
هل تستطيع تركيا تحويل «المسألة الكردية» من مصدر صراع إقليمي إلى رافعة لقوة الدولة؟
بقلم: بكير أتاجان
هناك أسئلة تاريخية لا يمكن الإجابة عنها بالعودة إلى الماضي وحده، وهناك أزمات جيوسياسية لا يمكن فهمها من خلال الخرائط العسكرية فقط.
والسؤال الكردي واحد من هذه الملفات.
فالسؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: من أين جاء الأكراد؟ وأين كانوا؟ وكيف توزعوا بين دول المنطقة؟
السؤال الأكثر أهمية هو: إلى أين يتجه الأكراد، وإلى أين تتجه المنطقة إذا نجحت تركيا في تحويل الملف الكردي من قضية أمنية مزمنة إلى قضية سياسية ودستورية واجتماعية داخل الدولة؟
هذه هي النقطة التي تجعل التطورات الجارية في تركيا أكبر بكثير من مجرد عملية لنزع سلاح حزب العمال الكردستاني.
فالبرلمان التركي أنشأ في أغسطس/آب 2025 «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية»، في سياق عملية تستهدف إنهاء الصراع المسلح وتهيئة إطار قانوني وسياسي لمرحلة ما بعد حزب العمال الكردستاني. وفي مايو/أيار 2025 أعلن الحزب حل بنيته التنظيمية وإنهاء الكفاح المسلح، بعد دعوة عبد الله أوجلان إلى ذلك. وفي يوليو/تموز من العام نفسه جرت في السليمانية عملية رمزية لإتلاف عدد من الأسلحة. (Türkiye Büyük Millet Meclisi)
وفي أغسطس/آب 2026 دخل الملف مرحلة أكثر حساسية، مع طرح مشروع قانون أمام البرلمان التركي لتنظيم عملية إعادة دمج أعضاء سابقين في الحزب ممن تنطبق عليهم الشروط القانونية، وربط تنفيذ الإطار القانوني بالتحقق الرسمي من اكتمال نزع السلاح. (AP News)
لكن هنا تبدأ المسألة الحقيقية.
نزع السلاح ليس هو حل المسألة الكردية.
إنه شرط من شروط الحل.
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين إطفاء الحريق وإزالة أسباب اندلاعه.
أولاً: الأكراد ليسوا اختراعاً سياسياً حديثاً
من الخطأ النظر إلى الأكراد باعتبارهم ظاهرة سياسية ولدت مع حزب العمال الكردستاني، كما أنه من الخطأ المقابل اختزال التاريخ الكردي كله في مشروع «كردستان الكبرى» بصيغته السياسية الحديثة.
الأكراد شعب قديم من شعوب الشرق الأوسط، تشكلت هوياته السياسية والاجتماعية عبر قرون من التفاعل مع الإمبراطوريات والدول والمجتمعات المحيطة به.
لكن المشكلة الحديثة بدأت بصورة أكثر وضوحاً مع انهيار الإمبراطورية العثمانية، وصعود الدولة القومية، وإعادة رسم الحدود بعد الحرب العالمية الأولى.
ومن هنا جاءت المعضلة:
الشعب بقي متصلاً اجتماعياً وثقافياً وجغرافياً، بينما الحدود السياسية أصبحت تفصل بين مكوناته.
لكن من الضروري تصحيح فكرة شائعة: اتفاقية سايكس–بيكو لم ترسم وحدها الحدود النهائية التي قسمت المناطق الكردية إلى الدول الحالية، ولم تكن عملية ميكانيكية قسمت «كردستان إلى خمسة أجزاء» بقرار واحد.
الواقع كان أكثر تعقيداً؛ فقد تشكلت الحدود نتيجة سلسلة من الاتفاقيات والحروب وتسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وفي مقدمتها معاهدة سيفر ثم لوزان، إلى جانب التطورات التي أدت إلى قيام الدول الحديثة في تركيا والعراق وسوريا، واستمرار السيطرة الإيرانية على المناطق الكردية في إيران.
وهنا ظهرت المفارقة التاريخية:
الأكراد أصبحوا أقلية كبيرة داخل عدة دول، بينما لم تتحول هويتهم العابرة للحدود إلى دولة قومية مستقلة.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت القضية الكردية واحدة من أكثر الملفات حساسية في النظام الإقليمي للشرق الأوسط.
ثانياً: «كردستان الحمراء» وذاكرة السوفييت
تحت الحكم السوفييتي ظهرت تجربة «كردستان الحمراء» في أذربيجان السوفييتية في عشرينيات القرن الماضي، وعُرفت إدارياً باسم كردستان أويزد/أوكروغ، وكانت مدينة لاتشين مركزها.
لكن التجربة لم تستمر طويلاً؛ فقد أُلغيت الوحدة الإدارية في نهاية عشرينيات القرن الماضي.
وهنا يجب التعامل بحذر مع الروايات التي تربط إلغاء هذه المنطقة مباشرة بصفقة شخصية بين مصطفى كمال أتاتورك وجوزيف ستالين بهدف القضاء على الأكراد. هذه رواية متداولة في بعض الأدبيات السياسية والذاكرة الكردية، لكنها ليست حقيقة تاريخية محسومة يمكن تقديمها باعتبارها وثيقة ثابتة.
المؤكد تاريخياً أن السياسة السوفييتية تجاه الأكراد شهدت تحولات قاسية، خصوصاً في ظل سياسات الأمن والتهجير التي اتبعها نظام ستالين.
فقد تعرضت مجموعات كردية من مناطق القوقاز لعمليات ترحيل قسري خلال الثلاثينيات والأربعينيات، ونُقلت جماعات إلى آسيا الوسطى، ولا سيما كازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان. وتوثق المصادر عمليات ترحيل كردية في عامي 1937 و1944. (Vikipedi)
هذه الأحداث تركت جرحاً تاريخياً عميقاً.
فالإنسان الذي اقتُلع من أرضه، ونُقل في قطارات إلى آلاف الكيلومترات، ثم أُجبر على بناء حياة جديدة في بيئة مختلفة، لا يحمل معه فقط ذاكرة المكان؛ بل يحمل أيضاً ذاكرة الدولة التي اقتلعته.
ومن هنا نفهم لماذا أصبح التاريخ بالنسبة إلى قطاعات من الأكراد ليس مجرد تاريخ، وإنما جزءاً من الوعي السياسي المعاصر.
ثالثاً: من مأساة الأكراد إلى توظيف القضية
لكن التاريخ وحده لا يفسر ظهور حزب العمال الكردستاني.
نشأ الحزب في أواخر السبعينيات، ثم بدأ العمل المسلح ضد الدولة التركية عام 1984، وتحول خلال العقود التالية إلى أهم فاعل مسلح في القضية الكردية التركية.
في بداياته رفع الحزب شعارات مرتبطة بتحرير وتوحيد «كردستان»، ثم تغيرت أطروحاته السياسية تدريجياً، خصوصاً بعد اعتقال عبد الله أوجلان عام 1999.
لكن المشكلة الكبرى لم تكن فقط في الصراع بين الدولة التركية والحزب.
بل في انتقال الصراع إلى المجال الكردي نفسه.
فالحزب دخل في صدامات مع قوى كردية أخرى، وأصبح جزءاً من شبكة صراعات إقليمية معقدة تتداخل فيها مصالح تركيا والعراق وإيران وسوريا والولايات المتحدة وروسيا، فضلاً عن التنافس داخل البيت الكردي نفسه.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين ثلاثة أشياء:
الكرد كشعب، والحقوق الكردية كقضية سياسية، وحزب العمال الكردستاني كتنظيم مسلح.
الخلط بين هذه المستويات الثلاثة كان أحد أكبر أسباب استمرار الأزمة.
فليس كل كردي عضواً في حزب العمال.
وليس كل من يطالب بحقوق ثقافية أو سياسية كردية مشروعاً انفصالياً.
وفي الوقت نفسه، فإن رفض حزب العمال لا يعني رفض الأكراد.
هذه قاعدة استراتيجية يجب أن تكون أساس المرحلة الجديدة.
رابعاً: تركيا أمام فرصة تاريخية
هنا نصل إلى تركيا.
فالتحول الذي تشهده أنقرة ليس مجرد تحول في السياسة الأمنية.
إنه اختبار لقدرة الدولة التركية على الانتقال من:
«إدارة المشكلة الكردية أمنياً»
إلى:
«إدارة العلاقة مع مواطنيها الأكراد سياسياً ودستورياً واقتصادياً وثقافياً».
وهذه النقلة هي جوهر المسألة.
فالبرلمان التركي لم يكتفِ بإجراءات أمنية؛ فقد أنشأ لجنة متعددة الأحزاب بهدف معالجة أبعاد مرحلة «تركيا خالية من الإرهاب» وتعزيز الوحدة الاجتماعية والأخوة والديمقراطية والإصلاحات القانونية. (Türkiye Büyük Millet Meclisi)
وفي فبراير/شباط 2026 اعتمدت اللجنة تقريرها بأغلبية 47 صوتاً مقابل صوتين وامتناع واحد، ليصبح ذلك مرحلة سياسية مهمة في مسار العملية. (Anadolu Ajansı)
لكن التحدي الآن أكبر.
فإذا انتهى السلاح وبقيت الأسباب السياسية والاجتماعية التي غذت الصراع، فقد يعود الصراع بأشكال أخرى.
قد لا يكون بندقية هذه المرة.
قد يكون حزباً.
أو احتجاجاً.
أو أزمة هوية.
أو تدخلاً خارجياً.
أو مشروعاً جيوسياسياً عابراً للحدود.
ولهذا فإن المرحلة التالية أهم من مرحلة نزع السلاح نفسها.
خامساً: ماذا تريد تركيا من الحل؟
من منظور استراتيجي، تستطيع تركيا أن تحصل على مكاسب هائلة إذا نجحت في إنهاء الصراع الكردي بصورة مستدامة.
أول المكاسب هو الأمن القومي.
إن إنهاء الحرب الداخلية الطويلة يحرر جزءاً مهماً من الموارد العسكرية والأمنية، ويقلل الحاجة إلى عمليات عسكرية مستمرة في المناطق الحدودية، ويتيح إعادة توزيع القدرات نحو ملفات أخرى أكثر أهمية بالنسبة إلى تركيا، من البحر الأسود إلى شرق المتوسط والعراق وسوريا والخليج.
وثاني المكاسب هو العمق الاستراتيجي.
تركيا التي تنهي صراعها الكردي الداخلي تصبح أكثر قدرة على التعامل مع أكراد العراق وسوريا وإيران من موقع سياسي لا أمني فقط.
وهنا تظهر معادلة شديدة الأهمية:
كلما تحسنت علاقة أنقرة بأكرادها، ازدادت قدرتها على التأثير الإيجابي في البيئة الكردية الإقليمية.
فتركيا لن تحتاج عندها إلى النظر إلى كل نشاط كردي في العراق وسوريا باعتباره تهديداً أمنياً محتملاً.
بل تستطيع أن تميز بين:
الحقوق السياسية،
والحكم المحلي،
والنشاط الاقتصادي،
والهوية الثقافية،
والتنظيمات المسلحة،
والتدخلات الخارجية.
وهذا التمييز هو الذي يصنع السياسة الذكية.
سادساً: العراق… المستفيد الأكبر بعد تركيا
العراق قد يكون الدولة الأكثر استفادة من نجاح المسار التركي.
فإقليم كردستان العراق يقع في قلب المعادلة.
لقد تحول الإقليم خلال العقود الماضية إلى كيان سياسي واقتصادي مهم، لكنه ظل في الوقت نفسه محاصراً بتعقيدات العلاقة مع بغداد وأنقرة وطهران، وبوجود حزب العمال في المناطق الجبلية، وبالصراع بين القوى الكردية نفسها.
إن نجاح تركيا في إنهاء ملف حزب العمال يمكن أن يفتح باباً جديداً للعلاقة الثلاثية:
أنقرة – بغداد – أربيل.
وهنا يمكن أن تتحول الحدود من منطقة أمنية إلى منطقة اقتصادية.
من النفط والغاز إلى التجارة.
ومن الطرق البرية إلى السكك الحديدية.
ومن الطاقة إلى الموانئ.
ومن الأمن الحدودي إلى الممرات التجارية.
وهذا مهم جداً بالنسبة إلى تركيا التي تريد ترسيخ موقعها كحلقة وصل بين الخليج والعراق وأوروبا.
لذلك فإن حل الملف الكردي ليس مجرد مسألة تركية.
إنه يمكن أن يصبح جزءاً من مشروع إعادة بناء الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة.
سابعاً: سوريا… الاختبار الأصعب
إذا كان العراق يمثل فرصة، فإن سوريا تمثل الاختبار الأصعب.
لأن المسألة الكردية السورية أصبحت مرتبطة منذ سنوات بالحرب السورية، وبقوات سوريا الديمقراطية، وبالوجود الأميركي، وبحسابات تركيا الأمنية، وبالعلاقة بين دمشق والقوى الكردية، وبالتنافس الروسي والإيراني والإسرائيلي.
وهنا يمكن لنجاح المسار التركي الداخلي أن يغير قواعد اللعبة.
فإذا أصبحت أنقرة قادرة على القول:
«حقوق الكرد داخل الدولة السورية شيء، والتنظيمات المسلحة المرتبطة بأجندات خارجية شيء آخر»
فإنها ستملك مساحة سياسية أوسع للتفاوض مع دمشق ومع القوى الكردية السورية.
والنتيجة المحتملة ليست قيام كيان كردي مستقل على الحدود التركية، بل نموذج مختلف:
حقوق ثقافية وسياسية محلية + اندماج مؤسساتي داخل الدولة السورية + ضمان أمن الحدود التركية + منع استخدام الأراضي السورية ضد تركيا.
وهذا، من الناحية الاستراتيجية، يمكن أن يكون أكثر واقعية واستدامة من استمرار الحرب.
ثامناً: إيران… الدولة التي تراقب تركيا بقلق
أما إيران فستقرأ أي تحول تركي كردي من زاوية مختلفة تماماً.
إيران لديها ملايين الأكراد، خصوصاً في غرب البلاد، ولديها تاريخ طويل مع الحركات الكردية.
لكن الخوف الإيراني الأساسي لن يكون من الحقوق الثقافية الكردية بحد ذاتها.
بل من احتمال أن يتحول النجاح التركي إلى نموذج سياسي جذاب.
إذا نجحت تركيا في دمج مواطنيها الأكراد ضمن دولة قوية ومستقرة، وارتفع مستوى المشاركة السياسية والاقتصادية والثقافية للأكراد، فقد يصبح السؤال داخل إيران أكثر إلحاحاً:
لماذا يستطيع النموذج التركي استيعاب الهوية الكردية داخل الدولة بينما يستمر النموذج الإيراني في التعامل معها بصورة أمنية؟
ولهذا قد ترى طهران في نجاح تركيا مكسباً إقليمياً لأنقرة، ولكن أيضاً تحدياً محتملاً لها.
ومن هنا فإن القضية الكردية ليست فقط قضية حدود.
إنها أيضاً منافسة بين نماذج الدولة في الشرق الأوسط.
تاسعاً: الاقتصاد… الملف الذي لا يحظى بما يكفي من الاهتمام
هناك خطأ استراتيجي في النظر إلى المسألة الكردية باعتبارها أمنية فقط.
فالمناطق ذات الأغلبية الكردية في تركيا والعراق وسوريا وإيران تمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً.
إنها تقع على:
طرق الطاقة،
الممرات البرية،
الممرات التجارية،
المناطق الحدودية،
ومفاصل استراتيجية بين الخليج والبحر المتوسط والقوقاز.
ولهذا فإن الاستقرار الكردي يمكن أن يصبح أصلاً اقتصادياً إقليمياً.
تخيل أن يتحول الخط الممتد من جنوب شرق تركيا إلى شمال العراق ثم إلى الخليج إلى ممر تجاري وطاقة واستثمار.
عندها يصبح ما كان يسمى «الحدود الأمنية» جزءاً من شبكة اقتصادية عابرة للحدود.
وهنا تحديداً يمكن لتركيا أن تحول الجغرافيا الكردية من مصدر تكلفة أمنية إلى رافعة للقوة الاقتصادية التركية.
عاشراً: المسألة الاجتماعية والثقافية
لكن الاقتصاد وحده لا يكفي.
هناك جرح اجتماعي أيضاً.
أجيال من الأكراد في المنطقة حملت ذاكرة التهجير والقمع والتمييز والصراع.
وفي المقابل، حملت أجيال من الأتراك ذاكرة الإرهاب والقتل والهجمات والخوف من التفكك والانفصال.
وهنا توجد مشكلتان متوازيتان.
الكردي يقول:
«أريد أن أشعر أن هويتي ليست سبباً للشك بي».
والتركي يقول:
«أريد أن أشعر أن وحدتي الوطنية ليست مهددة».
الدولة الذكية لا تطلب من أحدهما التخلي عن هويته.
بل تبني نظاماً يجعل:
الهوية الكردية غير تهديد للدولة، والدولة التركية غير تهديد للهوية الكردية.
وهذا هو جوهر المصالحة الحقيقية.
حادي عشر: ماذا عن اللغة؟
اللغة ليست تفصيلاً ثقافياً.
اللغة بالنسبة إلى الشعوب قضية كرامة وهوية وذاكرة.
ومن هنا فإن أي حل طويل الأمد يحتاج إلى سياسة ثقافية أكثر نضجاً تجاه اللغة الكردية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على اللغة التركية باعتبارها اللغة الرسمية الجامعة للدولة.
المعادلة ليست:
تركية أو كردية.
بل:
تركية جامعة + تعدد ثقافي ولغوي داخل الدولة.
وهذه ليست معادلة ضعف.
بل يمكن أن تكون دليلاً على قوة الدولة وثقتها بنفسها.
ثاني عشر: الشتات الكردي في آسيا الوسطى… الذاكرة التي لم تمت
تكشف التجربة الكردية في كازاخستان وآسيا الوسطى شيئاً بالغ الأهمية.
فالتهجير لم ينجح في محو الهوية.
الأكراد الذين وصلوا إلى كازاخستان في ظروف قاسية أسسوا جمعياتهم ومؤسساتهم الثقافية، وحافظوا على الموسيقى واللغة والفلكلور والاحتفالات ونوروز، وأقاموا مدارس وبرامج لتعليم اللغة، ونشروا كتباً وصحفاً كردية.
وبحسب المعطيات التي توردها المصادر الكردية المحلية، فإن عدد الأكراد في كازاخستان يتجاوز مئة ألف شخص، مع وجود جمعيات ومؤسسات ثقافية كردية في عدد من المدن.
وهذا يقدم درساً مهماً:
يمكن للدولة أن تنقل الإنسان، لكنها لا تستطيع بسهولة نقل ذاكرته.
ولهذا فإن التعامل مع الهوية الكردية بالقوة لم يثبت تاريخياً أنه يلغيها.
إنما قد يدفعها إلى التحول من هوية ثقافية إلى هوية سياسية أكثر صلابة.
ثالث عشر: من «كردستان الكبرى» إلى «الفضاء الكردي»
ربما يكون هذا هو التحول الأهم الذي يجب فهمه.
المشروع الكردي لم يعد بالضرورة مشروع دولة واحدة بالطريقة التي كانت تُطرح بها الشعارات في القرن العشرين.
هناك اليوم واقع مختلف.
أكراد تركيا مواطنون في دولة تركية.
وأكراد العراق يعيشون داخل دولة عراقية مع إقليم كردستان ذي وضع دستوري خاص.
وأكراد سوريا يعيشون ضمن دولة سورية تعاد صياغة مؤسساتها.
وأكراد إيران يعيشون ضمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
والأكراد في آسيا الوسطى يعيشون ضمن دول مستقلة متعددة.
إذن السؤال الواقعي لم يعد فقط:
هل ستنشأ دولة كردية؟
بل:
هل يمكن أن يتشكل فضاء كردي ثقافي واقتصادي وسياسي عابر للحدود من دون أن يتحول إلى مشروع لتفكيك الدول؟
وهنا تصبح تركيا صاحبة المصلحة الأكبر في صياغة الإجابة.
رابع عشر: الخطر الأكبر على تركيا ليس «الكردي»… بل الفراغ
من الخطأ الاستراتيجي أن تعتبر تركيا أن الخطر يأتي من مجرد وجود هوية كردية قوية.
الخطر الحقيقي يأتي عندما تترك الدولة فراغاً سياسياً واجتماعياً تستغله القوى الخارجية.
فإذا لم تقدم أنقرة للأكراد مساحة سياسية مشروعة، فقد تقدمها قوى أخرى.
وإذا لم توفر الدولة فرصاً اقتصادية، فإن شبكات غير رسمية ستملأ الفراغ.
وإذا لم تقدم رواية وطنية جامعة، فستظهر روايات عابرة للحدود.
وهنا تصبح المسألة الكردية ورقة في يد:
إيران،
الولايات المتحدة،
روسيا،
إسرائيل،
والقوى الإقليمية الأخرى.
ولهذا فإن دمج الأكراد في الدولة التركية ليس تنازلاً استراتيجياً؛ بل يمكن أن يكون استثماراً في السيادة التركية.
خامس عشر: ماذا يجب أن تفعل أنقرة؟
إذا أرادت تركيا أن تجعل المرحلة الحالية تاريخية فعلاً، فلا يكفي إصدار قانون يتعلق بالمقاتلين السابقين.
المطلوب بناء حزمة سياسية ودستورية واقتصادية وثقافية متكاملة.
أولاً:
إنشاء ضمانة قانونية واضحة للمواطنة المتساوية.
ثانياً:
توسيع المجال السياسي أمام الأحزاب التي تعمل ضمن النظام الدستوري.
ثالثاً:
تعزيز الحقوق الثقافية واللغوية بصورة لا تهدد وحدة الدولة.
رابعاً:
تسريع التنمية الاقتصادية في جنوب شرق تركيا وربطها بالممرات العراقية والسورية والخليجية.
خامساً:
تحويل الحدود التركية–العراقية من مساحة صراع إلى مساحة تجارة.
سادساً:
تطوير نموذج تفاوضي جديد مع حكومة إقليم كردستان العراق.
سابعاً:
دعم إعادة دمج المناطق الكردية السورية في مؤسسات الدولة السورية، مع ضمانات أمنية واضحة لتركيا.
ثامناً:
منع أي تنظيم مسلح من استغلال القضية الكردية لتحقيق أجندة خارجية.
تاسعاً:
التمييز بشكل واضح بين الكردي المواطن والتنظيم المسلح.
وعاشراً:
الأهم: وضع هذه العملية تحت مظلة قانونية ودستورية مستقرة، بحيث لا تصبح حقوق أي طرف رهينة لتغير الحكومات أو الظروف السياسية.
السادس عشر: لماذا يهم هذا العالم العربي أيضاً؟
قد يبدو الملف تركياً–كردياً، لكنه في الحقيقة ملف شرق أوسطي.
فأي استقرار في العلاقة بين تركيا والأكراد سيؤثر مباشرة في:
العراق،
سوريا،
إيران،
أمن الحدود،
الطاقة،
التجارة،
الهجرة،
وممرات النقل.
وإذا نجحت تركيا في إغلاق الصفحة المسلحة من القضية الكردية، فقد تصبح أكثر قدرة على لعب دور إقليمي أكبر في العراق وسوريا والخليج.
بمعنى آخر:
السلام التركي–الكردي المحتمل قد يتحول إلى عنصر من عناصر إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
السابع عشر: اللحظة التاريخية أمام تركيا
لقد استغرق الصراع المسلح عقوداً.
وقد سقط عشرات الآلاف من الضحايا منذ بداية التمرد المسلح لحزب العمال الكردستاني عام 1984. (Reuters)
واليوم توجد فرصة نادرة لإنهاء هذا الفصل.
لكن التاريخ يعلمنا أن الاتفاقات الأمنية وحدها لا تصنع سلاماً دائماً.
السلام الحقيقي يحتاج إلى ثلاثة مستويات:
نزع السلاح.
الاندماج السياسي.
العدالة والحقوق والمواطنة.
إذا تحقق الأول دون الثاني والثالث، فسيكون لدينا هدوء مؤقت.
أما إذا اجتمعت المستويات الثلاثة، فسيكون لدينا تحول تاريخي.
الخلاصة: الأكراد من أين؟ وإلى أين؟
الأكراد لم يأتوا من اتفاقية سايكس–بيكو.
ولم يولدوا مع حزب العمال الكردستاني.
ولم تختفِ هويتهم بسبب التهجير السوفييتي.
ولم تنتهِ القضية الكردية بسبب سقوط مشروع سياسي هنا أو هناك.
الأكراد جزء أصيل من التاريخ الاجتماعي والسياسي للشرق الأوسط.
لكن مستقبلهم لا يجب أن يكون بالضرورة نسخة من الماضي.
وهنا تكمن الفرصة التركية.
يمكن لتركيا أن تختار بين نموذجين.
النموذج الأول:
أن تبقى القضية الكردية ملفاً أمنياً مفتوحاً، وأن تبقى الحدود مع العراق وسوريا مناطق عسكرية، وأن تستمر القوى الخارجية في استثمار الانقسامات، وأن تبقى المنطقة تدور في الحلقة نفسها.
والنموذج الثاني:
أن تنهي الدولة التركية الصراع المسلح، وتفتح المجال أمام حل سياسي ودستوري، وتمنح مواطنيها الأكراد شعوراً كاملاً بالمواطنة، وتستخدم قوتها الاقتصادية والجغرافية لربط جنوب شرق تركيا بالعراق وسوريا والخليج، ثم تحول علاقاتها مع الأكراد في الدول المجاورة من علاقة أمنية إلى علاقة استراتيجية.
الخيار الثاني لا يضعف تركيا.
بل قد يجعلها أقوى.
لأن الدولة التي تشعر بالثقة في هويتها الوطنية لا تخاف من تعدد مواطنيها.
والدولة التي تستوعب اختلافاتها الداخلية تصبح أكثر قدرة على مواجهة خصومها الخارجيين.
والدولة التي تنهي حرباً داخلية عمرها عقود تستطيع أن توجه طاقتها نحو بناء القوة الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية.
لهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد:
«ماذا سيفعل الأكراد؟»
بل أصبح:
«ماذا ستفعل تركيا بالفرصة التاريخية التي أمامها؟»
فإذا نجحت أنقرة في تحويل الملف الكردي من قضية أمن قومي إلى مشروع مواطنة وقوة وطنية، فإنها لن تكون قد حلت مشكلة داخلية فقط.
ستكون قد أعادت رسم ميزان القوى في العراق وسوريا وإيران، وفتحت ممراً اقتصادياً جديداً بين الأناضول والخليج، وقللت قدرة القوى الخارجية على استخدام الورقة الكردية ضدها.
أما إذا انتهى السلاح وبقيت القضية بلا إطار سياسي ودستوري مقنع، فإن المشكلة قد لا تختفي.
قد تتغير فقط.
وهنا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي لتركيا الجديدة:
ليس هل تستطيع أن تنزع السلاح من الأكراد، بل هل تستطيع أن تجعل الكردي يرى مستقبله داخل الدولة التركية أكثر أمناً وكرامة وازدهاراً من أي مشروع خارجها.
عندها فقط يمكن القول إن المسألة الكردية دخلت فعلاً مرحلة تاريخية جديدة.
ومن هنا، فإن «من أين وإلى أين؟» ليست فقط مسألة تخص الأكراد.
إنها، في جوهرها، سؤال عن مستقبل تركيا والعراق وسوريا وإيران، وعن شكل الشرق الأوسط كله خلال العقود المقبلة.
بقلم: بكير أتاجان – إسطنبول





