تعيينات أمنية متشددة في إيران.. مجتبى خامنئي يبعث برسالة حازمة إلى ترامب

أجرى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي تغييرات واسعة في هرم القيادة الأمنية والعسكرية في إيران، شملت تعيين شخصيات بارزة ذات خلفيات في الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، في خطوة تعكس، وفق تقديرات محللين، توجهاً أكثر تشدداً في إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة والرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتأتي إعادة هيكلة القيادة الإيرانية في وقت تتصاعد فيه الخلافات بين طهران وواشنطن بشأن البرنامج النووي الإيراني ومستقبل مضيق هرمز، وسط مؤشرات على أن المواجهة السياسية والأمنية بين الجانبين قد تستمر لفترة طويلة.
وتُعد التغييرات الأخيرة من أكبر عمليات إعادة تشكيل القيادة الأمنية منذ تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى، إذ شملت مواقع رئيسية في مجلس الأمن القومي والحرس الثوري وقوات الباسيج.
ويواصل خامنئي الابن غيابه عن الظهور العلني منذ اندلاع الحرب، وسط تضارب في المعلومات المتعلقة بوضعه الصحي. وتشير تقديرات استخباراتية أميركية إلى أنه على قيد الحياة لكنه تعرض لإصابات بالغة، بينما يؤكد مسؤولون إيرانيون أنه أصيب لكنه يتمتع بصحة جيدة.
ويقول مسؤولون إيرانيون بارزون إنهم لم يلتقوا خامنئي منذ توليه منصبه، ما أضفى مزيداً من الغموض على طريقة إدارته للسلطة، في الوقت الذي تواصل فيه القيادة الإيرانية إصدار قرارات وتعيينات باسمه.
ويرى محللون أن طبيعة الشخصيات التي جرى تعيينها تشير إلى رغبة القيادة الإيرانية في تعزيز التيار المتشدد داخل مؤسسات صنع القرار، خصوصاً في ظل مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحصول على تنازلات إيرانية تتعلق بالبرنامج النووي وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.
محسن رضائي في قلب القرار الأمني
ويبرز محسن رضائي، القائد الأسبق للحرس الثوري، في مقدمة الشخصيات التي صعدت إلى مواقع مؤثرة، بعد تعيينه أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، خلفاً لمحمد باقر ذو القدر.
كما عيّن مجتبى خامنئي رضائي ممثلاً شخصياً له في المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو أحد أهم مؤسسات صنع القرار في إيران، ويتولى التعامل مع الملفات العسكرية والأمنية والسياسية والدبلوماسية الرئيسية.
ويمنح الجمع بين منصبي أمين المجلس وممثل المرشد رضائي نفوذاً واسعاً في إدارة الملفات المرتبطة بالعلاقة مع الولايات المتحدة والحرب والمفاوضات المتعلقة بمضيق هرمز.
ويُعد رضائي، البالغ من العمر 71 عاماً، من أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية الإيرانية، وسبق له قيادة الحرس الثوري خلال الحرب الإيرانية العراقية، كما خاض الانتخابات الرئاسية عدة مرات، وشغل عدداً من المناصب الحكومية والاستشارية.
وأظهر رضائي خلال الأيام الماضية موقفاً متشدداً بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، مؤكداً أن إيران لن توافق على إقامة ممر ملاحي عبر المضيق لا يخضع لسيطرتها.
ويرى خبراء ووسطاء أن امتلاك رضائي خبرة طويلة داخل المؤسسات العسكرية والسياسية قد يساعد القيادة الإيرانية على توحيد مواقفها خلال المفاوضات، في ظل تعدد مراكز صنع القرار داخل البلاد.
ويحل رضائي محل محمد باقر ذو القدر، البالغ من العمر 72 عاماً، والذي عمل لسنوات في مواقع استخباراتية وأمنية رفيعة، قبل تعيينه مستشاراً سياسياً للمرشد الإيراني عقب مغادرته منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي.
من قيادة الحرس الثوري إلى مجلس الأمن القومي
وُلد محسن رضائي عام 1954 في مدينة مسجد سليمان جنوب غربي إيران، ودرس الهندسة الميكانيكية، قبل أن ينخرط في جماعة “المنصورون” المسلحة التي عارضت نظام الشاه قبل الثورة الإيرانية عام 1979.
وبعد سقوط نظام الشاه، التحق رضائي بالحرس الثوري، وتولى قيادته عام 1981، ليصبح واحداً من أبرز قادته خلال الحرب الإيرانية العراقية، واستمر في قيادة المؤسسة لنحو 16 عاماً.
وغادر رضائي قيادة الحرس الثوري عام 1997، وانتقل لاحقاً إلى العمل السياسي والحكومي، كما دخل في خلافات مع الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد بسبب سياساته الاقتصادية وطريقة تعامله مع الغرب.
وخلال عهد أحمدي نجاد، برز رضائي ضمن مجموعة من المحافظين ذوي الخلفية العسكرية الذين سعوا إلى الحفاظ على النظام السياسي الإيراني، مع تبني قدر من الحذر في إدارة العلاقات مع الدول الغربية.
ورغم هذا التاريخ الذي وضعه في فترات سابقة ضمن التيار المحافظ الأكثر براغماتية، فإن مواقفه الأخيرة تشير إلى تشدد واضح تجاه تقديم تنازلات للولايات المتحدة، خصوصاً في ملفات الحرب والعقوبات ومضيق هرمز.
أحمد وحيدي قائداً للحرس الثوري
وشملت التغييرات أيضاً تعيين العميد أحمد وحيدي قائداً عاماً للحرس الثوري الإيراني، مع ترقيته إلى رتبة لواء، في خطوة أخرى تعزز حضور الشخصيات ذات الخلفية العسكرية المتشددة داخل القيادة الإيرانية.
ويُعرف وحيدي بمواقفه الرافضة لتقديم تنازلات للولايات المتحدة، ويأتي تعيينه في وقت تواجه فيه إيران تحديات عسكرية وأمنية متصاعدة، بالتوازي مع استمرار المفاوضات والضغوط الأميركية.
كما تضمنت إعادة تشكيل القيادة العسكرية تعيين مصطفى إيزدي نائباً للقائد العام للحرس الثوري، إلى جانب تغييرات أخرى في مواقع عليا داخل القوات المسلحة.
حسين طائب يعود إلى قيادة الباسيج
وفي إطار التغييرات نفسها، عيّن مجتبى خامنئي حسين طائب قائداً لقوات الباسيج، وهي قوة تطوعية تابعة للحرس الثوري تضطلع بمهام أمنية داخلية، وشاركت على مدى سنوات في التعامل مع الاحتجاجات وحركات المعارضة.
ويُعد طائب من الشخصيات المقربة منذ فترة طويلة من دائرة خامنئي، وسبق له قيادة قوات الباسيج خلال احتجاجات عام 2009، التي شهدت مواجهات واسعة بين قوات الأمن والمتظاهرين.
وتشير عودة طائب إلى قيادة الباسيج، إلى جانب صعود رضائي ووحيدي، إلى اتجاه القيادة الإيرانية نحو الاعتماد بصورة أكبر على شخصيات عسكرية وأمنية تمتلك خبرة طويلة داخل الحرس الثوري ومؤسسات النظام.
وتضع هذه التعيينات شخصيات ذات مواقف متشددة في قلب إدارة الملفات الأكثر حساسية بالنسبة لإيران، وفي مقدمتها المواجهة مع الولايات المتحدة، والبرنامج النووي، ومستقبل مضيق هرمز، ما يبعث بإشارة إلى واشنطن بأن طهران لا تتجه، في المرحلة الراهنة، نحو تقديم تنازلات سريعة في الملفات محل الخلاف.





