أزمة كليات الطب بلا مستشفيات تهدد مستقبل الخدمة الصحية بـ 10 ملايين مريض

كشفت نقابة الأطباء عن تحذيرات شديدة اللهجة تتعلق بمستقبل المنظومة الصحية في ظل استمرار عمل بعض كليات الطب في الجامعات الخاصة والأهلية دون امتلاك مستشفيات جامعية تشغيلية خاصة بها. وتأتي هذه التحذيرات لتسلط الضوء على تداعيات خطيرة تهدد جودة التعليم الطبي وتؤدي بالضرورة إلى تخريج أطباء يفتقرون للتدريب السريري اللازم للتعامل مع المرضى. وتعد هذه الأزمة انعكاسًا لمخاوف نقابة الأطباء من التوسع السريع في الكليات الطبية دون استيفاء البنية التحتية المطلوبة لتدريب الكوادر.
أكد الدكتور أحمد الشربيني، عضو مجلس نقابة الأطباء، أن المستشفى الجامعي يمثل الركيزة الأساسية والعمود الفقري لتأهيل الطبيب عمليًا، موضحًا أن الاكتفاء بالدراسة النظرية لا يمكن أن يخلق طبيبًا قادرًا على ممارسة مهنته بكفاءة. وتشدد النقابة على أن التعليم الطبي يقوم في جوهره على الممارسة الإكلينيكية داخل المستشفيات، وهي الساحة الوحيدة التي يكتسب فيها الطالب الخبرة العملية، ويتفاعل فيها مع الحالات المرضية تحت إشراف مباشر من الأساتذة الاستشاريين المتخصصين في مختلف المجالات الطبية.
معايير التعليم الطبي والتدريب السريري المفقود
يؤكد الشربيني أن غياب المستشفى الجامعي يعني أن الكلية لا يمكنها أداء دورها التعليمي الحقيقي أو المهني. ويضيف أن بناء الشخصية المهنية للطالب يتطلب تراكمًا في الخبرات الميدانية قبل مرحلة التخرج، وهو ما تفتقده الكليات التي تكتفي بالمنهج النظري فقط. ويحذر من أن السماح بتخريج دفعات من هذه المؤسسات سيؤدي إلى ظهور “منتج غير مكتمل”، مما ينعكس بشكل سلبي ومباشر على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، وهو ما ترفضه نقابة الأطباء تمامًا في إطار مسؤوليتها عن سلامة المرضى.
يوضح عضو مجلس النقابة أن الجمعية العمومية لنقابة الأطباء اتخذت قرارًا حاسمًا ومُلزمًا يقضي بعدم قيد خريجي أي كلية طب لا تتوفر لديها مستشفى جامعي تشغيلي تابع لها. ويهدف هذا القرار إلى وضع سياج حماية حول مهنة الطب وضمان معايير ممارسة آمنة. وتؤكد النقابة أن موقفها هذا لا ينبع من معارضة سياسات التوسع في التعليم العالي أو زيادة أعداد الأطباء، بل من حرصها على جودة المخرجات التي ستقوم بدورها في إنقاذ حياة المرضى في مختلف المحافظات.
تداعيات التوسع العمراني والتعليمي على جودة التأهيل
تتزايد التساؤلات حول إمكانية استيعاب سوق العمل لهؤلاء الخريجين في ظل استمرار إنشاء كليات جديدة دون توفير مستشفيات جامعية تتناسب مع أعداد الطلاب المقبولين. وتشدد نقابة الأطباء على أنها ستواجه أي إشكاليات قانونية أو إدارية قد تظهر مستقبلًا نتيجة لقرارات إنشاء كليات دون استيفاء الشروط. وتظل الجمعية العمومية للنقابة هي الجهة صاحبة الصلاحية العليا في اتخاذ ما تراه مناسبًا للحفاظ على هيبة المهنة، وتضمن بقاء الأطباء الخريجين مؤهلين بشكل حقيقي للتعامل مع الحالات المرضية الطارئة والمعقدة.
يأتي هذا التوسع الملحوظ في السنوات الأخيرة ضمن خطط طموحة تهدف إلى رفع الطاقة الاستيعابية للجامعات الأهلية والخاصة، وتوفير أعداد أكبر من الكوادر البشرية لسد العجز في القطاع الصحي. ومع ذلك، ترى نقابة الأطباء أن الكم يجب أن يقترن بالكيف، وأن تدريب الطالب هو خط أحمر لا يمكن التهاون فيه. وتستمر النقابة في متابعة هذا الملف بدقة، مؤكدة أن أي طالب يتخرج دون تدريب سريري حقيقي يمثل خطرًا على المنظومة الصحية، مما يستدعي تدخلًا عاجلًا لربط كليات الطب بالمستشفيات التخصصية قبل السماح باستمرار العملية التعليمية.







