«زي النهارده».. 15 اغسطس ذكرى ميلاد العبقري الموسيقي محمد فوزي الصانع للألحان الخالدة

تحتضن صفحات الفن العربي طيات حافلة بالعبقرية والعطاء الإبداعي الذي ترك بصمة لا تُمحى في وجدان الملايين عبر الأجيال المختلفة. ولد المبدع الكبير في الخامس عشر من شهر أغسطس من عام 1918 في محافظة الغربية، ليحمل بين ضلوعه موطفة فنية استثنائية جعلت صوته يتردد في كافة أنحاء الشرق والغرب محققاً جماهيرية طاغية بين الكبار والصغار على حد سواء. تشرب الفن مبكراً واجتاز مراحل تكوينه الموسيقي والغنائي ببراعة فائقة خلال طفولته وشبابه، قبل أن ينتقل إلى محطة فارقة بالانضمام إلى فرقة بديعة مصابني، حيث نسج علاقات وثيقة مع عمالقة الطرب والنغم مثل فريد الأطرش ومحمود الشريف ومحمد عبد المطلب.
استطاع الفنان الاستثنائي تقديم مسيرة سينمائية حافلة شارك خلالها في تمثيل 63 فيلماً سينمائياً تنوعت بين الاستعراض والكوميديا، واختتم مشواره فوق الشاشة العريضة بفيلم ليالي القاهرة في عام 1939. تزوج في حياته 3 مرات وأنجب 5 أبناء، وتوفي في العشرين من شهر أكتوبر من عام 1966 عن عمر يناهز 48 عاماً، متأثراً بإصابته بمرض نادر وقاسٍ عُرف في ذلك الوقت باسم سرطان العظام وأُطلق عليه محلياً مرض فوزي. تحولت رحلته الحياتية إلى عظة وعبرة لكل مكافح، إذ صعدت شهرته عنان السماء وراكم ثروة طائلة قبل أن ينتهي به المطاف وحيداً في العاصمة الألمانية برلين، إثر قرار السياسة الرسمية بتأميم ممتلكاته عقب أحداث الثورة في عام 1961.
تأسيس الشركات الفنية ومحاربة الاحتكار
أنشأ الملحن العبقري شركة إنتاج خاصة إلى جانب تأسيس شركة اسطوانات موسيقية متطورة لتصبح الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط وتحديداً في عام 1958 تحت اسم مصر فون. رفض الاحتكار الأجنبي المطلق لصناعة الأسطوانات وقرر تقديم منتج وطني عالي الجودة يفوق النظير الأجنبي من خلال أسطوانات ذات وجهين متميزين. برز كأعظم من قدم أعمالاً غنائية للأطفال على مر العصور، وظلت ألحانه الخالدة محفورة في ذاكرة الآباء والأمهات ومرددة على ألسنة البنين والبنات. تعرض لهجوم سياسي حاد عندما اتهمته إسرائيل بمعاداة السامية نتيجة إنتاجه السينمائي الساخر فيلم فاطمة وماريكا وراشيل الذي تناول صوراً كاريكاتورية لليهود بالتزامن مع أحداث ثورة يوليو عام 1952.
رحيل صامت ومأساة إنسانية قاسية
تربع على عرش الغناء والتلحين وقدم أعماله لكبار المطربين والمطرات، لكن روحه الثائرة رفضت تماماً استغلال المنتجين وأصحاب النفوذ. شارك بفاعلية في احتفالات الثورة الوطنية، لكنه نأى بنفسه عن مسار التمجيد الشخصي المباشر الذي سلكه أسماء بارزة مثل عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم. شهد العيد السنوي للثورة في عام 1963 فرصة سانحة لتغيير مساره المالي وفق نصائح المقربين عبر مدح القيادة الحاكمة، لكنه صعد إلى خشبة المسرح وأنشد بلدي أحببتك يا بلدي حباً في الله وللأبد دون أن يطلق أي إشارة أو ثناء للقائد الملهم.
تسببت قرارات التأميم وضياع ثروته في انهيار نفسي وجسدي هائل، حيث هبط وزنه من 77 كجم إلى 40 كجم وتهاوت مدخراته في غضون شهور معدودة. عانى الأمرين حتى صدر قرار علاجه على نفقة الدولة في برلين لترسخ مقولة قاسية مفادها أن الفنان إما أن يعيش في كنف السلطة مثل عبد الحليم وأم كلثوم أو يلقى مصيره التراجيدي مثل صاحب الألحان الخالدة. رحل إلى بارئِهِ في العشرين من شهر أكتوبر من عام 1966 تاركاً خلفه إرثاً فنياً عظيماً يواصل إمتاع المستمعين حتى يومنا هذا رغم كل مآسي الفقر والمرض.







