
بعد أن تركت ما كان يثقلني، ووجدت ما كان ينقصني، وحميت قلبي ممن لا يستحقه، سألني صديق قديم، وماذا بعد؟ هل انتهت الرحلة؟
قلت له لا، الآن فقط بدأت أعيش فالنضج ليس محطة وصول، هو بداية طريق جديد تمشيه لأول مرة وأنت ترى بوضوح.
وفي هذه البداية الجديدة فهمت خمس حقائق أخيرة علمتني كيف أعيش، لا كيف أنجو فقط.
أولاً لم أعد أخاف من النهايات كنت في شبابي أرتعب من النهاية نهاية علاقة، نهاية وظيفة، نهاية مرحلة، نهاية طريق.
كنت أتمسك بكل شيء حتى لو كان يؤذيني، فقط خوفا من كلمة “انتهى”.
النضج علمني أن كل شيء له نهاية وهذه ليست مأساة هذه هي طبيعة الحياة.
النهايات ليست عقابا، بل هي تنظيف رباني للطريق علاقة انتهت لأن دورها انتهى ومرحلة أغلقت لأنك نضجت عنها وباب أغلق لأنه لم يكن بابك.
منذ أن تصالحت مع فكرة أن لكل شيء نهاية بدأت أستمتع بكل شيء كأنه أول مرة وأودعه بهدوء كأنه آخر مرة لم أعد أخاف أن أفقد فمن يخاف الفقد لا يعرف الطعم الحقيقي للوجود.
ثانياً فهمت أن الوحدة ليست عقوبة بل علاج كنا نهرب من الوحدة كأنها مرض نملأ يومنا بالناس والضجيج والزيارات والاتصالات حتى لا نبقى وحدنا مع أنفسنا ثم اكتشفت أن الخوف الحقيقي ليس أن تكون وحيدا بل أن تكون وسط الزحام وأنت وحيد.
حين نضجت أحببت وحدتي وجدت فيها صديقا قديما كنت قد نسيته أنا.
في وحدتي أرتب أفكاري أسمع صوتي الداخلي الذي كان يضيع وسط ضجيج الناس أشرب قهوتي بهدوء وأقرأ كتابا دون أن أشرح لأحد لماذا أحبه.
الوحدة لم تعد فراغا أهرب منه أصبحت مساحة مقدسة أعود إليها لأرمم ما أفسده العالم.
من لا يستطيع أن يجلس مع نفسه ساعة بسلام لن يستطيع أن يجلس مع أحد بسلام.
ثالثاً اكتشفت أن السعادة ليست حدثا كبيرا بل تفاصيل صغيرة ونحن شباب كنا نؤجل سعادتنا ونقول لانفسنا سأكون سعيدا عندما أتخرج، عندما أتزوج، عندما أشتري البيت، عندما يكبر أولادي، عندما أتقاعد.
وكنا نعيش حياتنا كلها في حالة انتظار لسعادة كبيرة لن تأتي، لأننا كنا نعمى عن السعادات الصغيرة التي كانت تحدث كل يوم.
حين نضجت فهمت أن السعادة ليست قصراً كبيراً، بل هي فنجان قهوة دافئ في صباح هادئ، وضحكة ابن من القلب، ومكالمة من صديق قديم دون سبب، وصحة تسترني، وستر يغطيني، ونومة دون ألم.
توقفت عن انتظار السعادة، وبدأت أمارسها كل يوم أبحث عن سبب صغير واحد يجعلني أبتسم، وغالبا أجده.
فالسعادة ليست أن تملك كل شيء، بل أن ترى كل شيء تملكه بسعادة.
رابعاً تعلمت أن أسامح، دون أن أعيد أحدا لمكانه القديم وهذه قمة النضج العاطفي
كنت أظن أن المسامحة تعني أن نفتح الباب مرة أخرى ونقول تفضل عد كما كنت فكنت أسامح وألدغ من نفس الجحر مرتين وثلاثا.
اليوم أسامح، نعم، أسامح الجميع بصدق لا أحمل في قلبي غلا لأحد لكن مسامحتي لا تعني أن أعيدك إلى نفس المكانة التي كنت فيها.
هناك من نسامحه ونودعه على باب القلب وهناك من نسامحه ونبقيه في الشارع وهناك من نسامحه ونتركه يمضي في طريقه ونمضي في طريقنا.
المسامحة قرار لي أنا لأرتاح أما عودة الأشخاص فقرار آخر يخضع للعقل لا للقلب.
أسامحك لأنني أستحق السلام، لكنني لا أعيدك لأنني أستحق الاحترام.
خامساً وأخيراً قررت أن أترك أثرا لا ضجيجا في شبابنا كنا نريد أن نترك ضجيجا أن يعرفنا الجميع أن نتحدث في كل مجلس أن نثبت وجودنا بصوت عال.
حين نضجت أدركت أن الضجيج يذهب والأثر يبقى
لم أعد أهتم أن يعرفني الكثيرون بل أن يعرفني القليلون بصدق.
لم أعد أسعى لأن أكون مشهورا بل أن أكون مفيدا فكلمة طيبة أقولها لشاب تائه أو مساعدة صامتة لشخص محتاج دون أن يعرف من ساعد،تربية طيبة لابني، مقال صادق يلمس قلبا واحدا فقط هذا هو الأثر.
الضجيج يصنعه أي أحد، أما الأثر فلا يصنعه إلا الناضجون.
الختام…
هذه كانت رحلتي في أربعة مقالات تركت، فوجدت، فحميت، ثم بدأت أعيش أخيرا.
إن كنت في بداية الرحلة فلا تخف، وإن كنت في منتصفها فلا تتراجع فأجمل ما في النضج أنه لا يأتي متأخرا أبدا يأتي في وقته تماما، عندما تكون مستعدا لأن تفهم.
وأنا اليوم لا أبحث عن حياة مثالية، بل عن حياة حقيقية..
حياة تشبهني .. وهذا يكفيني.






