ملفات وتقارير

أموال التأمينات.. تحذير تحت قبة البرلمان يعود بعد أكثر من عشرين عامًا

قبل أكثر من عقدين، وتحت قبة مجلس الشعب المصري، كان ملف الدين العام وأموال التأمينات حاضرًا ضمن القضايا التي أثارها النائب آنذاك الدكتور أيمن نور في مواجهة حكومة الرئيس الأسبق حسني مبارك. لم يكن الحديث وقتها عن أزمة انتهت وأصبحت جزءًا من الماضي، وإنما عن مخاوف تتعلق بطريقة إدارة أموال ضخمة تخص ملايين المصريين، وعن العلاقة المتزايدة بين أموال التأمينات واحتياجات الموازنة العامة للدولة.

واليوم، وبعد أكثر من عشرين عامًا، يعود الملف إلى الواجهة من جديد، بعد تصريحات وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي بشأن أموال التأمينات والمعاشات، والرد الذي خرجت به وزيرة التأمينات الاجتماعية السابقة ميرفت التلاوي، لتعود معها أسئلة ظلت حاضرة لسنوات: ماذا حدث لأموال التأمينات؟ وكيف نشأت التشابكات المالية بينها وبين الخزانة العامة؟ وهل كانت التحذيرات التي خرجت من داخل البرلمان قبل أكثر من عقدين تستحق أن تؤخذ بجدية أكبر؟

تحذير مبكر تحت قبة البرلمان

المتاح من الأرشيف الصحفي لتلك الفترة يشير إلى أن أيمن نور لم يكتف بالحديث السياسي العام عن الأوضاع الاقتصادية، وإنما استخدم أدواته الرقابية داخل مجلس الشعب لإثارة ملف أموال التأمينات، إلى جانب ملف الدين العام والسياسات الاقتصادية للحكومة.

وتشير تغطيات صحفية تعود إلى عام 2005، خلال أزمة رفع الحصانة البرلمانية عنه، إلى عدد من الملفات والاستجوابات التي تحرك فيها داخل البرلمان، وكان من بينها استجواب يتعلق بأموال التأمينات والمخاوف من تعرضها للضياع.

وكان نور عضوًا في مجلس الشعب خلال دورتي 1995–2000 و2000–2005، وشكلت القضايا الاقتصادية والموازنة العامة والرقابة على الحكومة جانبًا مهمًا من نشاطه البرلماني.

وفي هذا السياق يأتي التسجيل المتداول لاستجوابه بشأن الدين العام، باعتباره جزءًا من مواجهة أوسع حول طريقة إدارة موارد الدولة والديون والالتزامات المالية، ومن بينها أموال التأمينات.

كيف بدأت التشابكات المالية؟

جذور العلاقة بين أموال التأمينات واحتياجات الدولة تعود إلى فترة أقدم. فمع تأسيس بنك الاستثمار القومي عام 1980، أصبحت فوائض صناديق التأمينات تُوظف عبر البنك في تمويل استثمارات ومشروعات للدولة، لتنشأ مع مرور الوقت علاقة مالية معقدة بين أموال المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات من جهة، والخزانة والمؤسسات الحكومية من جهة أخرى.

ولم تكن القضية في مبدأ استثمار أموال التأمينات، فهذه الأموال بطبيعتها تحتاج إلى الاستثمار والحفاظ على قيمتها وتنمية عوائدها، وإنما تركز الخلاف على طريقة إدارة هذه الأموال، والعوائد التي تحصل عليها الصناديق، وحجم المديونيات المستحقة لها، ومدى استقلال أموال المؤمن عليهم عن الاحتياجات المباشرة للموازنة العامة.

ومع تراكم هذه العلاقات المالية ظهر المصطلح الذي أصبح لاحقًا عنوانًا رئيسيًا للأزمة: “التشابكات المالية”.

الأزمة تستمر بعد سنوات من التحذيرات

لم ينته الجدل بانتهاء برلمان 2005. ففي عام 2009 عاد الملف بقوة إلى مجلس الشعب، وتقدم أربعة نواب باستجوابات اتهموا فيها الحكومة باستخدام أموال التأمينات للمساهمة في سد عجز الموازنة العامة.

وأظهر ذلك أن القضية لم تكن مرتبطة بمواجهة سياسية عابرة أو بنائب واحد، وإنما ظلت مطروحة داخل البرلمان وبين خبراء الاقتصاد وأصحاب المعاشات على مدار سنوات.

وظلت العلاقة المالية بين صناديق التأمينات ومؤسسات الدولة تتراكم وتتداخل، حتى أصبح فض هذه التشابكات واحدًا من الملفات التي كان لا بد من التعامل معها بصورة تشريعية ومالية شاملة.

898 مليار جنيه.. الدولة تبدأ فض التشابكات

جاء التحول الأهم في عام 2019 مع صدور قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الجديد، وبدء عملية رسمية لتسوية التشابكات المالية بين وزارة المالية والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي.

وفي سبتمبر من العام نفسه، أعلنت الحكومة التوصل إلى اتفاق لفض هذه التشابكات، وظهر وقتها حجم الأموال التي أصبحت محل التسوية.

فقد جرى الحديث عن مديونية مستحقة للتأمينات تبلغ نحو 898 مليار جنيه، مع اتفاق يقضي بأن تسدد الخزانة العامة 160.5 مليار جنيه في السنة الأولى، على أن تزيد قيمة التحويلات سنويًا، فيما بلغ إجمالي ما كان مقررًا تحويله خلال السنوات السبع الأولى نحو تريليون و363 مليار جنيه.

هذه الأرقام أعادت بصورة تلقائية أهمية النقاشات التي دارت قبل ذلك بسنوات طويلة. فالملف الذي كان محل استجوابات وتحذيرات داخل البرلمان أصبح في نهاية المطاف موضوعًا لاتفاق رسمي لتسوية تشابكات مالية بمئات المليارات من الجنيهات.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل الاتهامات أو التقديرات التي طُرحت في الاستجوابات القديمة ثبتت صحتها حرفيًا، لكنه يؤكد أن أصل المشكلة كان قائمًا، وأن العلاقة بين الخزانة العامة وأموال التأمينات أصبحت مع مرور السنوات معقدة إلى درجة استدعت تدخلًا تشريعيًا وتسوية مالية طويلة الأجل.

يوسف بطرس غالي يعيد فتح الملف

بعد سنوات من بدء هذه التسوية، عاد يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، ليفتح الملف مجددًا في ظهوره مع الإعلامية لميس الحديدي، رافضًا الاتهامات التي لاحقته بشأن ضياع أموال التأمينات أو استثمارها خارج مصر.

وقال غالي إن القانون كان يمنع استثمار أموال التأمينات خارج البلاد، مشددًا على وجود خلط بين الفترة التي تولى فيها وزارة الاقتصاد والفترة اللاحقة التي أصبح فيها وزيرًا للمالية، ومقدمًا بذلك رواية مختلفة عن الصورة التي ترسخت لسنوات بشأن دوره في إدارة ملف التأمينات.

ميرفت التلاوي ترد: الرواية غير دقيقة

رواية غالي أثارت ردًا من ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات الاجتماعية السابقة، التي اعترضت على عدد من النقاط التي طرحها، وقالت إن حديثه تضمن خلطًا في الوقائع.

كما اختلفت معه بشأن العوائد التي كانت تحصل عليها أموال التأمينات، مؤكدة أن العوائد التي حصلت عليها الصناديق كانت أقل مما كان يمكن تحقيقه من فرص استثمارية أخرى، واتهمت غالي باستخدام أموال التأمينات في تمويل مشروعات بهدف تخفيف الأعباء الواقعة على الموازنة العامة للدولة.

وبذلك أعاد السجال بين اثنين من المسؤولين السابقين فتح السؤال الذي دار حوله الخلاف منذ سنوات طويلة: إلى أي مدى كانت أموال التأمينات تدار باعتبارها أموالًا مستقلة تخص المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات، وإلى أي مدى تحولت، من خلال العلاقات والتشابكات المالية، إلى أحد مصادر تمويل احتياجات الدولة؟

أيمن نور يعود إلى الملف بعد أكثر من عقدين

وفي مايو 2026، وقبل تجدد الجدل الأخير، كان أيمن نور قد عاد بدوره إلى ملف التأمينات، معتبرًا أن ما جرى لأموال أصحاب المعاشات والتأمينات يمثل واحدًا من الملفات الكبرى التي تحتاج إلى إعادة فتح ومراجعة، ومشيرًا إلى تأثير العلاقة الممتدة بين هذه الأموال والموازنة العامة على استقلال إدارة الصناديق والثقة فيها.

كما ظل نور يربط في تناوله للملفات الاقتصادية بين أزمة الدين العام وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية، انطلاقًا من أن المشكلة لا تتوقف عند حجم الاقتراض وحده، وإنما تمتد إلى طريقة استخدام الدين، وما إذا كان يذهب إلى استثمارات قادرة على توليد موارد مستقبلية، أم يتحول إلى عبء يزاحم الإنفاق الاجتماعي ويزيد الضغوط على الموازنة.

ومن هنا تكتسب العودة إلى استجوابه القديم بشأن الدين العام أهميتها. فالأمر لا يتعلق بمجرد تسجيل أرشيفي لنائب معارض يهاجم حكومة كانت

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى