
في كلِّ عصرٍ يبتكرُ الطغاةُ أدواتَهم؛ يصنعونها بدقّةٍ، ويُشحِذونها بمكرٍ، ويُوظِّفونها لصرف الأنظار عن جرائمهم إلى ملاعبِ اللهو، فتصيرُ الكرةُ عندهم رغيفَ الوعي البديل، والملعبُ منبرَ الرواية الرسميّة، والفريقُ ذاكرةَ الأمّةِ المؤقّتة؛ غيرَ أنّ التاريخَ — وحدَه — يعرفُ متى تنقلبُ الأداةُ على صانعِها، ومتى يتحوّلُ الملعبُ من ترفيهٍ يُطفئُ الوعيَ إلى شعلةٍ توقظُه.
وقد وقعَ ذلك على مرأًى من العالم كلِّه، وفي التاريخِ بعينِه: في الثالث من يوليو 2026 — أي بعد ثلاثةَ عشرَ عامًا بالتمام والكمال من انقلاب الثالث من يوليو 2013 — كان المديرُ الفنّيُّ المنتخب لقيادة المنتخب المصري، أمام اختبار واختيار، فإذا به يرفعُ علمَ فلسطين في أرلينغتون بولاية تكساس، عقبَ فوز مصرَ على أستراليا بركلات الترجيح 4–2، وبلوغِها دورَ الستّةَ عشرَ لأوّل مرّةٍ في تاريخها؛ ثم يهدي الفوزَ «للشعب المصريِّ الأصيل وللشعب الفلسطينيِّ الطيب الكريم» الصامد، وقال وأعلنها أن قلبَه وروحَه معهم، بينما كان المدرّجُ يهتفُ خلفَه، صورةٌ واحدةٌ قالت بالحركةِ ما عجزت عنه التصريحات والمؤتمرات، وأعلنت بالرمزِ ما لم يجرؤ عليه بيانٌ رسميٌّ منذ الانقلاب، عندها رفع في قلب كل إنسان حر شريف، راياتٌ بلا إذن، وهتافاتٌ بلا وصاية، حتى بدا الأمر كاستفتاءٍ غير رسميٍّ على وعيِ الأمم والشعوب.
وبين يوليو وأغسطس تحديدًا يقعُ الحساب؛ فما بدأ في يوليو 2013 خطابًا، انتهى في أغسطس 2013 دمًا، وامتدَّ ثلاثةَ عشرَ عامًا بنيةً ومنظومة، وهذه مرافعاتُ الشهرَين.
مرافعةُ يوليو — تفكيكُ خطابِ يوليو 2013
صِيغَ خطابٌ أعلنَ «شرعيةَ التفويض» بديلًا عن شرعية الصندوق الانتخابي، فإذا به إعلان عن أربعَ فضائحَ متتالية:
الفضيحةُ الأولى — التفويضُ المعكوس، في ظاهره حماية شرعيةَ الشعب، وفي باطنه انتزاعَ الشرعيةَ من الشعب؛ بدا كأنه تصريح بإزهاقَ الأرواح، فكانت أوسعُ عمليةِ قتلٍ للمتظاهرين في تاريخ مصرَ الحديث، وقد أكده توثيق: ست وقائعَ رصدتها «هيومن رايتس ووتش» بين 5 يوليو و17 أغسطس 2013، خلَّفت ما لا يقلُّ عن 1,150 قتيلًا، وعدد كبير من القيادات ورجال الدولة المدنيين العزل، في مقدمتهم الرئيس الشرعي المدني الأول لجمهورية مصر العربية من 1952، وبرلمان منتخب بكامل أعضائه، ومستشارين وعلماء وخبراء وأساتذة جامعة ورجال أعمال، وصحافيين وحقوقيين، لا زالوا في المعتقلات حتى كتابة هذا المقال، وخلصَ التقريرُ إلى أن ما حدث يصل إلى مستوى جرائمَ ضدَّ الإنسانية.
الفضيحةُ الثانية — النزولُ لينفصل. ظهور على الشاشات «يظهره بين الشعب» في خطابٍ لينسحبَ عنه ثلاثةَ عشر عامًا كاملة، منتهيًا خلف أسوار مباني في الصحراءِ على بُعد 45 كيلومترًا شرقَ القاهرة، انتقلَ إليها البرلمانُ ووزاراتُ ومقرُّ الرئاسة، تُديرها شركةُ «العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية» المملوكةُ بنسبة 51% للمؤسسة العسكرية و49% لوزارة الإسكان، وأنفقت على المرحلة الأولى وحدَها نحو 500 مليار جنيه، ضمنَ كلفةٍ إجماليةٍ تُقدَّر بنحو 58 مليار دولار، صُمِّمت لتسَعَ ستّةَ ملايينِ نسمة من أصل 100 مليون نسمة… ولم يكن قد انتقلَ إليها سوى نحو 1,500 أسرة، النزولُ اللحظيُّ كان تكتيكًا لانتزاع التفويض؛ والانسحابُ الطويلُ كان استراتيجيةً لتثبيت الحكم بلا مساءلة؛ عاصمةٌ يملكُها ويسكنها العسكر وكل من شارك ودعم الانقلاب.
الفضيحةُ الثالثة — «الدولة والدين» بعد ثلاثةَ عشرَ عامًا: موازنةٌ تُدارُ لخدمةِ الدَّين لا لبناءِ العمران، وقدرةٌ شرائيةٌ تآكلت للطبقتَين الوسطى والفقيرة على السواء، وعبءُ دَينٍ عامٍّ يُصنِّفه صندوقُ النقد الدولي نفسُه ضمنَ مخاطرِ الاستدامة؛ أيُّ همٍّ هذا الذي وصف الدولة بأنها شبه دولة، ثم دولة عوز، وصل بها إلى أفقر مما كانت عليه من 13 عامًا.
الفضيحةُ الرابعة — التحذيرُ من الفوضى كإطارٍ دائم، تحوَّلَ التحذيرُ إلى إطارٍ تفسيريٍّ يُغلَقُ به كلُّ نقاش، ويُبرَّرُ به كلُّ تضييق، ويُصنَّفُ به كلُّ معارض؛ حتى صارت «الفوضى» في أدبيات النظام لا عدوًّا يُواجَه، بل أداةً تشغيليةً لإدارة المشهد السياسي.
مرافعةُ أغسطس — من أغسطس المذبحة إلى أغسطس الكبتاجون
ما زُرِعَ في يوليو حُصِدَ في أغسطس، وهذا هو التسلسلُ الموثَّق، لا التقديريّ:
5 يوليو 2013: قَتْلُ عدد من المتظاهرين السلميين أمام مقرِّ الحرس الجمهوري، وثَّقت بصور أهمها المصور الذي رصد بكاميراته استشهاده بتصويب القناص عليه مباشرة.
8 يوليو 2013: فتحُ النار على اعتصامٍ سلميٍّ أمام مقرِّ الحرس الجمهوري، وسقوطُ أكثر من 61 شهيدًا.
27 يوليو 2013: إطلاقُ النار على مسيرةٍ قربَ نصب المنصّة والنصب التذكاري شرقَ القاهرة، وسقوطُ أكثر من 95 شهيدًا على الأقل، كثيرٌ منهم بطلقةٍ واحدةٍ في الرأس أو الصدر.
14 أغسطس 2013: فضُّ رابعةِ العدوية — الذي خلّف مذبحة فاق عدد القتلى فيها 817 شهيدًا موثَّقًا بالاسم، ورجَّحت «هيومن رايتس ووتش» أن يتجاوزَ العددُ الحقيقيُّ الألف، وفي الميدان ذاتِه من اليوم أكثر من 87 شهيدًا في اعتصام النهضة؛ أي ما يزيد على 904 شهداء في يومٍ واحد، وصفتها منظمات بأنّها من أكبر عمليات قتل المتظاهرين في يومٍ واحدٍ في التاريخ الحديث على مستوى العالم.
16 أغسطس 2013: قنص أكثر من 120 شهيدًا في محيط ميدان رمسيس ومسجد الفتح.
18 أغسطس 2013: وفاةُ 37 محتجزًا اختناقًا داخلَ عربةِ ترحيلاتٍ تم إشعال النار فيها أمام سجن أبو زعبل.
وحتى الروايةُ شبهُ الرسميّة لم تُنقِذ الموقف: المجلسُ القوميُّ لحقوق الإنسان أقرَّ في تقريره بسقوط ما يفوق 632 شهيدًا في فضِّ رابعة، ووزارةُ الصحة أعلنت 595 متظاهرًا و43 من رجال الشرطة، وقال رئيسُ الوزراء آنذاك للصحافة إنّ حصيلةَ رابعة والنهضة «قريبةٌ من الألف»، فالخلافُ على الرقم لا على الواقعة.
وبعد ثلاثةَ عشرَ عامًا، لم يُحاكَم مسؤولٌ حكوميٌّ واحدٌ ولا فردٌ واحدٌ من قوات الأمن عن هذه الوقائع، بل تم تبرئة كل من ثار الشعب عليهم وعلى فسادهم، وفي المقابل سِيقَ المتظاهرون أنفسُهم إلى محاكماتٍ جماعية: في قضيةِ «فضّ رابعة» وحدَها حوكِمَ 739 متّهمًا دفعةً واحدة، وصدرت 75 حكمًا بالإعدام؛ هذا هو الميزانُ المقلوب: القتيلُ الشهيد متّهم، والقاتلُ المجرم خارجَ دائرةِ السؤال.
استدلال… بالنظام
آنَ الأوانُ لتوصيفٍ دقيق، فالنظامُ الحاليُّ في مصر لا يُوصَفُ بدقّةٍ بأنّه «نظامٌ استبداديٌّ» فحسب — فهذا توصيفٌ عامٌّ يشملُ كثيرًا من الأنظمة — بل يُوصَفُ بأنّه: قيادةٌ استراتيجيةٌ لمنظومةٍ سجنيّة، بأركانٍ أربعةٍ:
أوّلًا — البنيةُ التحتية: عشراتُ السجون الجديدة تحت مسمّى «مراكز الإصلاح والتأهيل»، ومنشآتٌ عقابيةٌ بأحجامٍ لم تعرفها مصرُ من قبل، في وقتٍ تتآكلُ فيه الفصولُ الدراسيةُ وأَسِرّةُ المستشفيات. والسجنُ فيها ليس للمجرم، بل لكلِّ رمزٍ وطنيٍّ حرّ: علماءُ وخبراءُ ومفكّرون وبرلمانيّون ووزراءُ، ومحامون، وأطبّاءُ وطلاب جامعات ومدارس.
ثانيًا — البنيةُ التشريعية: توسّعت قوائمُ «الإرهاب» حتى شملت مفكّرين ومحامين وحقوقيين وصحفيين ومعارضين سلميين، فصارَ التصنيفُ نفسُه أداةَ سجنٍ لا أداةَ حماية؛ والدليلُ الأحدثُ صارخ: القرارُ الجمهوريُّ رقم 301 لسنة 2026، الصادرُ في 23 يوليو 2026 بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لثورة يوليو، منحَ عفوًا عن باقي العقوبة لفئاتٍ من المحكوم عليهم — ثمّ استثنى صراحةً جرائمَ أمن الدولة الداخليِّ والخارجيِّ من العفو — أي أنّ العفوَ صِيغَ بحيث يستحيلُ أن يمسَّ سجناءَ الرأي؛ فالتهمةُ التي فُصِّلت لهم هي بعينِها التهمةُ المستثناةُ من القرار.
ثالثًا — البنيةُ القضائية: الحبسُ الاحتياطيُّ الممتدُّ سنواتٍ خارجَ روح القانون، وسياسةُ «التدوير» التي تُعيدُ الاتهامَ بعد انقضائه أو بعد صدور قرار الإخلاء، والمحاكماتُ الجماعيةُ بمئات المتّهمين في جلسةٍ واحدة — حوَّلت القضاءَ من ضمانةٍ للحرية إلى بوّابةٍ إضافيةٍ للسجن.
رابعًا — البنيةُ الاقتصاديّة: نموٌّ على الورق، بتصريح وتأكيد التقارير الدولية.
في تحديثِ «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر عن صندوق النقد الدولي في 8 يوليو 2026، رفعَ الصندوقُ توقّعاتِ نموِّ مصرَ لعام 2026 إلى 4.6% بزيادةٍ قدرُها 0.4 نقطةٍ مئويةٍ عن تقديرات أبريل — وهو ما تصدّرَ العناوين، أمّا ما لم يتصدّرها فهو الشِّقُّ الثاني من الجملة ذاتِها: خفضُ توقّعاتِ 2027 إلى 4.4%، أي مراجعةٌ نزوليّةٌ بالمقدار نفسِه، 0.4 نقطة، رقمُ العام القادم مرفوع، ورقمُ ما بعده مخفوض؛ والرسالةُ أنّ الانتعاشَ مؤقّتٌ ومشروط، في ظاهره نمو وانتعاش، وفي باطنه انكماش وتضخم.
وحين يُقاسُ هذا النموُّ بحياة الناس ينكشفُ على حقيقته؛ ففي يونيو 2026 بلغَ التضخّمُ السنويُّ 12.2% على مستوى الجمهورية و14.3% حضريًّا وفقَ الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بينما ارتفعَ التضخّمُ الأساسيُّ إلى 14.3% وفقَ البنك المركزي. لكنّ المتوسّطاتِ تُخفي المذبحةَ الحقيقيةَ في بند بعينِه: أسعارُ السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود ارتفعت 31.2% في اثنَي عشرَ شهرًا، والخضرواتُ 29.9%، والملابسُ والأحذيةُ 12.9%. ولا يزالُ سعرُ الفائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراض. فأيُّ نموٍّ هذا الذي لا يشعرُ به المواطنُ لا في جيبه، ولا في طبقِ طعامه يومه، ولا في أُفق أبنائه؟
أمّا القاعُ فيرسمُه البنكُ الدولي في «موجز الفقر والمساواة» الصادر في أكتوبر 2025: 33.5% من المصريين تحتَ خطِّ الفقر الوطني — أي نحو 36.6 مليون نسمة؛ و58.5% تحتَ خطِّ 1.04 دولار وأربعة سنتات في الساعة أي 8.30 يوميًّا، هو المعتمَد لشريحة الدخل المتوسط الأعلى — أي نحو 64.9 مليون نسمة، وكان البنكُ قد سجّلَ من قبلُ أنّ نحوَ 60% من سكّان مصرَ إمّا فقراءُ وإمّا معرَّضون للفقر، وأنّ التفاوتَ في ازدياد، مقابلَ عاصمةٍ بثمانيةٍ وخمسين مليارَ دولار.
وهذه هي المعادلةُ في سطرٍ واحد: نموٌّ وهمي مؤقت مسنودٌ بقروضٍ ومعلَّقٌ على شروطِ الدائنين، وتضخّمٌ واقعي في ازدياد يلتهمُ الأجرَ قبل أن يصلَ البيت، وطبقةٌ وسطى مُدمَّرة، وعقولٌ مُهجَرة، واقتصادٌ عسكريٌّ يخنقُ المبادرة، وشعبٌ يرفعُ رايتَه في الملعبِ لأنّ الصناديقَ مُغلَقة.
خامسًا — البيّنةُ الرقميّة: بين يدَي المحكمة
هي بيّنةٌ صادرةٌ عن مصادرَ دوليةٍ ومستقلّة، مُثبَتٌ إلى جانب كلِّ رقمٍ منها مصدرُه وتاريخُ رصدِه، لأنّ الرقمَ بلا تاريخٍ ولا مصدرٍ حُجّةٌ على صاحبِه لا له:
1/ المحتجزون لأسبابٍ سياسية
بين 20,000 و60,000.
مكتبةُ مجلس العموم البريطاني (2021)، ونطاقٌ مماثلٌ في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية. وقدّرت «هيومن رايتس ووتش» أنّ 60,000 على الأقلّ اعتُقلوا لأسبابٍ سياسيةٍ منذ 2013.
2/ وقائعُ الاختفاء القسري
15,089 / 20,344.
مركزُ الشهاب لحقوق الإنسان: 15,089 حالة (يوليو 2013 – 2022). ومنظمةُ Human Rights Egypt في تقرير «حصاد الظلم»: 20,344 حالة (يونيو 2013 – 2025).
3/ الوفياتُ داخلَ أماكن الاحتجاز
1,321.
لجنةُ العدالة (جنيف)، حصيلةٌ تراكميةٌ منذ يوليو 2013 حتى أغسطس 2025.
4/ الصحفيّون المحبوسون
الاتحادُ الدولي للصحفيين (يونيو 2025)، منهم 15 في حبسٍ احتياطيٍّ تجاوزَ عامَين، وبعضُهم منذ سبع سنوات. ومصرُ ضمنَ أسوأ سجّاني الصحفيين عالميًّا وفقَ لجنة حماية الصحفيين.
5/ أحكامُ الإعدام الصادرة سنويًّا
380 / 348 / 538.
الجبهةُ المصرية لحقوق الإنسان: 380 حكمًا في 2024، و348 في 2023، و538 في 2022، و737 في 2018.
6/ مَن واجهوا عقوبةَ الإعدام 2019–2024
3,379 على الأقل.
تقريرٌ بديلٌ مشتركٌ للمفوضية المصرية للحقوق والحريات ومنظمة ECPM والائتلاف العالمي، مُقدَّمٌ للّجنة الأفريقية (2025).
7/ المحكومُ عليهم بالإعدام في 2024
المصدرُ نفسُه — بينهم 49 امرأة، ونُفِّذَ 13 حكمًا شنقًا في العام ذاته.
8/ المباني المهدَّمة في شمال سيناء
12,350 على الأقل.
«هيومن رايتس ووتش» بتحليل صور الأقمار الصناعية، بين أواخر 2013 ويوليو 2020 — معظمُها منازل.
9/ الأراضي الزراعية المُتلَفة أو المُغلَقة
نحو 6,000 هكتار.
«هيومن رايتس ووتش» — الفترةُ نفسُها، وخلصت إلى أنّ الوقائعَ ترقى على الأرجح إلى جرائمِ حرب.
10/ قتلى يوليو–أغسطس 2013
1,150 على الأقل.
«هيومن رايتس ووتش» — ستُّ وقائعَ بين 5 يوليو و17 أغسطس 2013، تقرير «كلُّ شيءٍ وفقَ الخطة».
ملاحظةٌ منهجية: تتفاوتُ تقديراتُ المنظمات لاختلاف مناهج الرصد وفتراتِه، والسلطاتُ المصريةُ لا تنشرُ إحصاءاتٍ رسميةً مقابِلة — وهو في ذاته جزءٌ من موضوع المرافعة. وقد أُثبِتَ هنا أدنى الأرقام الموثَّقةِ لا أعلاها.
هذه الأركانُ الخمس مجتمعةً، نضيف إليها ما تشكل في الكبتاجون من منظومةً منسجمةً منطقيًّا: بنيةٌ تحتيةٌ للسجن، وبنيةٌ تشريعيةٌ لملئه، وبنيةٌ قضائيةٌ لإطالة المدّة بلا نهاية، وبنيةٌ عمرانيةٌ للانسحاب من كلِّ ذلك إلى مكانٍ آمنٍ من السؤال!! ولن يكون.
استدراك الحُكم — بين يدَي محكمة الشعب
سيّدي المواطن…
استنادًا إلى ما هو بين يدي عدالتكم من مرافعات يوليو وأغسطس، وبعد قراءةٍ متأنية للشواهد الموثَّقة، وتحليلٍ للبنية الخطابية والمؤسسية والاقتصادية، تخلص هذه المرافعات إلى ما يأتي:
أوّلًا: أنّ الخطابَ التأسيسيَّ في يوليو 2013 لم يكن دعوةً لحماية الدولة، بل إعلانَ ولادةٍ لجمهوريةٍ مختلفةٍ في جوهرها: يُحكَمُ فيها من خلفِ الأسوار، ويُبرَّرُ فيها الحكمُ بتفويضٍ مُتخيَّل، وتُدارُ بمنطقِ الطوارئ الدائم.
ثانيًا: أنّ ثلاثةَ عشرَ عامًا أنتجت نمطًا اقتصاديًّا واحدًا: الدَّينُ المتنامي والتمدُّدُ في البناء والاقتصادِ العسكري؛ وأخفقت في كلِّ مسارٍ من مسارات القوّة الاستراتيجية الحقيقية للقرن الحادي والعشرين.
ثالثًا: أنّ أخطرَ جرائم هذه المرحلة استراتيجيًّا لم يكن سياسيًّا بل بشريًّا: تفكيكُ قاعدةِ رأس المال البشريِّ بالاعتقال والتهجير والملاحقة — وهو عمليًّا تصديرُ مستقبلِ الأمّة إلى غيرها.
رابعًا: أنّ التوصيفَ الاستراتيجيَّ الدقيقَ لما آلَ إليه الحكمُ ليس «دولةً» بمعناها الحديث، بل قيادةً لمنظومةٍ سجنيّةٍ ممتدّةٍ بأركانها الأربعة: الماديةِ والتشريعيةِ والقضائيةِ والعمرانية.
خامسًا: أنّ غيابَ المحاسبة ثلاثةَ عشرَ عامًا عن وقائعَ موثَّقةٍ دوليًّا ليس ثغرةً في المنظومة، بل هو المنظومة.
استشراف… المطالب
ولذلك، تُودِعُ هذه المرافعاتُ بين يدَي محكمة الشعب المطالبَ الآتية:
إعادةُ الشرعية إلى مصدرها الوحيد المشروع: صندوقُ اقتراعٍ حرٍّ نزيه، ودستورٌ يُصاغُ بمشاركةِ الأمّة لا يُفرَضُ عليها.
إعادةُ المؤسسة العسكرية إلى وظيفتها الدستورية: حمايةُ الحدودِ الجويةِ والبريةِ والبحرية، لا حكمُ الشعب ولا إدارةُ اقتصاده.
الإفراجُ عن المحتجزين على ذمّة قضايا الرأي منذ 2013 حتى الساعة، ووقفُ سياسة «التدوير» والحبسِ الاحتياطيِّ الممتدِّ الذي أفرغَ القضاءَ من وظيفته.
تعديلُ نطاق العفو الرئاسي بحيث لا يُستثنى منه سجناءُ الرأي عبر بوّابة «جرائم أمن الدولة» — كما جرى في القرار 301 لسنة 2026.
الكشفُ الفوريُّ عن أسماءِ ومقارِّ ومصائرِ جميع المختفين قسريًّا، وإنشاءُ سجلٍّ وطنيٍّ علنيٍّ للضحايا والمفقودين والمحتجزين، بلجنةِ حقيقةٍ مستقلّة.
الوقفُ الفوريُّ لتنفيذ أحكام الإعدام، ومراجعةُ المحاكمات الجماعية المطعونِ في عدالتها، ونشرُ إحصاءٍ رسميٍّ شفّافٍ عن الأحكام والتنفيذ.
فتحُ تحقيقاتٍ مستقلّةٍ في وقائع يوليو وأغسطس 2013 — الحرسُ الجمهوري والمنصّةُ ورابعةُ والنهضةُ ورمسيسُ وأبو زعبل — وتمكينُ الأسر والمحامين من السجلات الطبية والقانونية.
تعويضُ المتضرِّرين والمهجَّرين، وإعادةُ إعمار شمال سيناء، وعودةُ سكّان المنازل المهدَّمة إلى أرضهم، واستعادةُ ما جُرِّفَ من الأراضي الزراعية.
إدارةٌ سياديّةٌ مصريّةٌ كاملةٌ لمعبر رفح، لا خاضعةٌ لموافقةٍ خارجيةٍ ولا لتصاريحَ أمنيةٍ تُمنَحُ وتُسحَب — بعد أن أُعيدَ فتحُه جزئيًّا في 2 فبراير 2026 ثمّ أُغلِقَ في مطلع مارس ثمّ أُعيدَ فتحُه في 19 مارس، بينما ينتظرُ نحو ثمانيةَ عشرَ ألفَ مريضٍ في غزّة علاجًا لا يتوفّرُ لهم داخلَها.
إعادةُ توجيه ميزانية الأمّة من العمران الأمنيِّ إلى العمران الإنسانيّ: العلمُ، والصحّةُ، والتعليمُ، والصناعةُ النوعية، والاقتصادُ المنتج.
جنابَ المحكمة… أكتفي بهذا القدر، ولن أتناول إشغالَ المواطن بإشعال الأسعار، وانهيارَ العملة والعمال، وتبديدَ الأصول، وتصديرَ العقار، وتهجيرَ المواطنين، والتفريطَ في المكانة، وتسليحًا متقادمًا، وتسريحًا للمستقبل القادم، وبيعَ الاستقرار، والغيابَ عن تحالفاتٍ واتفاقات، والتفريطَ في حقِّ الجار، وتكريمَ بلطجيِّ القرن، وسأُنهي مرافِعتي، بالتأكيد على أن شهداء رابعة والنهضة والمنصة والحرس والفتح ورمسيس شهود على مذبحة شعب.
في سطور… سيّدي المواطنُ الحُرّ
نحن لا نطلبُ مستحيلًا؛ نطلبُ رئيسًا يُنتَخَبُ لا يُفوَّضُ ولا ينقلب، وبرلمانًا يُشرِّعُ لا يُصفِّق؛ نطلبُ جامعةً تُبدِعُ لا تصمت، وجنيهًا يشتري رغيفًا، ومدرسةً تُنشئُ عقولًا، ومستشفًى يعالجُ مرضى، وشبابًا يتعلّمُ ليبنيَ وطنَه؛ نطلبُ اقتصادًا يُطعِمُ لا يُجوِّع، وحكومةً تخدُمُ لا تُخيف؛ نطلبُ إعلامًا يقولُ الحقيقة، وقضاءً يُنصِف، وعسكرًا يحمي الحدودَ لا يحكمُ البلاد؛ نطلبُ دولةً بلا سجّان، وعاصمةً يسكنُها الناس.
قيادةً استراتيجيّةً حقيقيّةً بمعاييرها العلميّة: بُعدُ النظر، وإدارةُ المخاطر، وبناءُ رأس المال البشريّ، والحوكمةُ الرشيدة، والعدالةُ في توزيع الموارد، والشرعيّةُ المستدامة. وسيأتي يومٌ يُرفَعُ فيه علَمُ مصرَ وعلَمُ فلسطينَ في يدٍ واحدة، لا في ملعبٍ فحسب، بل في ميدانٍ، وفي مدرسة، وفي مصنع، وفي جامعة، وفي قصرٍ رئاسيٍّ لا يُحصَّنُ من شعبه، بل يُفتَحُ له.
والحُكم… بأنّ الشرعيةَ للثورة ودستورها، وبأنّ السيادةَ للشعب لا لِمَن سلبَها منه، وبأنّ التاريخَ سيُنصِفُ من صبروا وقاوَموا وحمَلوا الأمانة، وأنّ يوليو سيبقى شاهدًا على انقلاب، وأغسطس شاهدًا على محاسبته — لا شاهدةً على قبر.
فالأيّامُ دُوَل… والقرارُ للشعوب… وكلُّ عامٍ وأنتم الثورة.







