العالم العربي

فيدان يختتم جولة ليبية موسعة لبحث المبادرة الأميركية وتوحيد مواقف القوى السياسية

اختتم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان زيارة إلى ليبيا استمرت يومين، أجرى خلالها سلسلة لقاءات مع أبرز مراكز القوى السياسية والعسكرية في طرابلس وبنغازي، في تحرك يستهدف استطلاع مواقف الأطراف الليبية من المبادرة الأميركية للحل، والبحث عن مساحة أوسع من التفاهمات تسمح بدفع العملية السياسية المتعثرة.

وشملت لقاءات فيدان رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، إلى جانب خليفة حفتر وعدد من أبنائه، في جولة عكست حرص أنقرة على التواصل مع مختلف أطراف الانقسام الليبي.

وأكد فيدان أن زيارته إلى طرابلس وبنغازي تمثل تطبيقاً عملياً لسياسة “ليبيا واحدة” التي تتبناها تركيا، مشدداً على أن أنقرة لا تميز في تعاملها بين غرب البلاد وشرقها وجنوبها، وأنها ستواصل دعم الحوار والتعاون بين مختلف الأطراف الليبية.

وتأتي الجولة التركية في وقت تواجه فيه المبادرة الأميركية صعوبات في توسيع نطاق التفاهمات التي بدأت بين ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية وقيادة حفتر، وسط تحفظات ومواقف متباينة من جانب قوى سياسية ليبية أخرى.

وتشير طبيعة لقاءات فيدان إلى سعي أنقرة لتكوين صورة متكاملة بشأن حدود القبول والرفض للمبادرة، ومعرفة النقاط التي يمكن للأطراف المتحفظة التعامل معها، والعقبات التي قد تحول دون الانتقال إلى ترتيبات سياسية جديدة.

مواقف متباينة من المبادرة الأميركية

وحافظت الأطراف التي التقاها فيدان على تباين مواقفها تجاه المسار الأميركي، إذ ركز الدبيبة خلال لقائه وزير الخارجية التركي على دعم الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الوطنية وتعزيز الاستقرار، دون إعلان موقف مباشر من المبادرة.

أما المنفي، فشدد على ضرورة أن تسهم الجهود المختلفة في توحيد مؤسسات الدولة، وأن تنطلق أي مبادرات أو تفاهمات من احترام المؤسسات والسيادة الوطنية و”الملكية الليبية” للعملية السياسية، وصولاً إلى انتخابات تنهي المراحل الانتقالية وتؤسس لاستقرار مستدام.

وتناول لقاء فيدان مع محمد تكالة آخر تطورات المشهد السياسي والجهود الرامية إلى دفع العملية السياسية نحو التوافق والاستقرار.

بدوره، أكد عقيلة صالح ضرورة إنهاء الأزمة الليبية عبر توحيد مؤسسات الدولة والتوجه إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية تحقق إرادة الليبيين، في موقف يعكس استمرار تحفظه على المبادرة الأميركية بصيغتها الحالية.

وفي المقابل، أبدى معسكر حفتر انفتاحاً أكبر على المسار الأميركي، بعدما سبق أن انخرط في المباحثات المرتبطة به. وخلال لقاء فيدان وحفتر، جرى التأكيد على دعم الجهود الهادفة إلى توحيد المؤسسات الليبية وتحقيق الاستقرار.

أنقرة تسعى إلى توسيع دائرة التفاهم

وتقوم الرؤية التركية، وفق المعطيات المرتبطة بالزيارة، على توسيع دائرة النقاش بشأن المبادرة الأميركية قبل انتقالها إلى مرحلة أكثر تحديداً، وليس فرضها بصيغتها الحالية على مختلف الأطراف الليبية.

وتسعى أنقرة إلى الاستفادة من علاقاتها الوثيقة مع طرابلس، بالتوازي مع الانفتاح المتزايد خلال الفترة الأخيرة على بنغازي، بما يسمح لها بالتواصل مع طرفي الانقسام ومحاولة تقريب المواقف بشأن مستقبل العملية السياسية.

وتتمثل إحدى القضايا المطروحة في إمكانية تعديل أو توسيع المبادرة الأميركية بطريقة تسمح بانضمام أطراف سياسية إضافية إليها، بدلاً من بقائها محصورة في تفاهمات بين ممثلين عن الدبيبة وحفتر.

ويأتي ذلك وسط متابعة للموقف المصري من التحركات الأميركية، إذ تتحفظ القاهرة على بعض الترتيبات التي قد تترتب على المبادرة وما يمكن أن تفرزه من انعكاسات سياسية وإقليمية، دون إعلان رفض كامل للمسار.

تقارب تركي مصري في الملف الليبي

وأدت التحركات الأخيرة إلى تغير نسبي في خريطة الاتصالات الإقليمية المتعلقة بليبيا، إذ وسعت القاهرة انفتاحها على طرابلس بعد سنوات من الفتور، بينما عززت أنقرة اتصالاتها مع بنغازي.

وأصبح البلدان، نتيجة لذلك، أكثر قدرة على التواصل مع طرفي الانقسام الليبي في وقت واحد، وهو ما يرفع أهمية التنسيق التركي المصري خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع استمرار تعثر المسارات السياسية الداخلية.

وتحاول تركيا من خلال تحركاتها الأخيرة تثبيت موقعها باعتبارها طرفاً إقليمياً قادراً على مخاطبة مختلف القوى الليبية، بعد سنوات ارتبط خلالها حضورها بصورة أكبر بمعسكر غرب ليبيا.

المبادرة الأميركية تواجه اختباراً صعباً

وتأتي زيارة فيدان في ظل تراجع الزخم المحيط بالمبادرة الأميركية، خاصة بعد تعثر اجتماع مالطا مطلع يوليو الماضي، الذي أشرف عليه مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وجمع ممثلين عن طرابلس وبنغازي.

وكان الاجتماع يستهدف بدء مشاورات لبناء سلطة تنفيذية مشتركة بين سلطتي طرابلس وبنغازي، بعد سلسلة لقاءات سابقة بين الجانبين، إلا أنه لم ينجح في تحقيق الاختراق السياسي المنتظر.

وبرز المسار الأميركي خلال الفترة الماضية باعتباره محاولة للتعامل بصورة مباشرة مع القوى الفاعلة على الأرض، في ظل حالة الانسداد السياسي وتعثر الجهود الدولية والأممية السابقة لإنهاء الانقسام.

وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة إعلان دعمها لخريطة الطريق التي ترعاها البعثة الأممية، والهادفة في نهاية المطاف إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

ورغم عدم إعلان موقف أممي مباشر من المبادرة الأميركية، فإن تشكيل طاولة “4+4″، التي تضم ممثلين عن الدبيبة وحفتر إلى جانب ممثلين عن مجلسي النواب والدولة، أثار تقديرات بوجود مساحة من التقاطع بين المسارين الأميركي والأممي.

وجاء تشكيل الطاولة بعد تعثر مجلسي النواب والدولة في إنجاز المرحلة الأولى من خريطة الطريق، المتعلقة بتهيئة المفوضية العليا للانتخابات وإجراء تعديلات على القوانين الانتخابية.

وفي أحدث تطورات هذا المسار، تأجل اجتماع لأعضاء لجنة “4+4” كان مقرراً عقده الخميس في مقر البعثة الأممية بتونس، بهدف التوصل إلى توافق بشأن القضايا المطروحة ضمن خريطة الطريق، دون تحديد موعد جديد للاجتماع.

وتضع هذه التطورات جولة فيدان في قلب الحراك الإقليمي والدولي المتصاعد حول ليبيا، وسط محاولات لإيجاد صيغة سياسية تتجاوز الانقسام بين طرابلس وبنغازي، وتوسع دائرة المشاركين في أي تفاهمات جديدة بما يمهد لإعادة توحيد مؤسسات الدولة والوصول إلى الانتخابات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى