حكومة الملايين تفشل في ضبط العقارات وتطرح إسكان الإيجار لامتصاص غضب المواطنين

كشفت وزارة الإسكان عن طرح 15 ألف وحدة سكنية بنظام الإيجار ضمن مشروع الإسكان الاجتماعي في خطوة تعكس فشل السياسات السابقة في السيطرة على أزمات السكن وتفاقم معاناة المواطنين. وتأتي هذه الخطوة في ظل غلاء فاحش يلتهم دخول الأسر بعد أن وصلت أسعار الإيجارات لمستويات خيالية تعجز عنها الطبقات المتوسطة والفقيرة. وتؤكد هذه المبادرة تراجع الحكومة عن وعود التمليك السابقة لترسيخ واقع جديد يضع الشباب والمستحقين تحت رحمة الإيجارات الحكومية الدائمة التي لا تنتهي بالتمليك.
بعد قفزات الإيجارات الرقم القياسي.. “الإسكان” تطرح 15 ألف شقة بأقل 70%
تستغل الجهات الرسمية حاجة المواطنين لطرح 15 ألف وحدة سكنية بنظام الإيجار ضمن مشروع الإسكان الاجتماعي، في محاولة بائسة لامتصاص غضب الشارع من التضخم. وتتجاهل هذه الخطوات الجذرية للأزمة، وتكتفي بتقديم حلول مؤقتة لا تغني ولا تسمن من جوع، حيث يظل المواطن في صراع دائم مع دفع الإيجارات الشهرية. وتتزايد الشكوك حول قدرة هذا الطرح على مواجهة الزحف السعري الذي يلتهم مكتسبات الطبقة الكادحة، خاصة مع شروط تعجيزية تفرضها الوزارة.
تتضح الصورة القاتمة عند النظر في أرقام التكلفة، إذ يبلغ متوسط القيمة الإيجارية للوحدات المطروحة نحو 2500 جنيه شهريًا، بينما تبدأ الوحدات من 1500 جنيه. ويزعم المسؤولون أن هذه الأسعار تقل عن السوق بنسبة 70%، وهو تضليل واضح للواقع الذي تسببت فيه الحكومة نفسها عبر سياساتها المالية التي رفعت تكاليف المعيشة والبناء. وتتحمل الأسر أعباء باهظة في ظل انخفاض القوة الشرائية، بينما تكتفي الوزارة بتقديم وعود واهية لا تلبي أدنى الاحتياجات المعيشية الأساسية للمواطنين.
تُظهر البيانات الرسمية أن متوسط الإيجار الشهري في الحواضر الكبرى خلال الربع الثاني من عام 2026 بلغ 10.5 ألف جنيه، وهو رقم كارثي يضع المواطن بين مطرقة الجشع وسندان العجز عن توفير السكن. وتؤكد هذه القفزات الجنونية في الأسعار أن مخططات الإسكان الاجتماعي لم تكن سوى مسكنات لواقع مؤلم. وتتجلى أزمة السكن في أوضح صورها عندما تعجز وزارة الإسكان عن تقديم وحدات سكنية حقيقية بأسعار معقولة، وتكتفي بطرح إيجارات ترهق كاهل المستأجرين.
تفرض الوزارة شروطاً مقيدة، حيث يُشترط ألا تتجاوز القيمة الإيجارية 25% من دخل المستأجر، وهو ما يعني حرمان الآلاف من ذوي الدخل المحدود من الحصول على هذه الوحدات. وتضع المبادرة قيوداً عمرية إذ يُشترط ألا يزيد سن المتقدم على 35 عاماً، وهو إقصاء متعمد لشريحة واسعة من أرباب الأسر الذين تجاوزوا هذا العمر ويعانون الأمرين لتوفير مسكن كريم. وتكشف هذه الشروط عن رؤية ضيقة تفتقر إلى فهم الاحتياجات الحقيقية للمجتمع في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة.
تتجاهل السلطات المعنية الأسباب الحقيقية وراء تراجع المعروض، حيث يرى مراقبون أن ارتفاع أسعار العقارات ومواد البناء جاء كنتيجة مباشرة لسياسات نقدية واقتصادية غير مدروسة. وتستمر الحكومة في تكرار أخطائها، محاولة تمرير طرح 15 ألف وحدة سكنية بنظام الإيجار ضمن مشروع الإسكان الاجتماعي كإنجاز عظيم، بينما هو في حقيقته انعكاس لعجزها عن توفير تمليك مناسب. ولا يمكن لهذه الحلول السطحية أن ترمم جسد الاقتصاد المنهك الذي يواجه تضخماً طال كافة مفاصل الحياة اليومية.
تتبنى وزارة الإسكان هذا النهج الجديد لتوفير حلول للمواطنين الذين لا يملكون القدرة على شراء وحدات سكنية أو الحصول على تمويل عقاري باهظ الفوائد. ورغم هذه المزاعم، تظل الأزمة قائمة، حيث يعاني الشباب من دفع مبالغ طائلة دون امتلاك أصل ثابت يؤمن مستقبلهم. ويعد هذا الطرح الجديد بمثابة ترحيل للأزمة إلى المستقبل بدلاً من حلها، حيث يظل المواطن “مستأجراً” تحت رحمة القرارات الحكومية التي تتغير بتغير المزاج الاقتصادي والمالي للمسؤولين.
تحاول السلطات من خلال هذه المبادرة التغطية على فشلها في إدارة الملف العمراني الذي تضخم حتى أصبح عبئاً ثقيلاً على كاهل الطبقات الاجتماعية الأكثر احتياجاً. ويؤكد الواقع أن طرح 15 ألف وحدة سكنية بنظام الإيجار ضمن مشروع الإسكان الاجتماعي لن يغير من الحقائق شيئاً، طالما استمرت السياسات في الانحياز لمصالح الكبار وتجاهل الفقراء. وتستمر المعاناة في ظل غياب رؤية استراتيجية حقيقية تضع مصلحة المواطن فوق الاعتبارات الرقمية والموازنات المالية المضللة التي تفتخر بها الوزارة في بياناتها الرسمية.







