رابعة بعد ثلاثة عشر عامًا ..الذاكرة التي لم تُغلق بعد”..ثمن اللاعدالة واستحقاقات الحقيقة والعدالة والتعاقد الوطني ضمن معركة توثيق ثورة يناير واسترداد الذاكرة الوطنية المصرية – دراسة تحليلية –

مضمون الورقة
تحلّ الذكرى الثالثة عشرة لفضّ اعتصامَي رابعة العدوية والنهضة، فيما لا تزال آثار الرابع عشر من أغسطس 2013 حاضرة في المجال السياسي والحقوقي والوجداني المصري. فالملف الذي أُغلق عمليًا داخل مؤسسات الدولة والقضاء لم يُغلق داخل المجتمع، وما زال يمثل واحدًا من أعمق جروح ما بعد ثورة يناير، وأكثرها تأثيرًا في علاقة الدولة بمواطنيها، وفي علاقة المصريين بعضهم ببعض، وفي صورة السياسة نفسها لدى جيل كامل كان طفلًا يوم الواقعة أو وُلد في أعقابها.
ولا تنطلق هذه الورقة من الرغبة في استعادة الماضي لذاته، ولا من إعادة إنتاج اصطفافات 2013، وإنما من سؤال يتعلق بمستقبل مصر أكثر مما يتعلق بماضيها: ماذا تفعل المجتمعات بوقائع الدم الكبرى عندما لا تُعالَج بالحقيقة والعدالة والمراجعة؟ وهل يكفي مرور الزمن لإغلاقها، أم أن الزمن يحولها إلى جرح كامن ينتقل من جيل إلى آخر ويعاود الظهور كلما تعرض النظام السياسي لهزة جديدة؟
وتقوم الورقة على ست خلاصات مترابطة. أولها أن ما جرى في رابعة وما سبقه ولحقه من وقائع قتل واسعة لا يمكن اختزاله في «عملية أمنية خرجت عن السيطرة»، وقد ذهبت منظمات حقوقية دولية إلى اعتبار الوقائع قابلة للوصف باعتبارها جرائم ضد الإنسانية استنادًا إلى حجم القوة المستخدمة، وعدد الضحايا، وقرائن التخطيط المسبق، وتسلسل الأحداث. وثانيها أن الكلفة تجاوزت من سقطوا وأسرهم لتصيب الدولة والمجتمع معًا، بعدما انكسر حاجز أخلاقي وسياسي مهم أمام استخدام القوة في الصراع الداخلي، واتسع الانقسام من السلطة والمعارضة إلى المجتمع نفسه.
والثالثة أن الإفلات من المساءلة لم يعد مجرد نتيجة لموازين قوة مؤقتة، وإنما ترسخ داخل بنية سياسية وقانونية وقضائية أوسع، بما يجعل السابقة قابلة للاستدعاء مستقبلًا ضد أطراف أخرى. والرابعة أن المسؤولية السياسية عن البيئة التي قادت إلى الكارثة لا تقع على الدولة وحدها؛ فقد أسهمت قوى سياسية وإعلامية في التسويغ، كما ارتكبت القوى الإسلامية أخطاء في إدارة الصراع والحلفاء والاعتصام تحتاج إلى مراجعة جادة، مع الفصل الصارم بين المسؤولية السياسية عن التقدير والمسؤولية الجنائية عن القتل.
والخامسة أن ثلاثة عشر عامًا أنتجت جيلًا جديدًا ورث رابعة دون أن يعيشها، وهو مهدد بين الانسحاب من السياسة باعتبارها بابًا للخسارة وبين الاستنتاج المعاكس بأن السلمية طريق مغلق. أما السادسة فهي أن الخروج من هذا الجرح لا يكون بالنسيان القسري ولا بالثأر، وإنما بمسار طويل يبدأ اليوم بحفظ الحقيقة والأدلة، ويُستكمل عندما تتوافر بيئة مستقلة تسمح بالتحقيق والمساءلة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار.
الواقعة ووصفها في ميزان القانون
في فجر الرابع عشر من أغسطس 2013 تحركت قوات الأمن لفض اعتصامَي رابعة العدوية بمدينة نصر والنهضة بالجيزة. ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها «كل شيء وفق الخطة» سقوط ما لا يقل عن 817 قتيلًا في رابعة وحدها خلال ساعات، مع ترجيحها أن العدد ربما تجاوز الألف، بينما جاءت الأرقام الرسمية المصرية أقل من ذلك، وأورد المجلس القومي لحقوق الإنسان رقمًا يقارب 632 قتيلًا.
وليس الخلاف على العدد هو جوهر المسألة؛ فأدنى الأرقام المتداولة يكشف حجم الواقعة ويجعل البحث في طبيعة القرار، والقوة المستخدمة، ومسارات الخروج، وعمليات الإنذار والإسعاف، ثم ما جرى بعد ذلك من تحقيق ومساءلة، سؤالًا لا يجوز تجاوزه.
كما أن التوصيف القانوني لا يقوم على العدد وحده، وإنما على السياق والنمط. فلم تأتِ رابعة معزولة، بل سبقتها أحداث الحرس الجمهوري في الثامن من يوليو وأحداث المنصة في السابع والعشرين منه، وتلاها فض النهضة وأحداث رمسيس وواقعة سيارة ترحيلات أبو زعبل. ومن هنا يبرز السؤال: هل كانت هذه وقائع منفصلة وقع في كل منها إفراط مستقل في استخدام القوة، أم أنها تشير إلى نمط أوسع في إدارة الصراع السياسي في الأسابيع التي أعقبت الثالث من يوليو؟
وقد استندت منظمات حقوقية إلى قرائن من بينها الإعلان المسبق عن قرار الفض، والاستعداد الأمني الواسع، والتقديرات السابقة لاحتمال سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وطبيعة الأسلحة المستخدمة، ومدى كفاية الممرات الآمنة، لتذهب إلى أن الأمر تجاوز مجرد «أخطاء تنفيذ». ومن هنا ظهر توصيف رابعة في تقارير حقوقية باعتبارها واقعة قد ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية، وهو توصيف قانوني بالغ الخطورة لا يتصل بفداحة النتيجة وحدها، وإنما بطبيعة الهجوم ومداه وانتظامه ومعرفة مرتكبيه بطبيعته.
ومرور ثلاثة عشر عامًا لا يحسم هذا السؤال ولا يحوله إلى شأن تاريخي منتهي. بل إن الزمن يجعل الحاجة إلى الحقيقة أكثر إلحاحًا؛ لأن الشهود يرحلون، والوثائق يمكن أن تتلف أو تضيع، والذاكرة نفسها تتراجع. ولهذا فإن المعركة الحالية ليست فقط على تفسير الماضي، وإنما على بقاء الأدلة التي تسمح يومًا بتحقيق مستقل فيه.
رابعة في تاريخ العنف السياسي المصري ـ اختلاف في الدرجة أم في النوع؟
عرفت مصر قبل 2013 موجات واسعة من القمع السياسي، من الخمسينيات والستينيات إلى اعتقالات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وصولًا إلى المواجهات التي صاحبت ثورة يناير. لكن رابعة تمثل لحظة مختلفة في بنية الذاكرة السياسية المصرية.
فكثير من الانتهاكات السابقة وقع خلف أسوار السجون ومقار الأجهزة، ولم تتكشف تفاصيله إلا لاحقًا من خلال شهادات الناجين والمذكرات والوثائق. أما رابعة وملحقاتها فقد وقعت في وضح النهار، وسط العاصمة، وأمام آلاف الشهود والكاميرات والبث المباشر. ولهذا لم تصبح المشكلة مجرد «معرفة ما جرى»، وإنما الخلاف على معنى ما جرى ومدى مشروعيته.
فعندما تقع الواقعة أمام الجميع ثم ينقسم المجتمع بين من يراها جريمة ومن يراها ضرورة، تنتقل الأزمة من مستوى الوقائع إلى مستوى القيم. يصبح السؤال ليس فقط: من قُتل ومن أطلق النار؟ وإنما: هل يمكن أن يصبح قتل الخصم السياسي مقبولًا إذا قُدمت له المبررات الكافية؟ وهنا يكمن أحد أخطر آثار رابعة، إذ صار الدم نفسه موضوعًا للاستقطاب السياسي.
وتقدم تجارب دول أخرى درسًا مهمًا. فقد استغرقت تشيلي سنوات قبل الانتقال من صمت ما بعد انقلاب 1973 إلى الاعتراف المؤسسي بالانتهاكات، كما ظلت أحداث غوانغجو في كوريا الجنوبية محاطة لسنوات برواية رسمية تصف المحتجين بالمتمردين، قبل أن تتغير البيئة السياسية ويجري الاعتراف بالضحايا والمساءلة. وليست العبرة في استنساخ تلك التجارب، وإنما في إدراك أن المجتمعات لا تستعيد تماسكها بإلغاء ذاكرتها، بل بتحويل الذاكرة المتنازع عليها إلى حد أدنى من حقيقة وطنية مشتركة.
من واقعة قتل إلى بنية سياسية ـ ما الذي دفعته مصر ثمنًا؟
الخطأ الأكبر في قراءة رابعة وملحقاتها هو اختزال كلفتها في عدد من سقطوا، على فداحة المأساة. فالدم كان أول الثمن، لكنه لم يكن آخره. لقد تجاوز ما جرى حدود الواقعة ذاتها ليمس طبيعة المجال السياسي، وعلاقة الدولة بالمجتمع، وعلاقة المصريين بعضهم ببعض، وحدود المقبول في إدارة الصراع الداخلي.
كان كسر حاجز العنف من أخطر النتائج. فعندما يُستخدم قدر واسع من القوة وتسقط أعداد كبيرة من الضحايا ثم تمر السنوات دون مساءلة تتناسب مع حجم الواقعة، لا تقتصر النتيجة على إفلات المسؤولين، بل تنخفض الكلفة السياسية والأخلاقية لاستخدام القوة مستقبلًا. وهنا تصبح السابقة أخطر من الواقعة؛ لأن ما كان يُنظر إليه باعتباره تجاوزًا غير قابل للتصور قد يتحول، بعد وقوعه واعتياده، إلى خيار ضمن أدوات إدارة الأزمات.
والأدوات الاستثنائية التي تُنشأ لمواجهة خصم بعينه نادرًا ما تبقى مقصورة عليه. فقد اتسعت بعد 2013 مساحات الاستثناء القانوني والسياسي والأمني، ثم امتدت القيود إلى قوى وشخصيات ومنظمات لم تكن ضمن الخصم الأول. وهكذا يصبح ما جرى ضد طرف سابقةً قابلة للاستدعاء ضد أطراف أخرى، بل وربما ضد من شاركوا يومًا في توفير الغطاء السياسي لها.
وكان الجرح الأعمق اجتماعيًا أيضًا. فقد تجاوز الانقسام الدولة ومعارضيها إلى الأسرة والحي والنقابة ومكان العمل، ووصل إلى السؤال عن الضحية نفسها: هل تستحق التعاطف أم لا؟ وحين تصبح حرمة الدم خاضعة للهوية السياسية، يتآكل الحد الأخلاقي الأدنى الذي يحمي المجتمع من دورات الثأر. فالخلاف مع السلطة قد تنهيه تسوية سياسية، أما الخلاف بين المواطنين حول مشروعية دم بعضهم بعضًا فيحتاج إلى عملية أطول لاستعادة الثقة والضمير المشترك.
كما دفعت الدولة نفسها ثمنًا باهظًا. فقد يكون الإفلات من المساءلة مكسبًا قصير الأمد للسلطة، لكنه لا يكون بالضرورة مكسبًا للدولة. فكلما انتقلت الشرعية من الرضا والثقة والمؤسسات إلى الردع والسيطرة، ارتفعت كلفة حفظ الاستقرار، وضاق المجال العام، وضعفت الأحزاب والنقابات والمؤسسات الوسيطة، واتسعت الفجوة بين المواطن والدولة.
ومن هنا تحولت رابعة من واقعة دموية إلى لحظة أعادت تشكيل بنية السياسة المصرية. فالسؤال لم يعد فقط ماذا حدث في ذلك اليوم، وإنما ماذا أصبح ممكنًا بعده. وهذه هي الكلفة الأخطر: أن تبقى السابقة قائمة، وأن يظل الباب الذي فُتح في 2013 قابلًا للاستدعاء عند كل أزمة جديدة.
الجيل الذي ورث رابعة ـ ذاكرة لم يعشها وأعباء لم يصنعها
بعد ثلاثة عشر عامًا لم تعد رابعة قضية جيل عاش أحداث 2013 وحده، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة جيل جديد لم يكن طرفًا في الصراع. فمن كان طفلًا يومها صار شابًا، ومن كان مراهقًا دخل مرحلة النضج، حاملاً آثار واقعة لم يشهد مقدماتها كاملة لكنه عايش نتائجها في الأسرة والجامعة والمجتمع والمنصات الرقمية.
وهذا الجيل لم يعرف رابعة بوصفها تجربة سياسية متكاملة، بل وصلته في صورة مقاطع مصورة وشهادات عائلية وروايات متضاربة وخطابات إعلامية متخاصمة. فهو يرث الواقعة ويرث معها الانقسام حول معناها، والخلاف حول ضحاياها، والصمت الذي أحاط بمساءلتها.
ومن هنا يتشكل خطر استراتيجي مزدوج. قد يستنتج بعض هذا الجيل أن السياسة باب للخسارة وأن المشاركة العامة بلا جدوى، فينسحب من المجال العام ويتركه أكثر فقرًا وأقل تمثيلًا. وقد يصل آخرون إلى النتيجة المعاكسة: أن الوسائل السلمية أُغلقت وأن القوة هي الطريق الوحيد المتبقي.
وكلا المسارين خسارة للدولة والمجتمع؛ فالأول ينتج جيلًا منزوع الثقة في السياسة، والثاني يفتح الباب أمام التطرف والعنف وإعادة إنتاج المأساة. ولذلك فإن معالجة رابعة ليست وفاءً للماضي فقط، بل مسؤولية تجاه مستقبل جيل لم يرتكب أخطاء 2013 لكنه قد يدفع ثمنها.
العدالة المعطلة ـ بين انسداد الداخل وما يزال ممكنًا
أي مقاربة جادة ينبغي أن تبدأ من الواقع لا من الخطابة. فلا توجد في الظروف الراهنة جهة تحقيق مستقلة تستطيع مساءلة النظام القائم عن وقائع هو نفسه متهم بالمسؤولية السياسية والمؤسسية عنها، كما أن مؤسسات التحقيق والقضاء تعمل داخل البنية السياسية التي تشكلت بعد 2013. ومن ثم فإن الحديث عن تحقيق داخلي مستقل أو محاكمات فعلية الآن يتجاهل حدود ميزان القوة القائم.
كما أن التعويل على المحكمة الجنائية الدولية بوصفها طريقًا مباشرًا وقريبًا يصطدم بقيود قانونية وسياسية واضحة، من بينها أن مصر ليست طرفًا في نظام روما الأساسي، وأن المحكمة لا تملك ولاية تلقائية على الأراضي المصرية. ولذلك فإن تقديم العدالة الدولية باعتبارها وعدًا قريبًا قد يرفع توقعات الضحايا ثم يتركهم أمام إحباط جديد.
لكن انسداد المسار الداخلي وعدم سهولة المسار الدولي لا يعنيان غياب العمل الممكن. فهناك الآليات الحقوقية الأممية، وإمكانات الولاية القضائية العالمية في بعض الدول متى توافرت شروطها، وقبل ذلك كله التوثيق المهني المستقل.
وهنا تصبح الأولوية إنقاذ الحقيقة قبل ضياع وسائل إثباتها. فكل عدالة مؤجلة ستواجه يومًا سؤالين: ما الأدلة التي بقيت؟ وهل حُفظت بطريقة تسمح باستخدامها قانونيًا؟ ولهذا فالزمن لا يعمل بالضرورة ضد المسؤولية، لكنه يعمل بقوة ضد الدليل؛ يموت الشهود، وتتلف الوثائق، وتضيع التسجيلات، وتتبدد السجلات. ومن ثم فإن حفظ الأدلة ليس عملًا أرشيفيًا، بل تأسيس مبكر لأي عدالة ممكنة مستقبلًا.
القوى السياسية ـ من مراجعة الماضي إلى الحد الأدنى الوطني
لا تكتمل معالجة رابعة إذا اقتصرت على مساءلة الدولة دون مراجعة البيئة السياسية التي أحاطت بها. فقد أيدت أو بررت قوى سياسية وإعلامية ومدنية فض الاعتصامين، وتعامل بعضها مع ما جرى باعتباره كلفة مقبولة للتخلص من خصم سياسي. لكن السنوات التالية أثبتت أن الاستثناء الذي يُشرعن ضد الخصم لا يظل مقصورًا عليه؛ فقد امتدت أدوات الإغلاق والقمع إلى أحزاب وشخصيات ومنظمات كانت جزءًا من المشهد المؤيد لتحولات 2013.
ولهذا تصبح المراجعة العلنية لهذه المواقف ضرورة أخلاقية وسياسية، لا إذلالًا لأصحابها ولا مطالبة لهم بتبني رواية خصومهم. إنها ببساطة إقرار بأن القمع لا يمكن أن يكون مشروعًا حين يستهدف من نختلف معه ومرفوضًا فقط حين يصل إلينا.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول مسؤولية السلطة عن القتل إلى ذريعة تعفي القوى الإسلامية من مراجعة أدائها السياسي. فإدارة الخلاف قبل الثالث من يوليو، وضيق قاعدة التحالف، وحدّة الاستقطاب، وتقدير استمرار الاعتصام في ظل مؤشرات متزايدة على اتجاه الدولة إلى استخدام القوة، كلها مسائل تستحق مراجعة صريحة. وهذه المراجعة لا تنقل المسؤولية الجنائية عن القتل إلى الضحايا أو قادة الاعتصام، لكنها تميز بين المسؤولية الجنائية عن استخدام القوة والمسؤولية السياسية عن الحسابات والقرارات التي سبقت الكارثة.
كما أضر بالملف تحوله أحيانًا إلى ساحة تنازع على تمثيل الضحايا واحتكار الحديث باسمهم. فالعدالة لا تحتاج إلى منافسة على من هو الأكثر إخلاصًا للدم، وإنما إلى إطار مستقل يحفظ الأسماء والشهادات والوثائق والحقوق، ويضع الملف فوق الصراعات التنظيمية.
الحد الأدنى المشترك ـ قبل المصالحة السياسية
لا تحتاج مصر الآن إلى اتفاق سياسي شامل بين جميع القوى بقدر ما تحتاج إلى استعادة قواعد أولية تجعل الاختلاف ممكنًا من دون أن يتحول إلى صراع بلا سقف. وأول هذه القواعد أن القتل خارج القانون جريمة بصرف النظر عن هوية الضحية، وأن الدم لا يكتسب حرمته أو يفقدها بحسب موقع صاحبه من السلطة أو المعارضة.
كما أن العدالة لا تعني الانتقام أو العقاب الجماعي، لأن تبديل مواقع الضحايا والجلادين لا يصنع دولة قانون. والحقيقة والتوثيق يجب أن يصبحا ملكًا للمجتمع، لا ورقة تحتكرها جماعة أو تستخدمها في الصراع السياسي. وينبغي لكل قوة أن تراجع علنًا موقفها من أحداث 2013، لا باعتبار المراجعة اعترافًا بالهزيمة، بل إعلانًا بأن التجربة لن تتكرر بالطريقة نفسها.
ويكتمل هذا الحد الأدنى حين يصبح رفض العنف متبادلًا: فلا تستخدمه السلطة أداة للحكم وإدارة الخصومة، ولا تلجأ إليه المعارضة وسيلة للتغيير. فاحتكار الدولة للقوة المشروعة لا يعني إطلاق يدها فيها، كما أن انسداد السياسة لا يبرر الانتقال إلى السلاح. وهذه ليست مصالحة شاملة، بل شروط لاستعادة السياسة نفسها.
من جرح مفتوح إلى تعاقد وطني جديد
العدالة الانتقالية لا تعني إعادة فتح الحرب القديمة، وإنما منعها من الاستمرار في حكم المستقبل. ويبدأ المسار بحق المصريين في معرفة ما جرى؛ فلا يمكن بناء تعاقد وطني فوق روايات متعارضة وذاكرة منقسمة إلى حد الإنكار المتبادل.
وفي مرحلة سياسية تسمح باستقلال المؤسسات، ينبغي أن تقوم هيئة وطنية للحقيقة بالنظر في جميع وقائع العنف السياسي منذ يناير 2011 دون انتقائية، وجمع الوثائق والشهادات والسجلات، وإعادة بناء تسلسل القرارات والمسؤوليات. فالعدالة التي تبدأ من رابعة وتتوقف عندها ناقصة، كما أن العدالة التي تتجاوزها وكأنها لم تقع تفقد معناها.
ثم تأتي المساءلة باعتبارها مسؤولية فردية لا عقابًا جماعيًا. فلا يحاسب إنسان لانتمائه إلى مؤسسة أو تيار، وإنما لما يثبت أنه قرره أو أمر به أو نفذه أو شارك فيه. ولا تكتمل العدالة بالمحاسبة وحدها؛ فهناك أسر فقدت أبناءها، ومصابون يحملون آثارًا دائمة، وأطفال نشؤوا في ظل الفقد والسجن والغياب، ولذلك فإن جبر الضرر بالتعويض ورد الاعتبار والرعاية والتسويات القانونية والاجتماعية جزء أصيل من أي معالجة.
ويبقى الاختبار الأكبر هو عدم التكرار؛ من خلال إصلاح قواعد استخدام القوة، وتعزيز الرقابة المستقلة، وضمان استقلال القضاء، وفتح المجال العام، وحماية التعددية. فالعدالة لا تبلغ غايتها إذا حاسبت الماضي وتركت البيئة التي أنتجته قائمة.
الذاكرة الوطنية ـ إنصاف الضحايا دون محو الفوارق
تحويل رابعة وأخواتها إلى ذاكرة وطنية لا يعني مساواة الوقائع المختلفة أو طمس تفاوت المسؤوليات، وإنما إخراج الدم من ملكية الفصائل وإعادته إلى مكانه بوصفه شأنًا وطنيًا وإنسانيًا.
ويمكن لذاكرة عادلة أن تتسع للمعتصمين والمتظاهرين الذين قُتلوا، ولرجال الشرطة الذين فقدوا حياتهم في الأحداث المصاحبة، وللمواطنين الأقباط الذين تعرضت كنائسهم وممتلكاتهم للاعتداء، ولغيرهم ممن دفعوا ثمن انهيار السياسة، مع الاحتفاظ بالفارق بين الضحية والفاعل، وبين المسؤولية الجنائية والسياسية، وبين الوقائع المختلفة في حجمها وسياقها.
فالذاكرة الوطنية لا تساوي بين المسؤوليات، لكنها تساوي بين البشر في استحقاق الحياة والكرامة والحقيقة. والاعتراف بضحايا الآخرين لا ينتقص من حق ضحايانا، بل يقطع الطريق على المنطق الذي يسمح لكل طرف بتبرير دم خصمه.
استعادة المجال السياسي وإصلاح الدولة
لا يمكن ضمان عدم تكرار رابعة بإصلاح قواعد استخدام القوة وحدها، لأن المذبحة كانت نهاية مسار من انهيار السياسة قبل أن تكون قرارًا أمنيًا. فعندما تتعطل قنوات التفاوض وتضيق مساحات المشاركة وتضعف الأحزاب والنقابات والمؤسسات الوسيطة، يصبح الشارع ساحة الصراع الأخيرة ثم تتحول القوة إلى أداته الحاسمة.
ولهذا فإن إعادة فتح المجال أمام الأحزاب والمجتمع المدني والإعلام والنقابات والاحتجاج السلمي ليست ترفًا ديمقراطيًا، بل وقاية من العنف. وكذلك فإن إصلاح العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمجتمع، وإخضاع استخدام القوة لمبادئ القانون والضرورة والتناسب والمساءلة، لا يضعف الدولة بل يحميها من تحول أجهزتها إلى أدوات في الخصومة السياسية.
والدولة الأقوى ليست التي يخاف مواطنوها أجهزتها، وإنما التي يثق المختلف معها أنها ستظل تحميه بالقانون.
الحقيقة قبل المصالحة والعدالة دون انتقام
المصالحة التي تطلب النسيان قبل معرفة الحقيقة ليست مصالحة، بل تأجيل للجرح. فلا يمكن مطالبة أسر الضحايا بطي الصفحة قبل أن تعرف كيف مات أبناؤها ومن اتخذ القرار، كما لا يمكن للمجتمع أن يؤسس ذاكرة مشتركة على روايات متنافرة تحكمها موازين السلطة.
ولهذا فإن الحقيقة حق عام وليست عقوبة. وهي لا تستهدف فقط تحديد المسؤولية الجنائية، وإنما بناء أرض مشتركة من الوقائع يستطيع المصريون أن يختلفوا فوقها في التفسير دون أن يختلفوا على حقيقة ما حدث.
وفي الوقت نفسه، فإن العدالة المقبلة يجب ألا تتحول إلى انتقام. فالمساءلة الفردية المبنية على الأدلة هي الطريق بين الإفلات من العقاب والعقاب الجماعي. والمقصد ليس إنتاج مهزوم جديد أو محاكمات معكوسة، وإنما إنهاء قدرة أي منتصر على استخدام الدولة للثأر من خصومه.
جبر الضرر ومخاطبة الجيل الجديد
لا تعيد المحاكمات وحدها ما فقدته الأسر. فجبر الضرر يشمل التعويض المادي والمعنوي، والعلاج، ورد الاعتبار، وتصحيح الأوضاع القانونية، والرعاية الاجتماعية والتعليمية. وهو يمثل انتقال الدولة من الإنكار إلى تحمل مسؤوليتها في ترميم ما دمرته الأزمة.
وفي الوقت نفسه يجب أن تتوجه معالجة رابعة إلى الجيل الذي لم يعشها. فهذا الجيل يحتاج إلى وثائق وشهادات وأعمال بحثية تشرح ما حدث في سياقه، لا إلى تعبئة جديدة. والهدف ليس توريث المظلومية، وإنما منع توريث الكراهية واليأس. فالعدالة التي تحمي الجيل القادم من إعادة إنتاج الماضي تتحول من شأن يتعلق بالتاريخ إلى سياسة للمستقبل.
خاتمة ـ العدالة بوابة الدولة إلى نفسها
بعد ثلاثة عشر عامًا، لم تعد رابعة مجرد ملف بين السلطة وجماعة سياسية، وإنما اختبار لقدرة مصر على مواجهة أحد أكثر فصول تاريخها الحديث إيلامًا دون إنكار أو انتقام. فالوقائع الكبرى لا تختفي حين تغلقها المؤسسات، والذاكرة لا تسقط بالتقادم السياسي. قد تتراجع القضية من واجهة الأحداث، لكنها تبقى في وعي الضحايا، وفي نظرة قطاعات من المواطنين إلى الدولة والقانون، وفي ذاكرة أجيال لم تصنع المأساة لكنها ورثت نتائجها.
ولا يمثل الإفلات من المساءلة حماية حقيقية للدولة. فقد يحمي أشخاصًا أو مؤسسات في لحظة معينة، لكنه يترك للدولة ميراثًا من عدم الثقة وسابقة قابلة للاستدعاء مستقبلًا. وكلما طال التأجيل ضعفت الأدلة واتسعت المسافة بين الروايات وانتقل عبء التسوية إلى جيل جديد.
والعدالة الانتقالية ليست مشروعًا للثأر ولا محاولة لإعادة معارك 2013، وإنما وسيلة لمنع تلك المعارك من الاستمرار في حكم المستقبل. تبدأ بالحقيقة، ثم المساءلة الفردية وجبر الضرر، وتمتد إلى المراجعات السياسية وإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار.
ولهذا لم يعد السؤال: هل ينبغي فتح ملف رابعة؟ فالملف لم يُغلق أصلًا في الذاكرة الوطنية. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع مصر أن تفتحه يومًا بإرادتها وعبر مؤسسات مستقلة وقانون وعدالة، أم يظل مؤجلًا حتى تفتحه تحولات أكبر قد لا يملك أحد عندها التحكم في شروطها أو نتائجها؟
توصيات مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية
تنطلق هذه التوصيات من أن النظام السياسي القائم هو نفسه الطرف المتهم بالمسؤولية السياسية والمؤسسية عن رابعة وملحقاتها، وأن مؤسسات التحقيق والقضاء التي يفترض أن تتولى المساءلة تعمل داخل البنية التي يسيطر عليها. ولذلك لا تفترض الورقة إمكان إجراء تحقيق داخلي مستقل أو محاكمة حقيقية لقيادات النظام في الظروف الراهنة، وإنما تميز بين ما يمكن إنجازه الآن، وما تتحمل السلطة مسؤولية منعه أو حجبه، وما ينبغي إعداده لمرحلة مستقبلية تتوافر فيها بيئة سياسية وقضائية مستقلة:
1. ضرورة جعل الأولوية الحالية لإنقاذ الحقيقة وأدوات إثباتها، عبر جمع الشهادات والوثائق والتقارير الطبية والتسجيلات والسجلات المتعلقة برابعة والنهضة وملحقاتهما، وحفظها وفق معايير مهنية وقانونية تسمح باستخدامها مستقبلًا.
2. العمل على إنشاء مشروع توثيق مستقل طويل المدى، وقاعدة بيانات موحدة للضحايا والمصابين والمفقودين والمحتجزين، بما يحفظ لكل ضحية اسمها وحقوقها وسياق ما تعرضت له، وينهي التضارب في الأرقام.
3. إعطاء أولوية لتسجيل شهادات الشهود الرئيسيين وكبار السن والمسؤولين السابقين وكل من يمتلك معرفة مباشرة بالوقائع، مع توثيق سلسلة اتخاذ القرار من الخطاب السابق للفض إلى التخطيط والتنفيذ والمواقف الرسمية اللاحقة.
4. حفظ النسخ الأصلية أو الموثوقة من التسجيلات وسجلات المستشفيات والمشارح وتقارير الطب الشرعي والبيانات الرسمية، وبناء سجل لمصدر كل مادة ومسار حفظها بما يدعم حجيتها المستقبلية.
5. مطالبة النظام القائم بالكشف عن التقارير والوثائق الرسمية المحجوبة، واعتبار أي إتلاف أو إخفاء أو تعديل متعمد للأدلة مسؤولية إضافية تتعلق بإعاقة العدالة، فضلًا عن مسؤوليته السياسية عن استمرار إغلاق الملف.
6. مطالبة السلطة بوقف التضييق على أسر الضحايا والشهود والباحثين والحقوقيين، واحترام حقهم في التوثيق وإحياء الذكرى والمطالبة بالحقيقة.
7. رفض تحويل «المصالحة» أو أي تفاوض سياسي مستقبلي إلى بديل عن العدالة، وعدم استخدام حقوق الضحايا ورقة مساومة مقابل الإفراج أو المشاركة أو التسويات السياسية.
8. توجيه العمل الحقوقي إلى بناء ملفات قانونية مكتملة للوقائع والضحايا وسلاسل القيادة وأنماط الانتهاكات، والاستفادة الواقعية من الآليات الأممية والولاية القضائية العالمية حيث تسمح القوانين، دون تقديم وعود بمحاكمات دولية وشيكة لا تستند إلى اختصاص واضح.
9. بناء شبكة حقوقية وقانونية دائمة تضم المحامين والباحثين وخبراء الأدلة والجرائم الدولية، بحيث ينتقل الملف من نشاط موسمي في الذكرى السنوية إلى عمل مؤسسي مستمر.
10. مطالبة القوى السياسية والإعلامية التي سوغت الفض بمراجعات علنية، ومطالبة القوى الإسلامية بمراجعة إدارتها للأزمة والاعتصام والتحالفات، مع الفصل الصريح بين المسؤولية السياسية عن التقدير والمسؤولية الجنائية عن القتل.
11. الاتفاق على قاعدة وطنية تعتبر القتل خارج القانون جريمة أيًا كانت هوية الضحية، وترفض استخدام العنف أداة للحكم أو وسيلة للتغيير، وتفصل بين العدالة والانتقام.
12. إخراج ملف الضحايا من التنافس التنظيمي والحزبي، وبناء ذاكرة وطنية تحفظ خصوصية رابعة والنهضة وملحقاتهما ولا تساوي بين الوقائع أو المسؤوليات، لكنها تعترف بحق جميع الضحايا في الحقيقة والكرامة.
13. إطلاق برامج بحثية ووثائقية للجيل الذي لم يعش أحداث 2013، تعرض الوقائع في سياقها الكامل وتحول دون توريث اليأس أو الكراهية أو الثأر.
14. إعداد تصور مؤسسي متكامل للعدالة الانتقالية يمكن تفعيله فور توافر بيئة سياسية مستقلة، يتضمن هيئة للحقيقة والعدالة، وإطارًا قانونيًا للمساءلة الفردية والمسؤولية القيادية، وآلية لمراجعة الأحكام التي شابها إخلال جسيم بضمانات المحاكمة العادلة.
15. إعداد برنامج مستقبلي لجبر الضرر يشمل التعويض ورد الاعتبار وعلاج المصابين ودعم أسر الضحايا، وخطة لإصلاح الأجهزة الأمنية وقواعد استخدام القوة وربطها برقابة مدنية وقضائية وبرلمانية مستقلة.
16. وضع ضمانات مسبقة تمنع تحول العدالة في أي مرحلة انتقالية إلى انتقام جماعي أو محاكمات سياسية معكوسة، بحيث تُبنى كل مساءلة على المسؤولية الفردية والأدلة والإجراءات القضائية العادلة.
17. الفصل بوضوح بين الدولة والنظام؛ فالمساءلة لا تستهدف الدولة المصرية في ذاتها، وإنما من تثبت مسؤوليتهم من أفراد وقيادات ومؤسسات، وحماية الدولة تقتضي ألا ترث إلى الأبد قرارات سلطة بعينها.
18. اعتبار استمرار إغلاق الملف مسؤولية سياسية متجددة للنظام الحالي، لأن حجب الحقيقة ومنع التوثيق وعدم إتاحة المساءلة ليست مجرد آثار للماضي، وإنما قرارات حاضرة لها نتائجها.
19. التأكيد أن المطلوب الآن ليس انتظار محاكمة غير متاحة، بل منع غياب العدالة اليوم من أن يتحول إلى استحالة العدالة غدًا؛ فحفظ الأدلة وبناء الملفات وصيانة الذاكرة هو الجسر بين العدالة المعطلة الآن والعدالة الممكنة مستقبلًا.
20. التأكيد في النهاية أن رابعة لن تُغلق بمرور الزمن أو بتكرار الرواية الرسمية، وإنما حين تتوافر لحظة سياسية تستطيع فيها مؤسسات مستقلة أن تسأل بلا خوف: ماذا حدث؟ ومن قرر؟ ومن نفذ؟ ومن تستر؟ وكيف يُنصف الضحايا؟ وكيف تضمن مصر ألا يتكرر ذلك مرة أخرى؟
أبرز المراجع والوثائق
* Human Rights Watch, All According to Plan: The Rab’a Massacre and Mass Killings of Protesters in Egypt, أغسطس 2014.
* تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان بشأن فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، 2014.
* بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان المتعلقة بأحداث أغسطس 2013.
* المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون، 1990.
* مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بحماية حقوق الإنسان من خلال مكافحة الإفلات من العقاب.
* نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما المادة السابعة.
* الدستور المصري لسنة 2014.
* تقرير لجنة الحقيقة والمصالحة في تشيلي.
* الوثائق المتعلقة بانتفاضة غوانغجو ومسارات العدالة الانتقالية في كوريا الجنوبية.







