
قليلون هم الفنانون الذين وجدوا أنفسهم أمام اختبار أصعب من ذلك الذي واجهه نور الشريف بعد الخامس والعشرين من يناير 2011. فقد كانت مصر تعيش واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا منذ عقود، وانقسم المجتمع بين مؤيد ومعارض، وامتد هذا الانقسام إلى الوسط الفني نفسه. وفي مثل هذه الأجواء، كان أي تصريح، أو موقف، أو حتى صمت، كفيلًا بأن يضع صاحبه في أحد المعسكرين.
لكن نور الشريف، كعادته، حاول أن يختار طريقًا ثالثًا.
لم يكن من الفنانين الذين التحقوا بالسلطة، ولم يكن أيضًا من الذين رأوا أن كل ما سبق الثورة يجب أن يُهدم بالكامل. كان يرى أن الثورة حدث تاريخي كبير، وأن خروج ملايين المصريين إلى الشوارع لا يمكن إنكاره أو التقليل من أهميته، لكنه كان يخشى في الوقت نفسه أن تتحول لحظة التغيير إلى لحظة فوضى، وأن تضيع الدولة بينما يبحث الجميع عن مستقبل أفضل.
كان موقفه نابعًا من طبيعة مشروعه الفني كله.
فعلى مدار أكثر من أربعين عامًا، لم يكن منحازًا إلى نظام سياسي بعينه، وإنما انحاز إلى الإنسان العادي. دافع عن العدالة، وانتقد الفساد، وناقش استغلال النفوذ، وكشف آثار القمع، وطرح أسئلة عن علاقة المواطن بالدولة. ولذلك، لم يكن غريبًا أن يرى في مطالب يناير المتعلقة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية مطالب مشروعة، لأنها القضايا نفسها التي ناقشها في أفلام مثل «الكرنك»، و«أهل القمة»، و«سواق الأتوبيس»، و«حضرة المتهم أبي».
لكن نور الشريف كان يفرق بين الثورة كفكرة، وبين إدارة المرحلة التي تلتها.
كان يقول إن إسقاط نظام لا يعني إسقاط الدولة، وإن إصلاح المؤسسات لا يكون بهدمها، وإن الحفاظ على الوطن يجب أن يظل الهدف الأكبر، مهما كانت الخلافات السياسية.
ولهذا، وجد نفسه أحيانًا يتعرض لانتقادات من أطراف مختلفة.
فالبعض رأى أنه لم يكن ثوريًا بما يكفي، وآخرون اعتبروا أنه منح الثورة تأييدًا أكبر مما ينبغي. وربما كان السبب في ذلك أنه لم يتحدث بلغة المعسكرات، وإنما بلغة رجل يخشى على بلده من الانقسام.
وخلال المرحلة الانتقالية، لم يكثر نور الشريف من الظهور الإعلامي لإطلاق المواقف السياسية، كما فعل بعض الفنانين. كان أكثر ميلًا إلى الهدوء، وإلى اختيار كلماته بعناية. وكان يرى أن الفنان ليس سياسيًا محترفًا، وأن مسؤوليته الأساسية تبقى في تقديم أعمال تحترم عقل الناس، لا في خوض المعارك اليومية.
ومع ذلك، لم ينعزل عن المشهد.
كان يتابع ما يجري باهتمام، ويشارك في النقاشات العامة، ويعبر عن آرائه كلما شعر أن الأمر يتعلق بمستقبل الدولة أو وحدة المجتمع. وكان يؤكد أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة بين المصريين، لأن الأوطان لا تُبنى إلا بالتوافق، لا بالإقصاء.
وربما كان أكثر ما أزعجه في تلك السنوات هو حالة الاستقطاب.
فقد رأى كيف انقسم الأصدقاء، واختلفت الأسر، وأصبح الحوار أكثر صعوبة. وكان يؤمن أن الفن، في مثل هذه اللحظات، يجب أن يكون مساحة تجمع الناس، لا أداة تزيد من انقسامهم.
ولهذا لم يحاول أن يوظف تاريخه الفني لخدمة موقف سياسي مؤقت.
لم يقل إن أفلامه كانت تتنبأ بالثورة، ولم يحاول إعادة تفسير أعماله بما يناسب اللحظة. ترك للجمهور حرية القراءة، واكتفى بالتأكيد على أن الفن الحقيقي يبقى صالحًا لكل زمن، لأنه يناقش الإنسان قبل أن يناقش السياسة.
ومن اللافت أن كثيرًا من الشباب الذين شاهدوا «الكرنك» أو «أهل القمة» أو «سواق الأتوبيس» بعد يناير، وجدوا فيها أسئلة تشبه أسئلة واقعهم. ولم يكن ذلك لأن نور الشريف كان يعرف ما سيحدث بعد عقود، بل لأنه كان يناقش قضايا لا تنتهي؛ الحرية، والعدالة، والفساد، والعلاقة بين المواطن والدولة.
وفي السنوات الأخيرة من حياته، بدا أكثر اهتمامًا بفكرة استعادة التوازن.
كان يؤمن أن المجتمعات تمر بأزمات، لكنها لا تستطيع أن تعيش فيها إلى الأبد. وأن بناء المستقبل يحتاج إلى النقد، لكنه يحتاج أيضًا إلى الاستقرار، وإلى مؤسسات قوية، وإلى قدرة على تجاوز الانقسامات.
ولهذا، لم يترك وراءه خطابًا سياسيًا بقدر ما ترك رؤية إنسانية.
رؤية تقول إن الوطن أكبر من أي نظام، وأكبر من أي سلطة، وأكبر من أي خلاف سياسي.
وربما لهذا لم يستطع أحد أن يحتكره بعد رحيله.
لا السلطة استطاعت أن تقدمه باعتباره فنانها، ولا المعارضة استطاعت أن تعتبره صوتها وحدها.
بقي نور الشريف كما كان طوال حياته؛ فنانًا يقترب من الناس أكثر مما يقترب من السياسة، ويؤمن أن قيمة الفنان لا تُقاس بالموقف الذي يتخذه في لحظة عابرة، وإنما بالأثر الذي تتركه أعماله في وعي الأجيال.
وهنا تكمن خصوصية علاقته بثورة يناير.
لم يكن بطلًا في الميدان، ولم يكن خصمًا للثورة، بل كان شاهدًا على لحظة فارقة، حاول أن ينظر إليها بعين الفنان الذي يخشى على حلم التغيير، ويخشى في الوقت نفسه على بقاء الوطن.
ولهذا، فإن موقف نور الشريف من الثورة لا يمكن اختصاره في تصريح أو لقاء تلفزيوني، بل يُقرأ من خلال مسيرته كلها؛ مسيرة فنان ظل يدافع عن الحرية، ويرفض الفساد، ويؤمن بالعدالة، لكنه كان يرى دائمًا أن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل إلا إذا بقي الوطن نفسه قادرًا على الوقوف.







