ذاكرة التاريخملفات وتقارير

ذاكرة التاريخ: بايوكي أقدم دار مجوهرات في قلب المحروسة العريق

استحوذت دار بايوكي للمجوهرات على مكانة استثنائية بوصفها أعرق متجر للحلي في الشرق الأوسط أجمع. تقع هذه التحفة التاريخية في قلب شارع عبد الخالق ثروت وسط العاصمة، حيث يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1900 لتكمل مسيرة 125 عامًا من الإبداع. أسست عائلة بايوكي الإيطالية هذا الصرح العظيم امتدادًا لفروعها العالمية، وظلت الأجيال المتعاقبة من العائلة تتوارث أسرار الصنعة والمهنة العريقة، حتى باتت رمزًا للفخامة والرقي التي يشار إليها بالبنان على مر السنين الطويلة.

أكد باولو الجد الأكبر للعائلة بصمته الفنية حين أصبح الجواهرجي الخاص للأسرة الحاكمة، مما رسخ أقدام الدار في عالم النخبة. استمر راؤول الابن الأخير في حمل الأمانة والحفاظ على الإرث الضخم الذي يضم أوسمة استحقاق ودرجات فارس وضابط، بالإضافة إلى احتفاظه بالجنسية المحلية. تعكس الديكورات الخشبية القديمة المصبوغة باللون الأسود والمطعمة بماء الذهب، بجانب الكتابات العتيقة على الواجهات الزجاجية، روح الزمن الجميل الذي يعتز به كل زائر لهذا المكان الاستثنائي المليء بالأسرار.

يحتوي المتجر على خزانة حديدية أسطورية دخلت الموسوعة العالمية للأرقام القياسية بفضل مواصفاتها التي لا تضاهى. يبلغ عرض هذه الخزانة مترًا وارتفاعها مترًا بعمق يصل إلى 2 متر، بينما يتجاوز سمك بابها الحديدي 30 سنتيمترًا، وهي مواصفات هندسية فريدة صنعت في إيطاليا ونقلت عبر البواخر التجارية. لا تزال هذه الخزانة العملاقة تعمل بكفاءة حتى يومنا هذا، وتعد شاهدًا على دقة الصناعة القديمة التي تحتفظ بداخلها بكنوز من المصوغات المطعمة بأثمن الأحجار الكريمة النادرة.

تميز بايوكي منذ بزوغ فجره بجذب صفوة المجتمع وأثرياء الطبقات الراقية، نظرًا لتفرد القطع المعروضة التي لا يمكن العثور عليها في أي مكان آخر. استطاع الجد المؤسس كسب ثقة البلاط الملكي منذ عام 1900، حيث اعتاد أفراد الأسرة الحاكمة اقتناء التيجان والنياشين والسيوف المرصعة بالألماس الفريدة. كانت هذه القطع النادرة تشكل هدايا استثنائية للملوك والأمراء العرب والأجانب، مما جعل الدار قبلة للسياسيين وقادة الدول الذين بحثوا عن التميز في أدق التفاصيل الجمالية والمصوغات الذهبية المتقنة.

شهدت أروقة بايوكي حضور شخصيات تاريخية بارزة تركت بصمات لا تنسى على جدران المحل العتيق. اعتادت كوكب الشرق أم كلثوم التردد على المكان بنفسها لانتقاء قطعها المميزة التي تليق بمكانتها الفنية الرفيعة. كما أهدى الرئيس الراحل أنور السادات كتابه الخاص بتوقيعه للدار، وشكلت المجوهرات التي تزينت بها السيدة جيهان السادات جزءًا من إرث المحل العريق. تعاملت الدار كذلك مع زوجة شاه إيران وملك إيطاليا السابق وعدد كبير من الأمراء والنجوم ورجال الأعمال الذين قدروا قيمة الفن الرفيع.

يحرص ورثة بايوكي على استمرار العمل والاحتفاظ بأصالة وعراقة هذا الصرح التاريخي الذي صمد أمام تغيرات الزمن لأكثر من 125 عامًا. تم إدراج المحل ضمن المقتنيات الأثرية تقديرًا لدوره المحوري في الحفاظ على تراث الحلي والمجوهرات النادرة التي تمثل حقبًا زمنية غنية. يظل بايوكي شاهدًا على حقبة ذهبية من التاريخ، حيث تمتزج الحرفية الإيطالية بالأناقة المحلية، ليقدم نموذجًا فريدًا في عالم المجوهرات التي لا تفقد بريقها أبدًا مهما تقدمت السنوات أو تبدلت الأجيال.

يعتبر بايوكي اليوم ليس مجرد متجر للمجوهرات بل متحفًا مصغرًا يروي حكاية عائلة نذرت نفسها للفن والجمال. يسعى الكثيرون لزيارة هذا المكان ليس فقط للشراء، بل للاستمتاع برؤية القطع النادرة التي صنعت خصيصًا لملوك وأمراء. تظل الدار شامخة في موقعها الإستراتيجي، محتفظة بهويتها التي تمزج بين التاريخ والأصالة، لتظل عنوانًا ثابتًا لكل باحث عن الفخامة والقطع التي تحمل في طياتها قصصًا من عبق التاريخ الذي لا يمحى.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى