مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: خبر عمره عامان لماذا يُعاد نشره اليوم؟وماذا يدور حول تغير في حقوق مصر المائية؟


قرأت صباح اليوم، الأحد 16 أغسطس 2026، خبرا نشرته CNN بالعربية تحت عنوان يتحدث عن كشف إثيوبيا تفاصيل اتفاقية لنهر النيل تستهدف «تصحيح التفاوتات في استخدام المياه». الخبر ينقل عن وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا قوله إن اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل دخلت حيز التنفيذ «منذ أيام»، وإنها ستؤسس لنظام جديد يعترف بما وصفه بحقوق جميع دول الحوض في الاستخدام العادل والمتساوي للمياه.

للوهلة الأولى يبدو الأمر تطورا وقع الآن، في أغسطس 2026. لكنني عندما عدت إلى أصل التصريحات والوثائق توقفت طويلا أمام مفاجأة تستحق، في حد ذاتها، أن تكون خبرا: التصريحات ليست جديدة. مصدرها وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية في 13 و14 أكتوبر 2024، واتفاقية الإطار التعاوني دخلت حيز النفاذ بالفعل في 13 أكتوبر 2024، أي قبل نحو عامين من إعادة ضخ هذه المادة اليوم.

لا أعرف لماذا أعيد فتح هذه النافذة الآن تحديدا، ولا أملك دليلا يسمح لي بأن أنسب إلى جهة ما قصدا لم تعلن عنه. لكنني تعلمت في السياسة أن التوقيت معلومة، وأن إعادة خبر قديم في لحظة جديدة تستحق أن نتوقف أمامها، لا أن نمر عليها باعتبارها مجرد خطأ في أرشيف الأخبار. والأغرب أن النص المنشور اليوم يحتفظ بعبارات زمنية من قبيل «دخلت حيز التنفيذ منذ أيام»، بينما البيان الرسمي لحوض النيل يثبت أن النفاذ القانوني حدث يوم 13 أكتوبر 2024. السؤال إذن ليس فقط: ماذا تقول الاتفاقية؟ بل أيضا: لماذا عادت إلى واجهة الأخبار الآن، ومن المستفيد من إعادة تثبيت روايتها السياسية في الوعي العام في هذه اللحظة؟

وما يقلقني في الأمر ليس خبرا قديما أعيد تدويره، بل حقيقة أكبر ظلت سنوات تتكون أمام أعيننا: معركة مصر حول النيل انتقلت تدريجيا من خلاف على سد إلى خلاف على النظام القانوني للنهر نفسه. سد النهضة كان أخطر تجليات الأزمة، لكنه لم يعد وحده موضوعها. نحن أمام محاولة ممتدة لإعادة تعريف الحقوق، وتغيير قواعد إدارة الحوض، وإنشاء مؤسسة جديدة تستطيع مستقبلا أن تصبح مركز الثقل في صناعة القرار المائي الإقليمي، بينما مصر والسودان خارج الاتفاقية التي تنشئها.

هنا ينبغي أن نخلع قبعة المعارضة والموالاة معا. أنا معارض لهذه السلطة ولسياساتها في ملفات كثيرة، وانتقدت منذ البداية طريقة إدارتها لملف سد النهضة، لكن مياه مصر ليست ملك حكومة كي نعارضها، ولا ملك نظام كي نجامله. إنها حق شعب. وإذا كان لإثيوبيا ولسائر دول المنبع حقوق في التنمية واستخدام الموارد، فإن لمصر حقا أسبق من كل المجاملات الدبلوماسية: حق الحياة. النيل ليس موردا إضافيا في سلة مياه مصر، بل مصدرها شبه الوحيد للمياه العذبة، وهذه حقيقة جغرافية تجعل أي مساس جوهري بتدفقاته مساسا مباشرا بالأمن القومي وبوجود المجتمع المصري نفسه.

ولكي نفهم أين أصبحنا، علينا أن نضع أمامنا ثلاث وثائق، لا أن نقرأ كل واحدة منها منفصلة عن الأخرى: اتفاق 1959 بين مصر والسودان، اتفاقية الإطار التعاوني المعروفة باتفاقية عنتيبي، وإعلان مبادئ سد النهضة الموقع في 23 مارس 2015. بين الوثائق الثلاث انتقلت القضية من حقوق محددة بالأرقام، إلى مبادئ عامة قابلة للتأويل، ثم إلى اعتراف عملي بسد ضخم قبل الاتفاق النهائي الملزم على قواعد تشغيله.

في اتفاق 1959 كان الأمر واضحا وقابلا للقياس. الاتفاق اعترف أولا بما سماه «الحقوق المكتسبة القائمة» لمصر والسودان: 48 مليار متر مكعب لمصر و4 مليارات للسودان، ثم أعاد توزيع العائد بعد إنشاء السد العالي على أساس متوسط إيراد للنهر مقداره 84 مليار متر مكعب سنويا، مع احتساب نحو 10 مليارات فاقدا للتخزين، ليستقر نصيب مصر عند 55.5 مليار متر مكعب ونصيب السودان عند 18.5 مليار متر مكعب. كما أنشأ الاتفاق هيئة فنية مشتركة، ونظم التعامل مع سنوات الإيراد المنخفض، وقرر تنسيق الموقف المصري السوداني تجاه مطالب دول الحوض الأخرى. هذه أرقام والتزامات ومؤسسات محددة، وليست عبارات سياسية فضفاضة.

لكن ثمة حقيقة قانونية ينبغي ألا نخفيها لأننا ندافع عن مصر: اتفاق 1959 عقد ثنائي بين مصر والسودان، ومن ثم فهو ملزم لطرفيه ولا يستطيع بذاته إنشاء التزامات تعاقدية على دولة ثالثة لم تكن طرفا فيه. وهذه كانت دائما إحدى نقاط الهجوم الإثيوبي ودول منبع أخرى على النظام القديم. لكن عدم إلزام الغير باتفاق ثنائي لا يعني سقوط حقوق مصر المائية في الهواء، ولا يعطي أية دولة رخصة مطلقة لإحداث ضرر جسيم بدولة المصب. هنا تحديدا كان يفترض أن تبدأ المفاوضات من البحث عن نظام جامع يحفظ التنمية للجميع ويحمي في الوقت نفسه الأمن المائي والاستخدامات القائمة، لا من اعتبار ما استقر لعقود مجرد «اختلال تاريخي» ينبغي تصحيحه على حساب الدولة الأكثر اعتمادا على النهر.

ثم جاءت اتفاقية عنتيبي. المفاوضات حول الإطار التعاوني استمرت سنوات طويلة، وكان يمكن أن تصبح أساسا لنظام جامع لو جرى التوصل إلى توافق حقيقي. لكن الخلاف انفجر عند المادة 14 الخاصة بـ«الأمن المائي». مصر والسودان تمسكتا بصياغة تحمي الاستخدامات والحقوق القائمة، بينما رفضت دول أخرى هذه الصياغة. وتؤكد مبادرة حوض النيل نفسها أن الخلاف على المادة 14 ظل العقدة الأخيرة بعد أكثر من عشر سنوات من التفاوض، وأن مصر والسودان اعترضتا على فتح الاتفاقية للتوقيع بصورتها التي لم تحسم هذه المسألة.

اتفاقية عنتيبي لا توزع المياه بالأرقام. وهذا فارق بالغ الأهمية. فهي تنتقل من نموذج 1959 القائم على كميات محددة إلى مجموعة مبادئ، في مقدمتها «الانتفاع المنصف والمعقول»، وعدم إحداث ضرر ذي شأن، وتبادل البيانات والإخطار بالمشروعات والتقييم البيئي. هذه المبادئ في ذاتها معروفة في قانون المجاري المائية الدولية، لكن المعركة الحقيقية تبدأ عندما نسأل: ما معنى «منصف»؟ وما وزن عدد السكان؟ وما وزن الاعتماد شبه الكامل على النهر؟ وما وزن الاستخدامات القائمة؟ وما وزن مساهمة كل دولة في مياه الحوض؟ ومن يملك في النهاية تفسير هذه المعايير إذا اختلفت الدول؟

هنا تكمن إحدى أخطر نقاط التحول. اتفاق 1959 يقول لمصر: لك 55.5 مليار متر مكعب. عنتيبي لا تقول ذلك. إنها تقدم منظومة مبادئ يجري في إطارها تحديد الحقوق والاستخدامات، بينما ظل بند الأمن المائي نفسه موضع خلاف. بل إن موقع مبادرة حوض النيل يقر بأن الجزء غير المحسوم من المادة 14 أرفق بالاتفاقية، على أن تتولى مفوضية حوض النيل البحث عن حل له بعد إنشائها. أي أننا لسنا أمام وثيقة حسمت أخطر سؤال، بل أمام وثيقة دخلت حيز التنفيذ لدى أطرافها بينما واحد من أهم أسئلتها السياسية والقانونية ما زال مفتوحا.

والأخطر أن عنتيبي لا تقف عند المبادئ. الاتفاقية تنشئ مفوضية دائمة لحوض نهر النيل تخلف مبادرة حوض النيل في الحقوق والالتزامات والأصول، وتضم هياكل لصناعة القرار والتنسيق في إدارة موارد الحوض. وهنا يتغير ميزان اللعبة. فالسد مهما بلغ حجمه مشروع، أما المؤسسة فهي التي تعيش بعد المشروعات والحكومات، وتراكم السوابق والقواعد والقرارات. مصر والسودان لم توقعا الاتفاقية، ومن ثم فهما غير ملزمتين قانونا بها، وهو أمر يؤكده نص مبادرة حوض النيل نفسه. لكن عدم الالتزام القانوني لا يلغي الخطر السياسي إذا تحول الإطار الذي لا نشارك فيه بمرور الوقت إلى المؤسسة الرئيسية التي تتحدث باسم أغلبية دول الحوض.

وهنا أفهم بصورة مختلفة عبارة الوزير الإثيوبي القديمة التي أعيد نشرها اليوم عن «تصحيح التفاوتات القائمة في استخدام مياه النيل». العبارة ليست تفصيلا إنشائيا. إنها تختصر رؤية سياسية كاملة: أن النظام السابق كان غير عادل وأن الاتفاقية الجديدة أداة لتغييره. وهذا حق إثيوبيا في أن تدافع عن رؤيتها، مثلما أن واجب مصر ألا تتعامل مع تلك الرؤية باعتبارها مجرد خلاف في المصطلحات. عندما يقول طرف إنه يريد «تصحيح» الوضع القائم، فعلى الطرف الآخر أن يسأل فورا: ما الذي تريدون تغييره؟ وبأي مقدار؟ وعلى حساب من؟

ثم نصل إلى المحطة التي أعتبرها الأكثر حاجة إلى مراجعة مصرية شجاعة: إعلان مبادئ سد النهضة في 23 مارس 2015. الوثيقة تضمنت عشرة مبادئ: التعاون، التنمية والتكامل والاستدامة، عدم التسبب في ضرر ذي شأن، الانتفاع المنصف والمعقول، التعاون في الملء الأول والتشغيل السنوي، بناء الثقة، تبادل المعلومات والبيانات، أمان السد، سيادة ووحدة إقليم الدول، والتسوية السلمية للمنازعات. وقد وقعها رؤساء مصر والسودان وإثيوبيا في الخرطوم.

المشكلة لم تكن في أسماء المبادئ. من يعترض على التعاون أو عدم الإضرار أو أمان السد؟ المشكلة كانت في المقابل القانوني والعملي الذي حصلت عليه مصر لحظة التوقيع. ففي 1959 كانت الحقوق محددة بالمتر المكعب. وفي عنتيبي قاومت مصر نصا رأت أنه لا يحمي بوضوح أمنها المائي واستخداماتها القائمة. ثم في 2015 وقعت على وثيقة تتعامل مع سد النهضة باعتباره واقعا، وتقر بمبدأ الانتفاع المنصف والمعقول، وتربط قواعد الملء الأول والتشغيل بنتائج الدراسات والتوافق، من دون أن يكون قد تم قبل التوقيع حسم اتفاق تفصيلي نهائي وملزم يحدد كميات التصرفات المائية في مختلف الظروف، خاصة الجفاف والجفاف الممتد.

وهذه هي المفارقة التي ما زالت تستحق المساءلة بعد أحد عشر عاما: إذا كانت مصر قد رفضت في عنتيبي ترك أمنها المائي لصياغات مفتوحة، فلماذا انتقلت في 2015 إلى توقيع إعلان لا يتضمن رقما واحدا يضمن الحد الأدنى من التدفقات إليها؟ وإذا كان الإعلان قد أريد له أن يكون جسرا إلى اتفاق نهائي، فأين ذلك الاتفاق اليوم؟

المبدأ الثالث في إعلان 2015 يحظر التسبب في ضرر ذي شأن، لكنه ينظم أيضا كيفية التشاور لتخفيف الضرر أو إزالته والتعويض عنه عند الاقتضاء. والمبدأ الرابع يتبنى «الانتفاع المنصف والمعقول» ويعدد عوامل تقديره. هنا حدث تحول مهم في اللغة القانونية المستخدمة بين الأطراف الثلاثة: مصر لم تعد تتحدث داخل هذه الوثيقة فقط من نقطة رقم ثابت موروث، بل دخلت إطارا تتجاور فيه استخداماتها القائمة مع عوامل أخرى تدخل في تقدير الإنصاف. هذا لا يعني قانونا أنها تنازلت تلقائيا عن حصتها، ولا يجوز القفز إلى هذه النتيجة، لكنه يعني أن ساحة الجدل القانوني اتسعت، وأن حماية الرقم التاريخي لم تعد مكتوبة في إعلان 2015 بالنص الذي كانت القاهرة تطلبه في مفاوضات الأمن المائي السابقة.

أما المبدأ الخامس، وهو قلب القضية، فقد تحدث عن التعاون في الملء الأول وإدارة السد والتشغيل السنوي، ووضع إطارا للمفاوضات حول القواعد. لكن السنوات التالية أثبتت المشكلة العملية القاتلة: لم يتحول هذا الإطار إلى اتفاق نهائي ملزم قبل أن يصبح السد حقيقة مكتملة وتتم عمليات الملء والتشغيل. وهكذا تحرك الواقع أسرع من القانون، وهي أخطر معادلة يمكن أن تواجهها دولة مصب.

والمبدأ العاشر الخاص بتسوية المنازعات يوضح مأزقا آخر. فهو يبدأ بالتفاوض والتشاور، ثم يسمح للأطراف مجتمعين بطلب التوفيق أو الوساطة أو رفع الأمر إلى رؤساء الدول والحكومات. لكنه لا ينشئ آلية تحكيم إجباري تلقائية يستطيع طرف واحد تشغيلها عند فشل المفاوضات، ولا إحالة تلقائية إلى قضاء دولي ملزم. وعندما يكون الخلاف بين طرف يريد الوقت وطرف يخشى أثر مرور الوقت، يصبح غياب آلية الحسم الإلزامي جزءا من المشكلة وليس تفصيلا إجرائيا.

لذلك أجد من الصعب بعد كل ما جرى أن أقبل العبارة المبسطة التي تقول إن 2015 كان مجرد «إعلان حسن نوايا». مصر نفسها قدمته في المحافل الدولية باعتباره اتفاقا ساريا وملزما ينبغي احترامه، ومن ثم لا يجوز لنا عند تقييمه أن نصغره عندما تظهر آثاره ثم نكبره عندما نطالب إثيوبيا بتنفيذه. الوثائق تحاكم بنتائجها أيضا. وقد أكدت مصر أمام مجلس الأمن أن إعلان 2015 من الاتفاقيات السارية والملزمة التي يتعين احترامها.

إذا وضعت الأوراق الثلاث أمامي في سطر واحد أرى مسارا ينبغي أن يقلق كل مصري: 1959: رقم محدد وحقوق مكتسبة بين مصر والسودان. عنتيبي: محاولة لإقامة نظام جديد يقوم على الانتفاع المنصف والمعقول من دون الاعتراف بالصيغة التي طلبتها مصر لحماية الاستخدامات والحقوق القائمة. 2015: قبول مصري بإطار مبادئ خاص بسد النهضة من دون حسم مسبق لاتفاق تفصيلي ملزم للتشغيل والملء والجفاف. 2024: دخول عنتيبي حيز النفاذ بالنسبة للدول الأطراف وإنشاء الأساس القانوني لمفوضية دائمة. 2026: عودة الرواية الإثيوبية القديمة فجأة إلى واجهة الأخبار وكأن الحدث وقع بالأمس.

وليس صحيحا أن دخول عنتيبي حيز النفاذ يعني أنها أصبحت ملزمة لمصر. هذه نقطة يجب أن نكون دقيقين فيها حتى لا نضعف قضيتنا بالمبالغة. مبادرة حوض النيل نفسها تقول صراحة إن الدولة التي لا توقع أو تصدق الاتفاقية ليست ملزمة بها، ومصر لم توقع عليها. لكن القانون شيء، وتراكم الواقع السياسي والمؤسسي شيء آخر. الخطر هو أن تصبح أغلبية دول الحوض مع مرور الوقت جزءا من نظام قانوني ومؤسسي واحد، ثم يجري التعامل دوليا مع هذا النظام باعتباره التعبير العملي عن إدارة الحوض، فتجد مصر نفسها تدافع من خارجه عن مصالح لا تحتمل أن تصبح رأيا أقلية.

وهناك خطأ آخر علينا ألا نكرره. ليس صحيحا أن نص اتفاقية عنتيبي نفسه سري أو مجهول؛ النص متاح. لكن ما لا يعرفه المواطن المصري بالقدر الواجب أخطر من مجرد النص: ما تقييم الدولة مادة بمادة لآثاره بعد دخوله حيز النفاذ؟ ما خطتها تجاه المفوضية الجديدة؟ ما السيناريو إذا انضمت دول أخرى؟ ما المساحة القانونية المتاحة لمصر؟ ما البدائل التي طرحتها القاهرة؟ ما الذي تغير في موقف السودان بعد الحرب؟ وما خطة مصر إذا تحولت قواعد «الانتفاع المنصف» مستقبلا إلى مشروعات متتابعة في أعالي النيل؟ هذه ليست أسرارا عسكرية. هذه أسئلة وجودية من حق الشعب أن يعرف كيف تفكر دولته فيها.

وأقول بوضوح ما قد يبدو قاسيا: ليس سد النهضة هو نهاية الخطر، بل ربما كان بدايته الأكثر وضوحا. السابقة هي الأخطر. عندما يصبح ممكنا إقامة سد بهذا الحجم وملؤه وتشغيله قبل اتفاق قانوني نهائي مع دولة يعتمد وجودها المائي على النهر، فإن السؤال لا يعود فقط عن هذا السد، بل عن السد التالي، والمشروع التالي، والتوسع التالي، والنظام القانوني الذي ستستند إليه دول المنبع في المستقبل.

مصر هنا ليست دولة غنية بالأنهار تجادل على نسبة أفضل في محفظة واسعة من الموارد. نحن بلد شديد الجفاف، والنيل بالنسبة إلينا ليس اختيارا بين اختيارات. يستطيع المرء أن يجادل طويلا في مفهوم «العدالة»، لكن العدالة التي تتجاهل درجة اعتماد كل شعب على المورد تصبح حسابا بلا بشر. الفرق بين متر مكعب يضاف إلى موارد دولة تمتلك أمطارا وأحواضا مائية متعددة، ومتر مكعب ينتقص من بلد صحراوي يعتمد بصورة شبه كاملة على النيل، ليس فرقا عاطفيا؛ إنه جزء من حقيقة الإنصاف ذاتها.

وأنا لا أطلب خطابا صاخبا ولا مزايدة قومية ولا تهديدات لا نملك أدواتها. أطلب العكس تماما: دولة باردة الأعصاب، قوية المعلومات، طويلة النفس؛ تعيد بناء الجبهة المصرية السودانية كلما سمحت ظروف السودان، وتستعيد حضورها الحقيقي في دول الحوض، وتربط التنمية والاستثمار والتجارة والأمن بالدبلوماسية المائية، وتبني ملفا قانونيا دوليا لا يترك وثيقة ولا سابقة ولا ضررا محتملا بلا توثيق، وتضع قضية النيل حيث ينبغي أن تكون: فوق الحكومات، وفوق الخصومات، وفوق حسابات اليوم الواحد.

كما أطالب، من موقع المعارضة، بمراجعة وطنية مستقلة لحصيلة إعلان 2015. ليست محاكمة سياسية لمن وقعه، وإنما حساب دولة: ماذا أخذنا؟ ماذا أعطينا؟ ماذا تحقق من الدراسات؟ ما الذي لم ينفذ؟ ما القيمة القانونية التي بقيت لنا؟ هل كان ممكنا الحصول على ضمانات أقوى؟ وما الذي ينبغي ألا يتكرر في أي اتفاق مقبل؟ الخطأ في السياسة يمكن الاعتراف به وتصحيحه؛ أما الإصرار على أن كل قرار كان صائبا لأن الدولة اتخذته، فهو الطريق الأقصر لتكرار الخطأ.

وأعود إلى الخبر الذي بدأ منه كل شيء. CNN بالعربية نشرت اليوم، 16 أغسطس 2026، مادة تقدم للقارئ تصريحات إثيوبية عن دخول اتفاقية الإطار التعاوني حيز النفاذ، بينما التصريحات الأصلية تعود إلى 13 و14 أكتوبر 2024، والنفاذ نفسه حدث يوم 13 أكتوبر من ذلك العام. هذه واقعة ثابتة، أما لماذا أعيد ضخها الآن فليس لدي ما يسمح بالجزم. وقد يكون وراءها قرار تحريري بسيط، وقد يكون استدعاء ملف عاد إلى دائرة الاهتمام، وقد يكون شيئا آخر. لكن الصحفي والسياسي لا يملك رفاهية أن يرى حدثا غريبا ثم يتظاهر بأنه عادي.

ما أعرفه الآن أن الخطر الحقيقي لا يحتاج إلى نظرية مؤامرة كي نراه. يكفي أن نضع الوقائع إلى جوار بعضها: سد بدأ عام 2011 وتحول إلى حقيقة ضخمة من دون اتفاق نهائي ملزم على تشغيله؛ إعلان مبادئ وقعته مصر عام 2015 ولم ينتج حتى اليوم الاتفاق الذي كان مأمولا أن يقود إليه؛ اتفاقية عنتيبي رفضتها مصر والسودان ثم أصبحت نافذة بين أطرافها في أكتوبر 2024؛ مفوضية دائمة يجري بناء شرعيتها المؤسسية؛ وخطاب إثيوبي لا يخفي أنه يريد «تصحيح» ما يعتبره اختلالا تاريخيا في استخدام مياه النيل.

هذه الوقائع وحدها تكفيني كي أقول إن الملف تجاوز منذ زمن سؤال: هل سد النهضة خطر أم لا؟ نحن أمام سؤال أكبر: أي نظام سيحكم النيل خلال العقود القادمة، وأين ستكون مصر داخله؟ هل تبقى مصر صاحبة حق قادر على حماية نفسه بالقانون والدبلوماسية والتحالفات والقدرة السياسية؟ أم تتحول بالتدريج إلى دولة تحتج على قواعد يكتبها آخرون ثم تطلب منهم بعد ذلك مراعاة ظروفها؟

لا أقبل لمصر الموقع الثاني. ولا أعتقد أن مصريا، مؤيدا كان أو معارضا، يستطيع قبوله. اختلافنا على الحكم واسع وعميق، لكن النيل أقدم من كل نظام وأبقى من كل رئيس وأهم من كل حزب. والحكومة التي تدير الملف اليوم سترحل يوما، والمعارضة ستتغير، والأجيال ستتبدل، لكن الجغرافيا لن تتبدل معنا.

لهذا أريد من الدولة أن تقول للمصريين الحقيقة كاملة، لا الحقيقة المريحة. أن تنشر تقييمها لما جرى، وأن تشرح أين نقف، وأن تفتح أبواب هذا الملف لخبراء مصر في القانون والمياه والهندسة والاقتصاد والأمن والدبلوماسية، لا أن يظل حكرا على دائرة ضيقة ثم نكتشف نتائج قراراتها بعد سنوات. أريد موقفا مصريا صلبا لا متشنجا، عاقلا لا مستسلما، يدرك حقوق الآخرين من دون أن يحول حقوق مصر إلى مادة للتفاوض المفتوح.

وربما كان هذا هو المعنى الوحيد المفيد لذلك الخبر القديم الذي عاد إلينا اليوم: أنه أيقظ سؤالا كان ينبغي ألا ينام أصلا.

لماذا يعود خبر عمره قرابة عامين الآن؟ لا أعرف بعد. لكنني أعرف ما هو أهم: أن النهر الذي صنع مصر لا يجوز أن نعرف مستقبل قواعده من خبر قديم يعاد نشره مصادفة أو بغير مصادفة.

النيل ليس بندا في سياسة خارجية، ولا ملفا تفاوضيا يمكن ترحيله من اجتماع إلى اجتماع. بالنسبة لدول كثيرة هو مورد مهم، أما بالنسبة لمصر فهو الحد الفاصل بين أن تبقى أرضها قادرة على حمل شعبها، وبين أن يبدأ العطش في إعادة رسم مستقبلها.

ومن حق الآخرين أن يبحثوا عن مصالحهم كما يرونها، لكن واجبنا نحن ألا ننسى، ولو للحظة واحدة، أن حق مصر في النيل ليس حقا في مزيد من الرفاه… بل حقها في الحياة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى