حدث في مثل هذا اليومملفات وتقارير

«زي النهارده».. ذكرى العيد الأول للعلم تحت رعاية التاج الملكي

شهد يوم 17 أغسطس من عام 1944 حدثا تاريخيا بارزا تجسد في الاحتفال بالعيد الأول للعلم، وهي المناسبة التي عكست اهتمام السلطة آنذاك برعاية العقول الشابة وتوجيه طاقاتهم نحو بناء مستقبل مشرق للوطن، حيث حرص العاهل الذي كان يتربع على العرش على إلقاء كلمة تاريخية اتسمت بالبلاغة اللغوية الرفيعة، مؤكدا خلالها على الروابط الوثيقة بين الشباب وبين أهداف الأمة الطموحة في استعادة المجد والسيادة.

أكد صاحب الجلالة في كلمته التي وجهها لشباب العلم على أهمية المرحلة المقبلة، مشيرا إلى أن ما مضى من أيام لا يمثل سوى بداية بسيطة لما هو آت من مسؤوليات جسام تتطلب جهدا مضاعفا وكفاحا متواصلا، حيث دعا الجميع إلى التسلح بالقوة والعزيمة لمواجهة تحديات الغد التي تتسم بالصعوبة والجدية، مشددا على ضرورة استيعاب علوم العصر المتجددة، فالعلم في نظره هو الوسيلة الوحيدة للحاق بموكب الحياة المتسارع في ظل عالم لا يعترف بغير الأقوياء.

حث جلالته شباب النيل على تكريس كافة قدراتهم الفكرية والعاطفية والبدنية في خدمة الأرض التي تحتضن آمالهم، مشيرا إلى أن المسؤولية الملقاة على عاتقهم تستوجب الإيمان بالله وبحقوق البلاد، مع الاعتزاز العميق بالهوية الوطنية التي تجمعهم، فليس شرطا أن يكون المرء علامة فارقة في مجاله، لكن الواجب الأول هو التفاني في خدمة المصلحة العامة، وجعل تحقيق الآمال أو تحمل الآلام أمرا مرتبطا ارتباطا وثيقا برفعة الوطن وعزته في كل الظروف.

انطلقت هذه الرسالة من داخل أروقة قصر عابدين في الثامن والعشرين من شعبان عام 1363 هجريا، الموافق السابع عشر من أغسطس عام 1944 ميلاديا، حاملة بين طياتها دعوة صريحة للحاضرين بضرورة نقل هذا العهد والميثاق إلى الغائبين، مع توجيه تحية إجلال وتقدير للأهالي الذين بذلوا جهودهم في التربية، وللأساتذة الذين تفانوا في التثقيف، داعيا الله أن يوفقهم إلى سبيل الرشاد في مسيرتهم العملية والعلمية، كنموذج يحتذى به في التفاعل الإيجابي بين القيادة والشباب.

استمر الاحتفال بهذا اليوم العظيم بشكل دوري وسنوي منتظم طوال فترة استمرار النظام الملكي في البلاد، حيث كان يعتبر موعدا مقدسا للاحتفاء بالعقول المبدعة والباحثين، وظل هذا التقليد قائما لسنوات طويلة حتى حدوث التحول السياسي الكبير في منتصف القرن العشرين، والذي أدى بدوره إلى سقوط الملكية وتغيير ملامح الاحتفالات الوطنية، ليقرر بعدها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إدخال تعديلات جوهرية على مواعيد العياد والمناسبات الرسمية لتعكس التوجهات الجديدة للسلطة.

أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في وقت لاحق عن قراره بتغيير موعد الاحتفال بعيد العلم، ليصبح يوم 21 ديسمبر من كل عام، وهو التاريخ الذي يوافق ذكرى افتتاح جامعة القاهرة في عام 1908، مما يعد تحولا رمزيا يربط بين العلم وبين المؤسسات الأكاديمية العريقة، ليبقى يوم 17 أغسطس شاهدا على صفحة مضيئة من تاريخ البلاد، تذكرنا دائما بقيمة العلم وأهمية دور الشباب في قيادة مسيرة البناء والتنمية في مختلف العصور والأزمنة.

استمرت هذه التقاليد في التطور لتصبح جزءا لا يتجزأ من التراث الوطني الثقافي، حيث ظل التنافس بين الأجيال في تحصيل العلوم وخدمة المجتمع هو المحرك الأساسي للتقدم، ورغم تغير المواعيد وتطور السياسات، تبقى قيم الإخلاص للوطن والتفاني في العمل هي الركيزة التي يرتكز عليها بناء المستقبل، وتلك هي الدروس المستفادة من تاريخنا الحافل بالإنجازات التي سطرها شباب العلم في كل حقبة زمنية، ليظل البحث عن التميز هو الغاية الكبرى.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى