
القضية المتداولة حول تعديلات قانون التأمينات والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 لا تتوقف عند حدود الأرقام والـ50 عامًا من التقسيط الممتد، بل تكشف عن عجز هيكلي في فلسفة إدارة أصول الدولة، وتضع المجتمع أمام مواجهة صريحة مع آثاره الكارثية.
الثغرة القانونية
صياغة التشريعات التأمينية بمعزل عن واقع التضخم والقيمة الشرائية الحقيقية للنقود أوجدت «فجوة استحقاق». التشريع يُلزم الدولة شكليًا، لكنه عمليًا يُفرغ المعاش من قيمته الحمائية. هذا العجز التشريعي فتح الباب أمام ثغرات مسكوت عنها؛ حيث أصبح القانون يبحث عن نصوص جافة، بينما يبحث المواطن عن مسارات للالتفاف الهادئ لاسترداد جزء من حقوقه الادخارية.
من التحايل إلى السقوط المجتمعي
أن تصل الأمور ببعض الأسر إلى توثيق «طلاق رسمي» صوري مع الاستمرار في الزواج «عرفيًا»، فقط للحصول على معاش أحد الوالدين؛ فهذا ليس مجرد «تحايل قانوني» أو شطارة معيشية، بل هو سقوط مجتمعي مدوٍّ وإعلان انكسار للمنظومة الأخلاقية. عندما يُضطر المواطن لدهس استقراره الأسري والشرعي ليتغلب على جشع الغلاء وتآكل المعاش، فنحن أمام تشويه متعمد لمفهوم الكرامة الإنسانية.
سلسلة التداعيات القادمة
هذه السقطة ليست محطة أخيرة، بل هي بداية لسلسلة من الانهيارات الاجتماعية. عندما يصبح التحايل على القانون هو السبيل الوحيد للبقاء، يتحول «الانتفاع غير المشروع» إلى ثقافة شعبية مبررة مجتمعيًا. غياب الأمان الاجتماعي الحقيقي يُفكك العقد المبرم بين المواطن والدولة، ويجعل الفرد يفكر كمنظومة منفصلة تبحث عن نجاتها الفردية بأي ثمن.
المقارنة هنا حاضرة وبشدة؛ فبينما تتجه تجارب دولية كتركيا إلى توجيه صناديقها الاستثمارية وقواعدها الصناعية لدعم المواطن، وبينما يُظهر الاستثمار في «العنصر البشري»، كما حدث لـ«محمد صلاح» لاعب الكرة، كيف يصنع التخطيط الاحترافي ثروة واستقرارًا؛ نجد أن المورد المالي في مصر يُدار بذات آليات الماضي: اقتراض، وترحيل للأزمات، وتحميل للأجيال القادمة.
التأمينات ليست رقمًا يسهل تسويته في الموازنة، بل هي حياة كاملة ادّخرها المواطن. وعندما يُسلب هذا الأمان، لا تخسر الموازنة أرقامها فقط، بل يفقد المجتمع توازنه وأخلاقياته.
د. هالة عبد العزيز







