ذاكرة التاريخمصرملفات وتقارير

ذاكرة التاريخ: 21 عاما صنعت أسطورة مصطفي شردي وفضحت العدوان

تدور عجلة الأيام لتعود بنا إلى محطات فارقة صنع فيها رجال الكلمة تاريخًا ناصع البياض يقتدى به في كل حين. برز اسم الراحل مصطفى النحاس محمد شردي بوصفه قامة صحفية كبرى ومقاتلًا شرسًا في ميدان الصحافة والسياسة، حيث ولد في مدينة بورسعيد في الخامس من أكتوبر من عام 1935، ونشأ في بيئة وطنية خالصة تشربت مبادئ الوفد والحرية والدستور من والده الذي عمل محررًا ومراسلًا صحفيًا، وهو ما دفع الأب إلى إطلاق اسم الزعيم التاريخي على ولده النابض بحب الوطن منذ الطفولة البكرة.

ذاكرة التاريخ الصحفي وبصمة مصطفى شردي الخالدة في بلاط صاحبة الجلالة

استهل المبدع الراحل رحلته الصحفية مبكرًا وهو في سن الخامسة عشرة من عمره عبر إصدار مجلة حائط مدرسية مع زملائه، والانتقال بعدها لكتابة وتغطية معارك الفدائيين في منطقة قناة السويس لصالح جريدة المصري، ثم دار أخبار اليوم. حقق هذا الصحفي الفذ أول نصر مهني له في عام 1956 حين رفض مغادرة مدينة بورسعيد أثناء العدوان الثلاثي الذي شنته المملكة المتحدة وفرنسا وإسرائيل، ليوثق بعدسته وعدوانية الجحافل المعتدية وينقل صور الدمار والجرائم إلى كبريات الصحف العالمية، ليثبت شجاعة نادرة وهو في الحادية والعشرين من عمره وسط جحيم المعارك والدمار الشامل.

توسعت مدارك هذا الكاتب الوطني الفذ لتشمل تغطية الحرب الأهلية في لبنان خلال عام 1958، والمساهمة في تأسيس وإطلاق صحيفة العروبة القطرية بمدينة الدوحة في عام 1970 ضمن كوكبة من المهاجرين الصحفيين العرب. انتقل بعد ذلك إلى إمارة أبوظبي ليشارك في تأسيس أول جريدة يومية في دولة الإمارات العربية المتحدة وهي جريدة الاتحاد، رفقة نخبة من عمالقة الصحافة العربية مثل جمال بدوي وجلال سرحان، قبل أن يعود إلى أرض الوطن أوائل سبعينيات القرن العشرين ليتولى مواقع قيادية متقدمة أبرزها نائب رئيس تحرير مجلة آخر ساعة حتى عام 1984.

شهد مسار العمل الصحفي تحولًا جبارًا عندما عاد حزب الوفد الجديد إلى الحياة السياسية، حيث رشحه الكاتب الكبير مصطفى أمين ليتولى منصب رئيس التحرير الأول لجريدة الوفد بعد أن أدهش رئيس الحزب فؤاد سراج الدين بثقافته الواسعة وعبقريته في فن التحرير والطباعة. حول رئيس التحرير الشجاع الجريدة من إصدار أسبوعي إلى صحيفة يومية في مارس من عام 1987، لتنافس أقدم الصحف التاريخية مثل الأهرام والأخبار، وبعث بالمحررين إلى شتى المحافظات من أسوان إلى الإسكندرية للدفاع عن الكادحين ومجابهة الظلم رغم التهديدات والمخاطر.

توج هذا النضال المهني بدخوله الحياة النيابية عضوًا في البرلمان عن دائرة المناخ بمحافظة بورسعيد، ليواصل معركة محاربة الفساد والدفاع عن حقوق المواطنين حتى وافته المنية في يوم الجمعة الموافق ثلاثين من يونيو لعام 1989، تاركًا إرثًا مهنيًا ضخمًا وعائلة وطنية استمرت في العطاء عبر ابنه محمد مصطفى شردي، وشيعت جنازته في مهيب لم يسبق له مثيل بمدينته الباسلة تقديراً لمسيرته العطرة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى