مقالات وآراء

سلام الكواكبي يكتب: مشايخ الشاشات وصناعة الجهل المقدس

قال لي كثيرون بعد أن طرحت هذا الموضوع في مقال سابق إنني أبالغ في عرض المشكلة وأضخم الأمور. لذلك، كلما استعرضت مسألة مشايخ وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر من يقلل من أهميتها. يقولون إن الأمر مجرد ضجيج إلكتروني، وإن من يشاهد هذه المقاطع، التي تمتلئ بالجنس والعنف والافتراء، هم أشخاص لديهم هذه القناعات أصلاً، أو أشخاص لا تأثير لهم في تشكيل الرأي العام. لكن هذا الرأي يظهر قدراً كبيراً من السذاجة، أو ربما رغبة في تجاهل مشكلة أصبحت أكبر من أن تُخفى.

في الحقيقة، كثير من هؤلاء ليسوا مجرد وجوه تظهر على الشاشات ثم تختفي. هم جزء من بنية دينية واجتماعية موجودة، ولديهم منابر ومساجد وأتباع وشبكات نفوذ. وسائل التواصل لم تخلقهم من الصفر. لكنها أعطتهم مكبرات صوت لم يسبق لها مثيل. هذا سمح لهم بالوصول إلى ملايين الناس خارج حدود الجغرافيا والرقابة والمحاسبة.

والخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن جمهورهم يتكون فقط من المتشددين. لو كان هذا صحيحاً، لما سببت الظاهرة كل هذا القلق. الخطر الحقيقي يوجد فيمن لا يملكون معرفة دينية أو ثقافية كافية تساعدهم على التمييز بين العلم والدجل، وبين الاجتهاد والتحريض، وبين التدين والأيديولوجيا. هؤلاء يأخذون دينهم من مقاطع قصيرة. يعيدون بناء تصورهم للعالم اعتماداً على خطابات مليئة بالخوف والكراهية والأحكام المطلقة. إن جيلاً كاملاً يتعلم اليوم من الشاشة أكثر مما يتعلم من المدرسة أو الكتاب.

في كثير من الأحيان يكون الشيخ المؤثر على المنصة الرقمية أكثر حضوراً في حياة الشباب من المعلم، أو الأستاذ، أو المفكر، أو رجل الدين الرصين. هنا تكمن المأساة. حين يصبح المصدر الرئيسي للمعرفة الدينية شخصاً يجمع بين الثقة المطلقة والجهل المطلق، فإن النتيجة لا يمكن أن تكون سوى إعادة إنتاج الجهل “المُخرِّب” على نطاق واسع.والأمر ليس مجرد أخطاء فردية أو زلات لسان.

نحن أمام نظام كامل يعيش على التبسيط الزائد، وعلى اختراع الأعداء، وعلى تقسيم الناس إلى جماعات متصارعة. المرأة تختزل إلى مصدر فتنة، والمختلف دينياً يُعرض كتهديد، والمختلف مذهبياً يصبح خصماً دائماً. أما من يختلف في الرأي فيُصور كشخص منحرف أو عميل أو عدواً للدين.هذا الخطاب لم يبقَ يوماً محصوراً في الشاشات. يقدم التاريخ العربي المعاصر أدلة واضحة على أن الأفكار التي تبدأ همساً على المنابر تنتهي أحياناً رصاصاً في الشوارع. في العراق، لم تبدأ الكارثة الطائفية بالسيارات المفخخة.

سبقتها سنوات من التحريض المذهبي والتشكيك في الآخر وتجريده من إنسانيته. في لبنان، لم تظهر خطوط التماس فجأة. غذتها عقود من الخطابات المغلقة والهويات المتصارعة. في سوريا، أظهرت سنوات الحرب كيف يمكن لخطاب ديني متطرف أن يجعل الجار عدوا، والمواطن مشروع مقاتل، والطائفة حاجزا.لم يكن الاستبداد خارج هذه المعادلة. بعض الأنظمة العربية استخدمت رجال الدين المتشددين عندما احتاجت إليهم. تجاهلتهم عندما خدموا مصالحها.

ثم أدركت متأخرة أنها ساعدت في خلق وحش يصعب السيطرة عليه. استُخدم الدين مرات كثيرة كسلاح سياسي. دفع المجتمع ثمن هذا التلاعب مرات عديدة. اليوم، تعطي المنصات الرقمية هذه الظاهرة قوة أكبر. كلما أصبح الخطاب أكثر تطرفاً، زادت فرص انتشاره. كلما زادت الكراهية، ارتفعت نسب المشاهدة. أصبح التعصب سلعة، وصارت الإثارة الدينية نموذجاً اقتصادياً مربحاً. لم يعد بعض هؤلاء يعيشون من العلم أو المعرفة أو الإرشاد، بل من عدد المشاهدات والتفاعلات والاستقطاب الذي ينجحون في إنتاجه.ومن الغريب أن كثيرين ممن يرفضون أي رقابة على هذا النوع من المحتوى يفعلون ذلك باسم حرية التعبير. لكن حرية التعبير ليست حقاً في الكذب. وليست رخصة للتحريض.

وليست حصانة ضد المساءلة. فالمجتمعات الحديثة لا تعاقب الناس على آرائهم. لكنها تعاقبهم عندما تتحول أقوالهم إلى تحريض على العنف أو الكراهية أو التمييز. لذلك، فإن المطالبة بإطار قانوني يجرم الافتراء والتحريض الطائفي والدعوات إلى العنف ليست اعتداء على الحريات. هي دفاع عنها. حرية المواطن في العيش بأمان وكرامة مهمة مثل حرية الواعظ في الكلام. الحريات نفسها تصبح مهددة إذا تركنا المجال مفتوحا لمن ينشرون العداء بين مكونات المجتمع بشكل منهجي.إن أخطر ما في الظاهرة ليس وجود هؤلاء المشايخ. الخطر يكمن في وجود من يصرون على التقليل من شأنهم. فالمجتمعات لا تنهار فجأة.

بل تتآكل ببطء. تبدأ الحكاية بكذبة لا يجد أحد من يفندها. ثم يظهر خطاب كراهية لا يواجهه أحد. ثم يأتي التحريض الذي يُبرَّر باسم الدين أو الحرية أو الخصوصية الثقافية. وبعد سنوات يكتشف الجميع أن ما كان يُعتبر رأياً هامشياً أصبح ثقافة عامة.وعندما تصل الأمور إلى تلك المرحلة، لا يعود السؤال: كيف وصلنا إلى هنا؟ بل لماذا تجاهلنا كل الإشارات التي كانت تنذر بالخطر؟ ولماذا تركنا مصير عقول أجيال كاملة في أيدي دعاة يملكون يقيناً لا حدود له، ومعرفة لا تكاد تتجاوز حدود الجهل الذي يوزعونه يومياً على أتباعهم؟

المصدر: المدن

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى