الدكتور أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب.. مجدي مهنا حين يتكلم الصمت

في رحلتي الطويلة مع الصحافة، أدركت أن الصحفيين، شأنهم شأن الكتابة، طبائع لا تتشابه.
عرفت زميلاً عزيزاً، من كبار المثقفين، إذا حدثك أخرج من خزائن العربية ما يكاد يحتاج إلى قاموس، فإذا أمسك القلم فاجأك بعامية لا تكاد الفصحى تجد بينها موضع قدم. وعرفت من يتحدث كثيراً ويكتب قليلاً، ومن يكتب كما لو أنه يخشى أن تفلت منه الكلمات إن ترك للصمت دقيقة واحدة.
وعرفت صنفاً آخر، ظل دائماً الأقرب إلى قلبي…
أولئك الذين يبدو صمتهم من بعيد غموضاً، وربما حسبه البعض انطواءً أو عزوفاً عن الناس، بينما هو في الحقيقة ازدحام داخلي لا يجد طريقه إلى اللسان.
لا يتحدثون كثيراً، لأن في أرواحهم كلاماً أكبر من أن يقال عابراً. فإذا جلسوا إلى الورق، سالت المشاعر من أقلامهم كما يسيل الدمع من عين ظلت طويلاً تقاوم البكاء.
كان مجدي مهنا واحداً من هؤلاء.
قليل الحديث… وفير الشعور.
هادئ الحضور، صاخب الضمير. لا يرفع صوته كثيراً، لكن قلمه كان يعرف كيف يطرق الأبواب المغلقة، وكيف يضع إصبعه فوق الجرح دون أن يخشى الدم.
تزاملنا سبعة عشر عاماً في الوفد. كما بدأنا سويا في ذات اليوم العمل في قناه دريم التلفزيونيه التي كانت اول قناه تلفزيونيه خاصه كان برنامج اسمه في المليان وكان برنامجه اسمه في الصميم
كان الانتقال الى الصحافه المتلفزه في هذا الوقت المبكر مغامره لم انجح في الحفاظ عليها بسبب مواقفي السياسيه بينما نجح صديقي الحكيم مجدي مهنا ،كان يكبرني بسنوات، لكن الأعمار تفقد كثيراً من حساباتها حين تنشأ بين اثنين ألفة إنسانية حقيقية.
كان قريباً إلى القلب، قليل الادعاء، لا يستعرض ثقافته ولا يلوّح بمواقفه. وفي لحظات الصفاء كان يقول لي عبارة لم أنسها:
«أدعو الله لك ألا يكون حظك في الدنيا مثل حظي».
كنت أسمعها يومها كجملة عابرة من رجل أتعبته الحياة وكان بالفعل لديه حظ سيء في الحياه الاجتماعيه.
وبعد رحيله، صرت أسمع صدي هذه الجملة بكل ما فيها ؛من نبوءة حزن صغيرة، خرجت من قلب يعرف نصيبه، لكنه لم يفقد قدرته على أن يتمنى للآخرين نصيباً أفضل.
وكان مجدي، بالنسبة لي، صورة مختلفة عن كثير من الزملاء القادمين من مدرسة روز اليوسف، لم يكن يساري الهوى بالمعنى التقليدي، بقدر ما كان أقرب إلى ليبرالية اجتماعية هادئة؛ تؤمن بالفرد وكرامته، دون أن تنسى المجتمع وحقوقه، وتنحاز إلى الحرية دون أن تجعل منها باباً للأنانية.
كان يدرك أن الإنسان ليس رقماً في قطيع، وأن المجتمع ليس ذريعة لسحق الإنسان.
وفي هذه المسافة الدقيقة، عاش وكتب واختلف.
في 18 أغسطس 1956 وُلد مجدي مهنا.
وحين أتذكره في ذكرى ميلاده، لا أتذكر صحفياً كان يجيد صناعة المعارك فقط، بل رجلاً خاض معارك أكبر من الصحافة.
وقف أمام أباطرة الفساد، وطارد بقلمه رموزاً ظنت أن السلطة تمنح أصحابها حصانة من السؤال. كان قلمه حاداً حين يتعلق الأمر بالمال العام والحرية وحق الناس، لكنه لم يكن قاسياً في الحياة.
فالذين يقسون على الخطأ ليسوا بالضرورة قساة القلوب.
كان مجدي من أولئك الذين يحملون سيوفهم في وجه الظلم، ثم يعودون إلى بيوتهم بقلوب شديدة الرقة.
ثم جاءه عدو لا يصلح معه قلم ولا مقال.
المرض.
ذلك الخصم الذي لا يقف أمامك كي تواجهه، ولا يمنحك شرف المبارزة. يتسلل إلى الجسد في صمت، ويحتل أرضه شبراً بعد شبر، بينما يظل صاحبه يتظاهر أمام الآخرين بأن كل شيء بخير.
على امتداد نحو أربع سنوات، عاش مجدي مع آلام الكبد وعلاجاته الثقيلة. وفي الشهور الأخيرة من عام 2004 بدأت علامات التعب تعلن نفسها، ثم كشفت الفحوص إصابته بفيروس «سي».
ومع ذلك، رفض أن يجعل مرضه خبراً.
لم يشأ أن يحول وجعه إلى مادة للشفقة، ولا أن يضع ألمه الشخصي بينه وبين آلام الناس.
ظل يكتب «في الممنوع» في المصري اليوم، كأن موعده مع قارئ مجهول في الصباح أهم من موعده مع الألم.
كتب من المستشفى.
وكتب وهو بين جلسات العلاج.
وكان الأطباء يفرغون من مهمتهم، فيعود هو إلى مهمته؛ يمسك القلم، ويطل على الناس بما يؤرقهم هم، لا بما يؤلمه هو.
كأن الكتابة كانت طريقته الخاصة في مقاومة المرض.
أو كأنه كان يقول للجسد المتعب: يمكنك أن تأخذ مني ما تشاء، إلا هذه المساحة الصغيرة التي بين أصابعي والورقة.
والأجمل، وربما الأكثر إيلاماً، أنه حين أصبح هو المحتاج إلى الدولة التي ظل يحاسبها، رفض العلاج على نفقتها.
لم يحول تاريخه الصحفي إلى فاتورة.
ولم يعتبر معاركه القديمة رصيداً مستحقاً للصرف.
رفض عروض المسؤولين، واحتفظ بمرضه لنفسه، كما احتفظ بكرامته حتى النهاية.
كان يستطيع أن يكتب عن ألمه، فكتب عن آلام الآخرين.
وكان يستطيع أن يطلب لنفسه، فظل يسأل عن حقوق الناس.
وكان يستطيع، وهو على سرير المرض، أن يقول: أنا أولاً.
لكنه عاش وفي قلبه معنى آخر:
الناس أولاً.
ربما لهذا بقيت عبارته الإنسانية البسيطة أكثر ما يلخصه في ذاكرتي:
«أجد نفسي سعيداً لأنني أحب الآخرين».
بعض الناس يبحثون عن السعادة في ما يأخذونه من الحياة، وبعضهم يجدها في ما يتركونه فيها.
ومجدي مهنا ترك قلمه، ومواقفه، وصمته النبيل، وشيئاً من روحه موزعاً بين الذين أحبوه، وبين قراء ربما لم يلتق بهم يوماً.
رحل الجسد…
أما ذلك الرجل قليل الكلام، كثير الشعور، فما زال كلما فتحت الذاكرة نافذة، يدخل منها هادئاً كما كان، يجلس دون ضجيج، ويترك للقلم أن يقول ما لم يقله اللسان.
وهكذا وحدهم بعض البشر…
يصمتون طويلاً في الحياة، ثم يظل صداهم يتكلم بعد الغياب.







