والسولار والمازوت

مشروع آخر جيد، يرتبط بالاستثمار في الحجر، ويقي مصر عوز العملات الأجنبية، التي تحتاجها لاستيراد الغاز والمازوت والسولار. فوفقًا لبيانات وزارة الكهرباء، فإن بمصر 80 محطة لتوليد الكهرباء، تعمل 25 منها بالغاز والسولار، و19 بالغاز والمازوت معًا، و11 محطة بالغاز فقط، و12 بالسولار، كما توجد 6 محطات تعمل بطاقة المياه، وواحدة شمسية وتعمل بالغاز، و2 بالطاقة الشمسية و3 بالرياح، وواحدة بالمازوت ومقرها الوليدية بأسيوط.

ما يمكن التأكيد عليه هنا، أن بناء محطات لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة، يساهم إلى حد كبير في رفع العبء عن الحاجة لاستيراد الغاز والسولار والمازوت. ربما تكون التكلفة عالية في البداية، لكن العائد سيعوض أية خسائر على المدى المتوسط والبعيد.

لا شك، أن المشاركة في الاستثمار في نشأة محطات توليد كهرباء من الطاقة المتجددة بمختلف أنواعها، سوف يهدف إلى الخلاص التدريجي من فاتورة استيراد الغاز والسولار والمازوت.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى