ذاكرة التاريخمصرملفات وتقارير

ذاكرة التاريخ تكشف أسرار شارع عبدالعزيز من زيارة السلطان العثماني إلى أشهر الأسواق

تتحرك الأحداث عبر الزمن لتكشف عن حكايات غائرة في عمق التاريخ الإنساني والسياسي، حيث يسعى الخديوي إسماعيل لتعزيز مكانته السياسية وتوطيد أواصر العلاقات مع السلطان العثماني عبد العزيز عبر زيارة رسمية تاريخية غير مسبوقة منذ سنة 1517. وتشير الوثائق التاريخية إلى مغادرة السلطان العثماني مدينة إسطنبول بحرًا في تاريخ 3 أبريل سنة 1863 على متن اليخت السلطاني فيض جهاد، بصحبة حاشية واسعة تضم كبار رجال الدولة وأفراد الأسرة الحاكمة آنذاك. ووصل الأسطول العثماني إلى ميناء الإسكندرية في تاريخ 7 أبريل، حيث كان في استقباله الخديوي بنفسه، قبل أن ينتقل السلطان للإقامة المؤقتة في قصر رأس التين المطل على ساحل البحر المتوسط.

ذاكرة التاريخ تكشف أسرار شارع عبد العزيز وسلطان العثمانيين

تحرك السلطان العثماني في تاريخ 9 أبريل مستقلاً القطار متوجهاً نحو العاصمة، ليشهد بنفسه مظاهر النهضة والعمران والتطور الحديث التي تشهدها البلاد. وشمل برنامج الزيارة تفقد العديد من المشروعات والمنشآت الحيوية، إلى جانب زيارة مناطق شبرا والجيزة، ومشاهدة الأهرامات التاريخية، وحضور مراسم خروج المحمل الشريف متجهاً إلى مكة المكرمة. ولم تكن تلك الجولة مجرد مجاملة بروتوكولية عابرة، بل أسفرت عن إعجاب بالغ بما تحقق من تحديث، وهو ما استغله الخديوي إسماعيل للحصول على امتيازات سياسية لاحقة. وتكللت تلك المساعي بالحصول على لقب الخديوي بفرمان رسمي صدر في سنة 1867، لتعزيز الاستقلال الذاتي في إدارة شؤون البلاد تحت المظلة العثمانية.

تخليداً لتلك الزيارة المهمة، أطلق اسم السلطان عبد العزيز على أحد أهم شوارع العاصمة الجديدة عند تخطيطها وافتتاحها في سنة 1870، ليكون جزءاً من شبكة الطرق الحديثة الرابطة بين مناطق المدينة الحيوية. وشهدت المنطقة تحولات جغرافية وعمرانية واسعة، تضمنت نقل المقابر والجبانات القديمة وتجميع رفات العظام في موقع خصص لها، ليُبنى هناك مسجد العظام القائم حتى يومنا هذا والمدرج رسمياً في سجلات وزارة الأوقاف. وتطورت معالم الشارع تدريجياً عبر العقود المتعاقبة، متحولاً من تجارة الأثاث العريق إلى سوق تجاري ضخم للأجهزة الكهربائية والهواتف المحمولة ومستلزماتها منذ مطلع التسعينيات، ليصبح علامة تجارية بارزة ووجهة رئيسية للتسوق.

تتداخل تفاصيل الماضي العريق مع حركة التجارة المعاصرة في هذا الشارع الحيوي الذي يحمل في طياته إرثاً سياسياً واجتماعياً فريداً يعكس تطورات العصر الخديوي. وتؤكد الوثائق التاريخية أن التخطيط العمراني الحديث للبلاد ارتبط ارتباطاً وثيقاً برغبة القيادة السياسية في إرساء دعائم دولة عصرية قادرة على استيعاب التحولات الكبرى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ويستمر الموقع في جذب الآلاف يومياً لأغراض تجارية، متجاهلين في كثير من الأحيان القصة التاريخية الضاربة في جذور التاريخ والتي منحت الشارع تسميته الرسمية. وتظل ذاكرة الأماكن شاهدة على أحداث كبرى صنعت هوية المدن وربطت بين أمجاد الماضي وحركة الحاضر الاقتصادي والاجتماعي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى