25 عامًا على تأسيس «العدالة والتنمية»: قصة الحزب الذي أعاد صياغة الدولة التركية

في مثل هذا اليوم قبل 25 عامًا، وتحديدًا في 14 أغسطس 2001، دخل حزب جديد إلى الحياة السياسية التركية، وسط مشهد سياسي واقتصادي شديد الاضطراب، قبل أن يتحول خلال سنوات قليلة إلى القوة الأكثر تأثيرًا في البلاد، ويظل في صدارة الحكم والسياسة التركية لأكثر من عقدين.
حزب العدالة والتنمية، الذي أسسه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعدد من رفاقه، يحتفل اليوم بمرور ربع قرن على تأسيسه، في محطة تستعيد واحدة من أكثر التجارب السياسية تأثيرًا في تاريخ الجمهورية التركية الحديث.
من التأسيس إلى الحكم
تأسس الحزب في 14 أغسطس 2001، ليصبح الحزب التاسع والثلاثين في الحياة السياسية التركية، منطلقًا من تيار «المحافظين الديمقراطيين» بقيادة أردوغان، الذي كان قد اكتسب شعبية واسعة خلال تجربته رئيسًا لبلدية إسطنبول الكبرى.
ولم يحتج الحزب الجديد إلى وقت طويل للوصول إلى السلطة، إذ جاءت نقطة التحول الكبرى في الانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر 2002، بعد نحو 15 شهرًا فقط من تأسيسه، ليحقق فوزًا واسعًا فتح أمامه أبواب الحكم.
ومنذ ذلك التاريخ، تحول العدالة والتنمية إلى لاعب رئيسي في المشهد التركي، وتمكن من تحقيق سلسلة من الانتصارات الانتخابية التي منحته قدرة استثنائية على الاستمرار في السلطة مقارنة بمعظم الأحزاب التي عرفتها تركيا خلال العقود السابقة.
سنوات غيرت الاقتصاد التركي
تزامنت السنوات الأولى لحكم الحزب مع تحولات اقتصادية كبيرة شهدتها تركيا، بعد أزمة اقتصادية ومالية قاسية سبقت وصوله إلى السلطة.
وخلال سنوات حكمه الأولى، توسعت مشروعات البنية التحتية والاستثمارات والطرق والمطارات والمستشفيات، كما شهد الاقتصاد التركي فترات من النمو المتسارع، وتحولت قطاعات الصناعة والتجارة والتصدير إلى أحد أعمدة المشروع الاقتصادي للحزب.
وساهم الأداء الاقتصادي خلال تلك المرحلة في تعزيز القاعدة الشعبية للعدالة والتنمية، وأصبح الاقتصاد أحد أهم العوامل التي ساعدته على تحقيق انتصارات انتخابية متتالية.
لكن الصورة الاقتصادية تغيرت خلال السنوات اللاحقة، مع تعرض تركيا لموجات من التضخم وتراجع قيمة الليرة وارتفاع تكاليف المعيشة، ليصبح الملف الاقتصادي نفسه أحد أبرز التحديات التي تواجه الحزب في مرحلته الحالية.
مواجهة مع مراكز القوة القديمة
لم تكن رحلة العدالة والتنمية خلال ربع القرن الماضي اقتصادية وانتخابية فقط، بل شهدت صراعات عميقة مع مؤسسات ومراكز قوة داخل الدولة التركية.
وخلال السنوات الأولى من حكمه، دخل الحزب في مواجهات سياسية وقانونية مع المؤسسة العلمانية التقليدية، ووصل الصراع إلى واحدة من أخطر محطاته عام 2008، عندما واجه الحزب دعوى أمام المحكمة الدستورية لإغلاقه ومنعه من ممارسة النشاط السياسي.
ونجا الحزب من الإغلاق، واستمرت المواجهة السياسية التي أسهمت تدريجيًا في إعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وفي تغيير موازين القوة داخل الدولة التركية.
ليلة 15 يوليو
وجاءت واحدة من أخطر المحطات في تاريخ حكم العدالة والتنمية ليلة 15 يوليو 2016، عندما شهدت تركيا محاولة انقلاب عسكري.
وخرج أردوغان في تلك الليلة داعيًا المواطنين إلى النزول إلى الشوارع والميادين، وانتهت المحاولة بالفشل خلال ساعات، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة شهدت تغييرات واسعة داخل مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية والقضاء.
وأصبحت محاولة انقلاب يوليو نقطة فاصلة في المسيرة السياسية لأردوغان وحزب العدالة والتنمية، ومقدمة لتحولات سياسية ودستورية كبيرة شهدتها البلاد لاحقًا.
من النظام البرلماني إلى الرئاسي
وفي أبريل 2017، وافق الناخبون الأتراك بفارق محدود على تعديلات دستورية غيرت شكل النظام السياسي، وانتقلت تركيا بموجبها من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.
ودخل النظام الجديد حيز التنفيذ بصورة كاملة عقب انتخابات 2018، ليصبح رئيس الجمهورية هو رأس السلطة التنفيذية، وتُلغى رئاسة الوزراء.
مثّل هذا التحول أحد أكبر التغييرات السياسية في تاريخ الجمهورية التركية الحديث، ويراه أنصار الحزب خطوة ساهمت في تعزيز سرعة اتخاذ القرار والاستقرار السياسي، بينما يرى منتقدوه أنه أدى إلى تركيز صلاحيات واسعة في مؤسسة الرئاسة.
سياسة خارجية أكثر حضورًا
وعلى المستوى الخارجي، شهدت تركيا خلال سنوات العدالة والتنمية تغيرًا كبيرًا في حجم حضورها الإقليمي والدولي.
وتوسعت أنقرة في علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، وعززت حضورها في ملفات سوريا والعراق وليبيا والقوقاز وشرق المتوسط، إلى جانب استمرار عضويتها في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها المعقدة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في رسالة بمناسبة الذكرى الـ25 لتأسيس الحزب، إن تركيا أصبحت دولة تحدد اتجاهها بنفسها وتتحمل المسؤولية من أجل السلام والاستقرار والتعاون، معتبرًا أن السنوات الـ25 الماضية تمثل تمهيدًا لما تسميه القيادة التركية «قرن تركيا».
تحديات ما بعد ربع القرن
ورغم استمراره الطويل في صدارة المشهد، يدخل العدالة والتنمية ربع القرن الثاني من عمره وسط تحديات مختلفة عن تلك التي واجهها عند تأسيسه.
فالاقتصاد وتكاليف المعيشة والتضخم تظل ملفات حاضرة بقوة في الداخل، بالتوازي مع منافسة سياسية متزايدة مع أحزاب المعارضة، خصوصًا بعد نتائج الانتخابات المحلية في السنوات الأخيرة.
وفي الوقت نفسه، يسعى الحزب إلى تقديم مشروع سياسي جديد للمرحلة المقبلة، يتضمن تعزيز الاقتصاد والإنتاج والتكنولوجيا ومواصلة تطوير الصناعات الدفاعية، إلى جانب مشروع «تركيا بلا إرهاب».
وقال أردوغان في رسالة بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب إن رؤيته للمرحلة المقبلة تقوم على الوصول إلى تركيا ذات ديمقراطية أقوى واقتصاد أكثر إنتاجًا وتكنولوجيا رائدة وسياسة خارجية أكثر تأثيرًا.
كما أكد، خلال كلمة بالمناسبة، أن بلاده تسعى إلى ترك تركيا والمنطقة خاليتين من الإرهاب للأجيال المقبلة، في إشارة إلى المسار السياسي والأمني الذي بات يمثل أحد الملفات الرئيسية على الأجندة التركية.
25 عامًا.. وماذا بعد؟
بعد ربع قرن من تأسيسه، يصعب النظر إلى حزب العدالة والتنمية باعتباره مجرد حزب حكم تركيا لفترة طويلة، إذ تزامنت تجربته مع تحولات مست بنية النظام السياسي وموازين القوى داخل الدولة وشكل الاقتصاد واتجاهات السياسة الخارجية.
بدأ الحزب رحلته عام 2001 في بلد يعاني آثار أزمات اقتصادية وسياسية متلاحقة، ووصل إلى الحكم بعد عام واحد، ثم بقي في مركز السلطة لأكثر من عقدين، عابرًا انتخابات وأزمات اقتصادية وصراعات سياسية ومحاولة إغلاق وانقلابًا عسكريًا وتغييرًا كاملًا لنظام الحكم.
وبينما يحتفل الحزب اليوم بمرور 25 عامًا على تأسيسه، تبدو القضية الأكثر أهمية متعلقة بما هو قادم، وقدرة العدالة والتنمية على تجديد مشروعه السياسي والحفاظ على قاعدته الانتخابية والتعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة.
فربع القرن الأول ارتبط إلى حد بعيد بقصة صعود أردوغان والعدالة والتنمية وإعادة تشكيل المشهد التركي، أما ربع القرن المقبل، فسيكون الاختبار الحقيقي لقدرة الحزب على الانتقال من مرحلة صناعة التحول إلى مرحلة الحفاظ عليه وتجديده.







