اقتصادمقالات وآراء

مصطفى عبد السلام يكتب: مشروعات مصر والسعودية العملاقة… لماذا لا ترى النور؟

المتابع مصيرَ المشروعات العملاقة التي اتفقت الحكومتان المصرية والسعودية على تنفيذها في السنوات الأخيرة يلحظ أن العديد منها لم يرَ النور، وأن الحماس لها اقتصر على التصريحات الرسمية المتبادلة، ولا نعرف السبب وراء تعثر مثل هذه النوعية من المشروعات، والتي كان الرهان عليها كبيراً، خاصة مع أهميتها القصوى لاقتصاد ومواطني البلدين. هل الأسباب اقتصادية بحتة وتتعلق بدراسات الجدوى وآليات التنفيذ والتكلفة مقابل الإيرادات المتوقعة، أم أن الأسباب سياسية، وما هي؟

والمراقب يلحظ أنه خلال السنوات الماضية، اتفقت مصر والسعودية على تنفيذ عدد من المشروعات العملاقة، بعضها حمل عناوين براقة وفخمة مثل “مشروع القرن”، و”جسر القرن”، و”أكبر مشروع ربط كهربائي من نوعه في المنطقة”، و”أول مشروع ربط بري بين آسيا وأفريقيا”، و”أضخم مشروع سياحي على سواحل البحر الأحمر”، و”أول قمر اصطناعي سعودي مصري مشترك”.

في العام 1988، أعلنت الحكومتان المصرية والسعودية عن الاتفاق على تنفيذ مشروع الربط البري الاستراتيجي لإنشاء جسر يربط بين شمال غرب المملكة، منطقة تبوك، ومحافظة جنوب سيناء في مصر، ومرت السنوات، ربع قرن تقريباً، ولم يرَ المشروع النور.

لكن قبل أكثر من 13 سنة، وتحديداً في منتصف العام 2013، تجدد الحديث عن المشروع، حيث استيقظ الرأي العام في البلدين على خبر مهم يقول إنه تم البدء بالفعل في تنفيذ مشروع الجسر البري “جسر الملك سلمان”، بل تم الكشف ولأول مرة عن تفاصيله، فالجسر، الذي قيل إنه سيمول من الحكومة السعودية، تتراوح تكلفته بين 4 و5 مليارات دولار، نحو 18.7 مليار ريال تقريباً، ويستغرق تنفيذه ما بين 5 و8 سنوات، أي من المفترض أن يتم الانتهاء منه في 2021، كما يتوقع أن يصل طول الجسر بين 7 إلى 10 كيلومترات، ويتضمن سكة قطار شحن بجانب الممرات الخاصة بالسيارات والشاحنات.

وبالغت وسائل الإعلام في البلدين في الحديث عن المشروع، الذي اعتبرته لا يعد رابطاً بين المملكة ومصر وحسب، بل يربط كذلك قارتي آسيا بأفريقيا، ويمثل أهمية قصوى للبلدين وفائدة اقتصادية كبرى للبلدين، إذ من المتوقع أن يتجاوز حجم التجارة السنوي من الجسر 200 مليار دولار سنوياً، وأنه ينافس جسر الملك فهد الذي يربط بين السعودية والبحرين.

وفي إبريل/نيسان 2016، عاد الحديث مرة أخرى عن الطريق البري بين مصر والسعودية، إذ أعلن قادة البلدين عن الاتفاق على بناء الجسر الذي يربط البلدين عبر البحر الأحمر، وذلك خلال قمة مصرية سعودية بالقاهرة صاحبها الحديث عن ترسيم الحدود البحرية وتبعية جزيرتي تيران وصنافير، وعقد اتفاقية طاقة ضخمة تقوم المملكة بموجبها بتزويد مصر باحتياجاتها من مشتقات الوقود. كما تم الاتفاق وقتها على إنشاء صندوق سعودي مصري للاستثمار برأسمال 60 مليار ريال، وإنشاء منطقة اقتصادية حرة في شبه جزيرة سيناء.

ومرّ عقد كامل ولم يعد أحد يسمع شيئاً عن هذا الجسر، الذي قيل إنه أول محاولة جادة لربط بري بين آسيا وأفريقيا، وأنه ليس مجرد طريق فوق البحر، بل نقلة استراتيجية كبرى تهدف السعودية ومصر من خلالها إلى تغيير خريطة المنطقة اقتصادياً وسياحياً.

نموذج آخر للمشروعات العملاقة بين القاهرة والرياض، وهو مشروع الربط الكهربائي الذي تم تصنيفه على أنه الجسر الأكبر للطاقة في الشرق الأوسط، وأحد المشاريع الكبرى المشتركة، حيث تبلغ قدرته 3000 ميغاواط، ومن المقرر أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى قبل منتصف 2025، وبتكلفة نحو 1.8 مليار دولار، ويعد جسراً طاقياً استراتيجياً يربط بين أكبر منظومتين كهربائيتين في المنطقة.

وقبل أيام، أعلن مجلس الوزراء السعودي عن موافقته على مبادرة تصميم وبناء أول قمر اصطناعي سعودي مصري مشترك، وقيل إنه مشروع ضخم في مجال الفضاء والتكنولوجيا المتقدمة، وإن تنفيذه يعكس عمق التعاون الاستراتيجي بين مصر والسعودية.

وعقب استحواذ الإمارات على رأس الحكمة في مصر، تم الإعلان عن التوجه لإقامة أكبر مشروع سعودي مصري سياحي ضخم على البحر الأحمر، وقرب إبرام شراكة استثمارية ضخمة لتطوير منطقة “رأس جميلة” في مدينة شرم الشيخ، والتأكيد أن المشروع البالغة مساحته نحو 860 ألف متر مربع يهدف إلى بناء منتجعات وفنادق عالمية تخدم قطاع السياحة المتنامي في المنطقة، وباستثمارات تبلغ 1.5 مليار دولار.

لكن من الملاحظ أن العديد من تلك المشروعات الكبرى لم يرَ النور بعد، وبعضها دخل دائرة النسيان، أو تم تأجيل تنفيذها عدة مرات، فمشروع الجسر البري وحلم الربط بين قارتين لم يتحول بعد إلى حقيقة، وفي يونيو/حزيران الماضي، وللمرة الثانية، تم تأجيل مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية إلى نهاية 2026، على الرغم من حديث مصري عن أن مشروع الربط دخل مرحلته الحاسمة، مع استمرار العمل على تنفيذ المرحلة الثانية المقرر الانتهاء منها بنهاية شهر أغسطس/آب الجاري، ولا حديث عن مشروع “رأس جميلة”، ولا أحد يعرف مصير صندوق الاستثمار العملاق الذي تم الإعلان عن تأسيسه في عام 2016.

معلوم أن حجم الاستثمارات السعودية الخاصة في مصر ضخم، وقد تجاوز حاجز 34 مليار دولار وفق أرقام غير رسمية، مع وجود أكثر من 7.8 آلاف شركة سعودية تعمل في قطاعات حيوية، وأن المملكة من أكبر المستثمرين في السوق المصرية، وأن صافي الاستثمارات السعودية في مصر سجّل نحو 3.3 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث الماضية، لكن ماذا عن المشروعات الكبرى التي قيل إنها تتم بدعم من الشراكات الاستراتيجية بين البلدين؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى