
كره العرب توالي الخاءات لغةً، ولكن جاءت كلمات العنوان بتكرار حرف الخاء عمداً لما يستوجب التحذير منه، وتصدياً لتبعاته، وتبنياً لمسارات بديلة.
فعلى مدار الأيام الماضية توالت تقارير ودراسات تحذر من الأمر الأول، وهو خطر استمرار الاختلالات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وآثارها ومخاطرها، وإن لم تُشِر لسائر دول العالم الأخرى إلا عرضاً.
كما تناولت بعض الأقلام الأمر الثاني، وهو خلل سعر الصرف؛ بالدفع بخطورة استمرار انخفاض سعر اليوان الصيني، وكذلك تعرضت لتدخل الولايات المتحدة استنقاذاً للين الياباني وخلل سعر صرفه، وأسباب هذا التدخل ودلالاته.
وفي السطور التالية سيتضح ما أقصده بالخطل الأكبر، كخطر أشد من الأمرين.
ولنرُد الأمرين بداية لما كتبه بعض أصحاب الدراسات. فقد استكتبت مجلة «الإكونوميست» في عددها الصادر هذا الأسبوع كلاً من جيتا جوبينات، وبيير أوليفييه جورسنشاس، كبيرَي اقتصاديي صندوق النقد الدولي السابقين، وهيلين ري، الأستاذة في مدرسة لندن للإدارة، ما نُشر تحت عنوان شارح لمقصدهم: «لا تلوموا اليوان -المُقيَّم بأقل من قيمته- على الاختلالات العالمية». فسعر الصرف ليس هو العلَّة؛ بل عَرَض من أعراضها. فالعلَّة تكمن في فائض الصين الإنتاجي الكبير، وادخارها الضخم، واستهلاكها المكبوح، وأزمة استثماراتها العقارية، وضعف شبكة الأمان الاجتماعي، بما يؤدي إلى انخفاض اليوان. فيزيد ذلك مجدداً من تنافسية صادراتها فيرتفع فائضها التجاري، وتستمر هذه الحلقة في دورانها اتساعاً.
أما الولايات المتحدة فعلى النقيض من ذلك، فعجز موازنتها العامة الضخم، واستهلاكها الكبير، يسببان نقصاً في الادخار، ومع دور الدولار الدولي يدفع ذلك إلى زيادة قيمة الدولار. فإذا انصلحت معضلة الادخار في البلدين فسينصلح أمر سعر الصرف بينهما. وإن تدخُّل الصين في سوق عملتها مؤخراً كان في الواقع لمنع سعر اليوان من التدهور، وليس للتلاعب بتخفيضه لرفع تنافسية صادراتها. كما أن أي محاولة لإجبار الصين على رفع سعر عملتها، بغية تخفيض الاختلالات القائمة، ستفشل حتماً؛ لأن أغلب صادرات الصين مسعَّرة بالدولار، بما يبطئ أي تعديل ولن يقلل هذا الصادرات؛ بل سيزيد من أسعار الواردات إلى الصين، بما يخفض الطلب ويزيد من احتمالات الانكماش الاقتصادي.
كما أن مناداة واشنطن بإعادة إحياء «اتفاق بلازا» الذي عُقد عام 1985 مع اليابان، وتطبيقه على الصين، لن تنجح، فالطرفان مختلفان. فقد جاء الاتفاق في إطار تعاون أميركي ياباني باعتبارات سياسية خفضت أميركا عجزها نسبياً في إطاره؛ ولكن لن تقبل الصين بصفقات مماثلة. فللصين في «اتفاق بلازا» عبرة، فهناك من الآراء أنه كان مفيداً للولايات المتحدة ووبالاً على اليابان، وفقاً لدراسة الاقتصاديين اليابانيين هامادا وأوكادا المنشورة في عام 2009، عن العوامل النقدية والدولية وراء العقد المفقود في اليابان.
ويتبنى رأي الاقتصاديين الثلاثة مقترحات قُدِّمت لمجموعة السبع الصناعية وصندوق النقد الدولي، مقتضاها الكف عن المبالغة في دور آليات سعر الصرف وصفقات العملة، فالضرورة تملي توجيه الجهد لإصلاحات أقل إثارة، ولكنها أكثر عمقاً، على النحو الآتي:
تعالج أميركا عجزها المالي المزمن وضعف مدخراتها.
ترفع الصين الطلب المحلي، وتتوسع في نظم الضمانات الاجتماعية، ليطمئن الصينيون على مستقبلهم، فيزداد الاستهلاك الجاري، فيرتفع سعر اليوان تلقائياً.
كما ينبغي لدول الاتحاد الأوروبي، وعلى سائر دول العالم الأخرى أن تنهض بتنافسيتها، حتى لا تكون المتلقي الأخير لصدمات الفوائض والاختلالات العالمية.
وفي هذه الأثناء، ما زالت الدوائر الاقتصادية تتابع أسباب وآليات تدخل الولايات المتحدة في مطلع هذا الشهر لمساندة الين الياباني، بعد تراجعه إلى أدنى سعر صرف له منذ 40 عاماً، بعد محاولات سلطاته دعمه بنحو 12 تريليون ين من دون طائل. وقد ذكر الرئيس ترمب أن تدخُّل بلاده إشارة صداقة. ولكن أسواق المال تعلم أنه لحماية عوائد السندات الأميركية، فلو لم يحدث هذا التدخل لباعت اليابان المذعورة المالكة لأكثر من 1.1 تريليون دولار من السندات الأميركية من هذه السندات لشراء الين، بما يرفع أسعار العائد على السندات المرتفعة أصلاً لأعلى مستوى لها منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية. فباع بنك نيويورك الفيدرالي من موجودات اليورو لديه ليشتري الين. وما زالت الأسواق في متابعة لما ستُسفر عنه التدخلات المزدوجة لاستنقاذ الين.
إن الأمر صار مرعباً، ولا يوجد طريق سهل للخروج من الأزمة، كما أشارت الكاتبة بـ«الفاينانشال تايمز» جيليان تيت؛ إذ يتجاوز الدين في اليابان ضعف الناتج المحلي، وبتكلفة خدمة ديون تتجاوز ربع الإنفاق العام. والحلول المعتادة بتقييد الموازنة لتخفيض العجز، ورفع الفائدة لاحتواء التضخم، وبيع الأصول، معروف أنها مضنية وبطيئة. وإذا كان هذا هو الوضع في اليابان فسرعان ما سيتلفُّت الدائنون والمستثمرون يمنة ويسرة بحثاً عن أحوال مماثلة، ولن يلبثوا في تلفُّتهم وبحثهم طويلاً. فسيجدون في قائمة الدول المتقدمة من الحالات المماثلة من ارتفاع الديون وغلبة خدماتها على أولويات الإنفاق العام، ما يستدعي الحذر والتحوط. ومن ذلك احتمال زيادة مطالبهم برفع أسعار الفائدة بسبب زيادة مخاطر الائتمان.
وهذا يردنا إلى الأمر الأخير وهو الخطل الأكبر. والخطل لغة يأتي بمعانٍ متعددة، واصفة جميعها وضع الاقتصاد العالمي وتفتُّته واختلالاته، من اضطراب وحمق. ويأتي الخطل أيضاً بمعنى التبختر والاسترخاء. وهذه هي حال العالم مع الديون التي يأبى أن يحسمها رغم تعدد الحلول، ولكن تنقصها الإرادة. وفي هذا نقاش مقبل.







