ذاكرة التاريخ.. قصة نفي نقيب الأشراف عمر مكرم في أغسطس 1809

يتذكر التاريخ بكل فخر وتقدير الدور الوطني الذي لعبه نقيب الأشراف عمر مكرم في مسيرة الدفاع عن البلاد، حيث استندت زعامته الشعبية إلى قاعدة راسخة من الاحترام بين الناس بفضل علمه ومكانته الرفيعة التي تجلت بوضوح في مواقفه الحاسمة، ولد هذا الزعيم في عام 1750 بمحافظة أسيوط، ثم اتجه إلى القاهرة لطلب العلم في رحاب الأزهر، وعقب انتهاء دراسته انخرط بفاعلية في العمل العام، موظفاً طاقاته وعلمه لخدمة القضايا الوطنية، حتى تقلد منصب نقيب الأشراف في عام 1793، وبرز كزعيم وطني في عام 1795 حين قاد حركات احتجاجية ضد ممارسات المماليك.
«ذاكرة التاريخ».. نفى محمد علي الزعيم الشعبي عمر مكرم إلى دمياط 1809
يستحضر السجل التاريخي جهود مكرم إبان وصول الحملة الفرنسية في عام 1798، إذ عمل بجد على حشد الجماهير لبث روح المقاومة، وخرج بنفسه متصدياً للعدوان، وعلى الرغم من التباين الكبير في العتاد والتدريب القتالي الذي أدى إلى تراجع القوات المحلية أمام الفرنسيين في موقعة إمبابة، إلا أنه لم يستسلم، بل انتقل إلى مدينة بلبيس لمواصلة التعبئة الشعبية ضد الاحتلال، وواصل نضاله حتى بعد انتصار القوات الفرنسية في الصالحية خلال شهر أغسطس 1798، مما اضطره للارتحال إلى العريش ثم غزة.
يتعرض التاريخ لمرحلة صعبة في حياة مكرم حين صادر نابليون أمواله وأقصاه عن منصبه في نقابة الأشراف، ثم اعتقله في مدينة يافا وفرض عليه إقامة جبرية، ومع عودته لاحقاً إلى القاهرة، آثر الابتعاد عن المعترك السياسي لفترة، قبل أن يشارك مجدداً في ثورة القاهرة الثانية، ومع تعثر الثورة غادر إلى بلاد الشام، ثم عاد مجدداً إلى القاهرة مع القوات العثمانية في عام 1801، لتبدأ مرحلة جديدة من الفوضى السياسية التي تلت رحيل الفرنسيين وتصارع القوى المختلفة على الساحة.
يواجه الباحثون في التاريخ فصول المشهد السياسي في عام 1805، عندما تولى خورشيد باشا زمام الأمور وفشل في فرض الاستقرار، مما دفع مكرم لقيادة حركة شعبية ضخمة نجحت في عزل هذا الحاكم، واختيار الضابط الألباني محمد علي باشا لتولي السلطة، معتقدين في تعاطفه مع العامة، وأرسى مكرم بذلك مبدأً حقوقياً يقضي بأن للشعب الحق الأصيل في عزل حكامه إذا انحرفوا عن العدل، لكن هذا التأثير القوي لم يدم طويلاً في علاقة الباشا بالزعيم الوطني.
يتجه محمد علي باشا لاحقاً نحو التخلص من مكرم بطرق سياسية مستغلاً الانقسامات التي دبت في صفوف العلماء، مدفوعاً بوشايات نقلت للباشا ادعاءات حول قول مكرم “كما أصعدته إلى الحكم فإنني قدير على إنزاله منه”، ورغم محاولات الباشا السابقة لاحتواء الزعيم الوطني، إلا أن رفض مكرم للإغراءات دفع الباشا لعزله من منصبه كنقيب للأشراف ونفيه إلى محافظة دمياط في يوم 12 أغسطس 1809 لمدة عشر سنوات، ليخلو المجال للباشا في تنفيذ خططه الانفرادية بالسلطة والقرار.
يتابع المؤرخون حياة مكرم الذي عاد إلى القاهرة في 9 يناير 1819، إلا أنه فضل الانعزال عن الحياة العامة، ولم يستمر هذا الوضع طويلاً، إذ خرج القاهريون في احتجاجات ضد الضرائب خلال شهر مارس 1822، فما كان من محمد علي باشا إلا أن نفاه مجدداً إلى خارج القاهرة، حيث وافته المنية في نفس العام، تاركاً خلفه إرثاً كبيراً كرمز للمقاومة الوطنية التي لا تخضع لضغوط السلطة أو إغراءات المناصب، لتظل سيرته حاضرة في الوجدان الشعبي كنموذج للنزاهة والكرامة.







