الاستثمارات الإماراتية في مصر.. من ضخ رؤوس الأموال إلى التوسع في الأصول والقطاعات الاستراتيجية

كشفت دراسة بعنوان «الخريطة الكاملة للاستثمارات الإماراتية في مصر» عن توسع كبير ومتسارع لرأس المال الإماراتي داخل الاقتصاد المصري، لم يعد مقتصرًا على الاستثمار التقليدي، بل امتد إلى الاستحواذ على حصص في شركات وأصول مصرية، والدخول في قطاعات العقارات والغذاء والدواء والطاقة والبنوك والصحة والتعليم والموانئ والنقل والخدمات.
وبحسب البيانات التي تستند إليها الدراسة، احتلت الإمارات المرتبة الأولى بين مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، فيما بلغت قيمة الاستثمارات الإماراتية نحو 8.9 مليارات دولار، وفق بيانات منشورة في سبتمبر 2023.
ورصدت الدراسة اتجاهًا متزايدًا منذ عام 2022 نحو شراء حصص في شركات مصرية قائمة، بدلًا من الاقتصار على تأسيس مشروعات جديدة، مشيرة إلى استحواذات شملت حصصًا في البنك التجاري الدولي وشركة فوري وأبو قير للأسمدة ومصر لإنتاج الأسمدة، إلى جانب شركات وأصول أخرى.
رأس الحكمة.. الصفقة الأكبر
وتحتل صفقة رأس الحكمة موقعًا مركزيًا في خريطة التوسع الاستثماري الإماراتي في مصر، إذ بلغت قيمة الصفقة التي جرى التوصل إليها في فبراير 2024 نحو 35 مليار دولار.
وشملت الصفقة تطوير مساحة واسعة بمنطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي لإقامة مشروع عمراني وسياحي متكامل، يتضمن عددًا من المشروعات والبنية التحتية والخدمات المرتبطة بالمنطقة.
وأشارت الدراسة إلى اعتزام الجانب الإماراتي ضخ استثمارات إضافية كبيرة خلال سنوات تنفيذ المشروع، ما يجعل رأس الحكمة نموذجًا مختلفًا من حيث الحجم والطبيعة مقارنة بالعديد من الاستثمارات الإماراتية السابقة في السوق المصرية.
توسع في الغذاء والزراعة والدواء
ويمتد الحضور الاستثماري الإماراتي إلى قطاعات ترتبط مباشرة بالاحتياجات اليومية للمصريين، وفي مقدمتها الزراعة والغذاء والدواء.
وفي القطاع الزراعي، أشارت الدراسة إلى استثمارات في زراعة القمح والذرة ومحاصيل أخرى، إلى جانب استثمارات في صناعة السكر والصناعات الغذائية وسلاسل تجارة التجزئة.
أما قطاع الدواء، فرصدت الدراسة استحواذات واستثمارات في شركات مصرية تعمل في تصنيع وتوزيع وتصدير المستحضرات الدوائية، بما يعكس اتساع نطاق الاستثمارات ليشمل قطاعات ذات أهمية مباشرة للسوق المحلية.
الطاقة والموانئ والنقل البحري
وفي قطاع الطاقة، دخلت شركات إماراتية إلى سوق بيع وتوزيع الوقود، إلى جانب أنشطة مرتبطة بالتنقيب عن النفط والغاز، بالتوازي مع توسع الحضور الإماراتي في قطاع الموانئ والمحطات البحرية.
وأوردت الدراسة اتفاقات تتعلق بتشغيل وتطوير محطات في موانئ سفاجا والغردقة وشرم الشيخ، فضلًا عن حضور استثماري إماراتي في ميناء العين السخنة ومشروعات أخرى مرتبطة بالنقل البحري والموانئ.
ويعكس هذا التوسع انتقال الاستثمارات الإماراتية إلى قطاعات مرتبطة بالبنية التحتية وحركة التجارة والنقل والخدمات اللوجستية، وليس فقط القطاعات العقارية والمالية التقليدية.
البنوك والصحة والتعليم
ويمتد الحضور الإماراتي كذلك إلى القطاع المصرفي، إذ رصدت الدراسة وجود خمسة بنوك إماراتية تعمل في مصر، إلى جانب استحواذ بنك أبوظبي الأول على بنك عودة في مصر، ما عزز وجوده في السوق المصرفية المصرية.
كما تناولت الدراسة استثمارات إماراتية في المستشفيات والمراكز الطبية وشركات الأدوية، بالتوازي مع توسع في قطاعي التعليم الخاص والدولي.
وأشارت إلى إعلان إحدى المجموعات خطة لاستثمار نحو 300 مليون دولار لبناء 30 مدرسة خاصة خلال عامين، في مؤشر على امتداد الاستثمارات إلى قطاع الخدمات التعليمية.
لماذا تتركز الاستثمارات في العقارات والخدمات؟
وتطرح الدراسة تساؤلًا بشأن ميل جزء مهم من رأس المال الإماراتي إلى الاستثمار في العقارات والسياحة والفنادق والبنوك والخدمات، فضلًا عن الاستحواذ على حصص في شركات قائمة، مقابل حضور أقل في بعض القطاعات الصناعية والإنتاجية الجديدة.
وتعرض الدراسة تفسيرًا لهذا الاتجاه يقوم على بحث المستثمر عن القطاعات الأسرع في تحقيق العائد والأقل تعرضًا لمخاطر أزمات العملة والاستيراد، في وقت تواجه فيه قطاعات صناعية مصرية تحديات مرتبطة بتوفير النقد الأجنبي والخامات ومستلزمات الإنتاج.
وفي المقابل، تتيح العقارات والسياحة وبعض الأنشطة الخدمية والمالية فرصًا لتحقيق عوائد أسرع، إلى جانب الاستفادة من الأصول والشركات القائمة بدلًا من تحمل تكاليف ومخاطر إنشاء مشروعات جديدة من البداية.
استثمار أم نفوذ؟
ولا تتوقف الدراسة عند الأبعاد الاقتصادية، بل تتناول آراء وتحذيرات سياسية بشأن إمكانية تحول الحجم المتزايد للاستثمارات والاستحواذات إلى أداة نفوذ تتجاوز الجانب الاقتصادي.
وتقدم الدراسة هذه المخاوف باعتبارها آراء وتقديرات لمحللين وشخصيات سياسية، وليست حقائق مثبتة بذاتها، في ظل الجدل حول تأثير الاستثمارات الأجنبية واسعة النطاق في الأصول والقطاعات الاستراتيجية.
وفي المقابل، يمثل تدفق رؤوس الأموال الأجنبية أحد المصادر المهمة للنقد الأجنبي والاستثمار في الاقتصاد المصري، خاصة في ظل الضغوط التمويلية والحاجة إلى جذب استثمارات خارجية وتمويل مشروعات جديدة.
وفي المحصلة، ترسم الدراسة صورة لتحول نوعي في العلاقة الاقتصادية بين القاهرة وأبوظبي، من تدفقات مالية ومساعدات واستثمارات متفرقة إلى حضور واسع داخل قطاعات وأصول مؤثرة في الاقتصاد المصري.
ويضع هذا التوسع قضية إدارة الاستثمارات والأصول وحقوق الانتفاع طويلة الأجل أمام تساؤلات متزايدة بشأن تحقيق التوازن بين الحاجة إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية من جهة، وضرورة وجود قواعد واضحة للشفافية وحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدولة من جهة أخرى.







