
الصراع بين الولايات المتحدة وإيران قديم. بدأ عقب نجاح الثورة الإيرانية في إسقاط نظام الشاه الموالي للغرب عام 1979، ما يعني أنّ عمره يقترب من نصف قرن. ورغم حرصهما على إدارته بطريقة تتجنّب الدخول في صدام عسكري مباشر، إلّا أنّ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قلب هذا النمط العلائقي رأساً على عقب. فقد انسحب ترامب من اتفاق نووي مع إيران، أبرمه سلفه باراك أوباما (2015) ضمن مجموعة 5+1، وبعد عودته إلى البيت الأبيض لفترة ولاية ثانية لم يتردّد في استخدام القوّة ضدّ إيران في يونيو/ حزيران 2025، من دون أن يتمكّن من حسم الصراع معها، على الرغم من تعدّد جولات القتال، بل تفيد دلائل عديدة بأنّ كفّة إيران في إدارة الصراع بدأت ترجح على كفّة الولايات المتحدة، بل لم يعد من المُستبعَد أن يُمنى ترامب في النهاية بهزيمة استراتيجية كُبرى، في مفارقة تثير تساؤلاتٍ عديدة.
حين فرّ شاه إيران عقب اندلاع الثورة، سمحت له الولايات المتحدة بدخول أراضيها بدعوى إجراء فحوصٍ طبّية. ولأنّ النظام الإيراني الجديد خشي من احتمال تكرار ما حدث لثورة محمّد مصدّق (1953)، التي نجحت المخابرات الأميركية في إجهاضها وإعادة الشاه إلى سدّة الحكم، بادر الجناح المتشدّد في الحركة الطلابية إلى اجتياح مقرّ السفارة الأميركية في طهران، واحتجز من كانوا فيها رهائنَ مدّة 444 يوماً. وقد حاول الرئيس كارتر إطلاق سراحهم بالقوّة، لكنّه فشل، ما تسبّب في خسارته الانتخابات الرئاسية التالية، وتولّي خلفه الرئيس رونالد ريغان تسوية الأزمة بالطرق الدبلوماسية. وبعدها بدأت العلاقات بين البلدَين تُدار بطريقة عكست حرص الجانبين على تجنّب الصدام المسلّح على الرغم من استمرار الخلافات الحادّة بينهما.
مهارة دبلوماسية إيرانية عالية مكّنتها من إدارة العملية التفاوضية بكفاءة واقتدار بالغَين
في سياق هذا النسق الصراعي للعلاقة، لجأت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى دفع حلفائها في المنطقة إلى التصدّي للنظام الإيراني الجديد ومحاصرته، ما يفسّر دورها في استدراج العراق إلى الدخول في حرب ضدّ إيران، والحرص على استمرار (وتغذية) هذه الحرب التي ظلّت مشتعلةً طوال ثماني سنوات. أمّا النظام الإيراني فقد سعى إلى بناء خطوط دفاع أمامية، بالتحالف مع قوى سياسية واجتماعية متنوّعة في المنطقة، مستغلّاً حالة الفراغ الذي تسبّب فيها خروج مصر من معادلة الصراع العسكري مع الكيان الصهيوني وتوقيعها معاهدة سلام منفردة، ومستفيداً من أخطاء عديدة وقعت فيها السياسات الأميركية في المنطقة، خصوصاً عقب أحداث 11 سبتمبر (2001)، والغزو الأميركي للعراق واحتلاله عام 2003، ما يفسّر الانتشار التدريجي للنفوذ الإيراني في المنطقة، خصوصاً في لبنان وسورية والعراق واليمن، وتصاعد القلق الإسرائيلي من هذا الوضع، خصوصاً بعد تولّي نتنياهو رئاسة الوزارة الإسرائيلية عام 1996.
أدّى ظهور نتنياهو في الساحة السياسية الإسرائيلية إلى تغيير حاسم في نمط إدارة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وإلى انتقاله التدريجي من نمط الإدارة بالوسائل السياسية إلى نمط الإدارة بالوسائل العسكرية والصدام المباشر. فقد كان نتنياهو على قناعة تامّةٍ بأنّ النظام الإيراني يشكّل تهديداً وجودياً لأمن إسرائيل، وبالتالي ينبغي العمل لإسقاطه بكلّ الوسائل المتاحة، حتّى لو تطلّب الأمر إزاحته بالقوّة. ولأنّه يدرك جيّداً أنّ إسرائيل لا تستطيع القيام بهذه المهمة منفردةً، فقد سعى بإلحاح إلى إقناع الرؤساء الأميركيين، الذين تعاقبوا على البيت الأبيض منذ وصوله إلى السلطة، بضرورة مشاركة الولايات المتحدة في أيّ عمل عسكري تقوم به إسرائيل لإطاحة النظام الإيراني. حاول ذلك مع كلينتون وبوش (الابن) وأوباما، وفشل، لكنّه نجح مع ترامب. وحين أقدم أوباما على توقيع اتفاق 2015، استشاط نتنياهو غضباً وتوجّه على الفور إلى واشنطن لمهاجمتهما معاً: أوباما والاتفاق، من فوق منبر الكونغرس الأميركي ذاته، في سابقة لا مثيل لها في تاريخ العلاقات الدولية. لذا، كانت سعادته غامرةً بفوز ترامب في انتخابات الرئاسة التالية.
لم يكن نتنياهو في حاجة إلى جهد كبير لإقناع صديقه ترامب بالانسحاب من اتفاق أوباما النووي، وهو ما أقدم عليه بالفعل عام 2018، لكنّه يطمع فيما هو أكثر، أي في الحصول على موافقته لإعلان الحرب على إيران، وكاد يحصل عليها لولا خسارة ترامب للانتخابات الرئاسية التي جرت نهاية عام 2020. ولأنّ خلفه جو بايدن سعى إلى العودة إلى الاتفاق القديم، فقد تركّز جهد نتنياهو خلال فترة ولاية بايدن اليتيمة في إحباط هذا المسعى، وهو ما نجح فيه بالفعل قبل أن يتنفّس الصعداء حين تمكّن ترامب من الفوز بفترة ولاية ثانية في انتخابات الرئاسة التي جرت نهاية عام 2024، فقد أدرك على الفور أنّ مشاركة الولايات المتحدة في الحرب على إيران أصبحت مسألة وقت، وهو ما تم بالفعل عبر جولتَين من المواجهات الشاملة، الأولى استهدفت تدمير برنامج إيران النووي، أمّا الثانية فاستهدفت إطاحة نظامها السياسي. ولأنّ تنفيذ الجولة الأولى لم يتطلّب سوى غارات جوّية تشنّها قاذفات أميركية ثقيلة لم يكن تنفيذها ليستغرق سوى أيّام معدودة، لم يشعر ترامب بأنّه في حاجة إلى تشاور مكثّف مع نتنياهو، أمّا تنفيذ الجولة الثانية فقد احتاج إلى خطط تفصيلية ومعلومات استخبارية تطمئن الرئيس ترامب إلى أنّ الهدف قابل للتحقيق خلال فترة معقولة، وهو ما تكفّل به نتنياهو في اجتماع عُقد في غرفة عمليات البيت الأبيض قبل أيّام قليلة من موعد انطلاقها يوم 28 فبراير/ شباط 2026.
اكتشف ترامب متأخّراً أنّ معظم المعلومات التي عرضها نتنياهو في هذا الاجتماع التاريخي لم تكن دقيقةً، غير أنّ إيمانه الأعمى بإسرائيل وتوقه الشخصي لدخول التاريخ بوصفه أوّل رئيس أميركي ينجح في إطاحة واحد من أكثر النظم السياسية عداءً للولايات المتحدة من دون حاجة إلى غزوّ برّي، جعلا قابليته لتصديق كلّ ما يصدر عن نتنياهو أقوى من تحذيرات أقرب مساعديه، لكنّ الكارثة كانت قد وقعت بالفعل، وبالتالي لم يدرك ترامب أنّه دخل في مأزق لا فكاك منه إلا بعد فوات الأوان. فقد اكتشف المقاول، الذي دخل البيت الأبيض محمولاً فوق شعارات رنانة من قبيل: “أميركا أولاً” و”لنجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى” و”لا حروب كُبرى بعد اليوم”، أنّه استُدرِج إلى حرب استنزاف طويلة، وأنّ إيران لم تتمكن من الصمود في وجه الدولة الأقوى في تاريخ البشرية فحسب، وإنّما ايضاً من إدارة صراعها المزمن معها بطريقة مبتكَرة وخلّاقة حالت دون تمكينها من تحقيق أيّ من أهدافها، المُعلَنة منها والخفيّة.
عناصر كثيرة مكّنت إيران من تحقيق هذه النتائج الباهرة، أوّلها: التفاف الشعب حول الدولة على الرغم من إطاحة معظم القيادات السياسية والعسكرية للنظام. وثانيها: القدرة على تصنيع أسلحة منخفضة التكلفة وتخزينها واستخدامها، أسلحة قادرة، في الوقت نفسه، على إلحاق الأذى لا بالقواعد العسكرية الأميركية القريبة منها فحسب، وإنّما أيضاً بإسرائيل البعيدة منها. وثالثها: مهارة دبلوماسية عالية مكّنتها من إدارة العملية التفاوضية بكفاءة واقتدار بالغَين، من دون تهوين من شأن الخصم أو تهويل من قدراته أو تفريط في حقوق الشعب الإيراني وكرامته، ما ساعد على التصدّي لكلّ أنواع الضغوط التي مورست، وتجنّب الوقوع في جميع الشراك التي نُصبت، والتغلّب على خطط الخداع التي رُسمت. ورابعها: الإدراك الدقيق لعبقرية المكان وعطايا الجغرافيا وهبات الطبيعة، ما مكّنها من استيعاب الأهمّية الاستراتيجية الفائقة لمضيق هرمز والضرورات الملحّة للتشبّث بالسيطرة عليه وإدارته حتّى النهاية. فإذا أضفنا إلى ما تقدّم أنّ مشاركة الكيان الصهيوني في هذه الحرب، بل قيامه بالدور الرئيس في استدراج الولايات المتحدة إليها، وهو الكيان الغاصب الذي يحتلّ أرضَ الغير ويمارس سياسةً عنصريةً ويرتكب جرائم إبادة جماعية وتجويع وتهجير قسري للشعب الفلسطيني وجرائم ضدّ الإنسانية… ساعدت في تشويه صورة الولايات المتحدة بأكثر ممّا هي مشوّهة، وأضفت على الحرب سمةً إجراميةً وعدوانيةً مضاعفةً، ورسّخت قناعة قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، بما في ذلك الأميركي، بأنّ إيران تمارس حقّها المشروع في الدفاع عن النفس، حتّى حين ترتكب بعض التجاوزات.
إمّا أن ينفّذ ترامب ما ورد في مذكّرة التفاهم بالكامل ويسلّم بالهزيمة الاستراتيجية، أو أن يغزو إيران برّياً
تفاعل هذه العناصر مجتمعةً مكّن إيران من التوصّل إلى مذكّرة تفاهم مع الولايات المتحدة، بمساعدة وسطاء في المنطقة، تستجيب إلى معظم المطالب الإيرانية، وأهمّها: وقف الحرب في جميع الجبهات، بما في ذلك جبهتا غزّة ولبنان، ورفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، والإفراج عن أموالها المجمَّدة، ورفع مختلف أنواع العقوبات المفروضة عليها، في مقابل التزام إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، من ناحية، وعدم تصنيع السلاح النووي أو امتلاكه أو الحصول عليه، من ناحية أخرى. صحيح أنّ الولايات المتحدة حاولت الالتفاف على بعض الالتزامات المنصوص عليها في هذه المذكّرة، والتملّص نهائياً من بعضها الآخر بمحاولة فتح ممرّ بحري جديد بالقرب من السواحل العُمانية تحميه القوات الأميركية الموجودة في المنطقة، ما يعني إفراغ السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز من مضمونها، بل إنهاءها من دون مقابل، وأيضاً بالعمل على معالجة الأزمة اللبنانية عبر مسار لبناني أميركي إسرائيلي منفصل عن مذكّرة التفاهم، ما يعني الالتفاف على البند الخاصّ بوقف الحرب في جميع الجبهات (البند الأوّل من مذكّرة التفاهم)، بالإضافة إلى التلكّؤ في الاستجابة للمطالب الإيرانية الخاصّة بالإفراج عن أموالها المجمَّدة ورفع العقوبات المفروضة عليها. غير أنّ ردّة الفعل الإيرانية على هذه المحاولات الالتفافية كانت قوّيةً، ولم تهتزّ حتّى بعد لجوء الولايات المتحدة من جديد إلى استخدام القوّة المسلّحة، في جولة جديدة من جولات الحرب، ما أجبر الولايات المتحدة على الدخول في مرحلة أخرى من مراحل التهدئة.
في سياق ما تقدّم، يبدو واضحاً أنّه لم يعد أمام الرئيس ترامب سوى الاختيار بين بديلَين: الأوّل، تنفيذ ما ورد في مذكّرة التفاهم بالكامل، ما يعني التسليم بالهزيمة الاستراتيجية أمام إيران، أو القيام بعملية غزوّ برّي شامل، وهو ما لا يستطيع فعله ويتناقض مع الشعارات التي رفعها قبل وبعد دخول البيت الأبيض. فمتى يعترف ترامب بالهزيمة الاستراتيجية أمام إيران؟ وكيف سيتصرّف نتنياهو؟







