اتفاقية مكة الدفاعية تقلب موازين القوى وتضع بكين أمام اختبار استراتيجي جديد

تثير اتفاقية مكة الدفاعية المبرمة بين السعودية وتركيا وباكستان حالة من الارتباك داخل الدوائر الاستراتيجية في الصين، حيث ترحب العاصمة بكين من زاوية بتآكل الهيمنة الأمنية الأحادية للولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي، لأن تحالفاً دفاعياً مكتفياً ذاتياً يجمع قوى إقليمية وازنة يتماشى تماماً مع الرؤية الصينية لنظام عالمي متعدد الأقطاب تتولى فيه الأطراف الإقليمية إدارة أمنها بنفسها بعيداً عن الوصاية الخارجية.
تبحث الإستراتيجية الصينية عن استقرار مضطرد في البحر الأحمر والخليج العربي لحماية طرق التجارة البحرية وخطوط الإمداد الحيوية للطاقة ضمن مبادرة الحزام والطريق، غير أن المخاطر تبدو جسيمة وتتمثل في تهديد التوازن الدبلوماسي الحساس للعملاق الآسيوي في الشرق الأوسط وتحديداً شراكتها مع إيران. اعتمدت بكين مطولاً على النفط الإيراني ورسخت مكانتها كوسيط محايد توج بوساطة التقارب السعودي الإيراني في عام 2023، لتقليص مساحات المناورة حال اندلاع صراع بين تكتل مكة وطهران، وهو ما يضع الحكومة الصينية في مفترق طرق بين موردي الطاقة الكبار وشركائها في جنوب آسيا.
تفرض اتفاقية مكة التزاماً دفاعياً مشتركاً يجعل أي هجوم مسلح ضد أي طرف عدواناً على الجميع، مستندة إلى اتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية الموقعة في شهر سبتمبر الماضي، لتربط هذه المنظومة الثلاثية رأس المال المالي الخليجي بالقوة الصناعية والعسكرية لدولة عضو في حلف شمال الأطلسي والقدرة النووية لباكستان.
تحديات الصناعات الدفاعية وتغير السياسات
ترى النخبة البحثية الصينية أن اندماج رأس المال السعودي والتكنولوجيا العسكرية التركية والأيدي العاملة الباكستانية يؤسس لكتلة مستقلة لردع التهديدات دون التنازل للسيادة الكبرى، وتعتبر التقديرات أن الاتفاقية تمثل تحدياً لطموحات الصين الدفاعية لتنافس طائرة كان التركية ومسيراتها المتقدمة مع مقاتلات إف سي-31 الشبحية وطائرات وينغ لونغ في أسواق الخليج وباكستان، إلى جانب الحذر من النفوذ التركي المتنامي في جنوب آسيا ومحيط الصين الغربي.
أكد الباحث ماو يانغ في تصريحات صحفية أن الاتفاقية تدفع بكين لإعادة تقييم استراتيجيتها الشرق أوسطية والتحول من دور المحرك الاقتصادي إلى قوة دبلوماسية فاعلة للتأثير على صناع القرار وحماية أمنها وطاقتها. تتطلب هذه المرحلة مزيداً من الحذر تجاه الصراعات العسكرية بالمنطقة وتحييد الصدامات، دون إهمال الروابط الاقتصادية ومشاريع الحزام والطريق التي تعزز نفوذ بكين مع اتساع ربط اقتصادات تلك البلدان.
أشار ماو يانغ إلى أن بلاده تستثمر ثمار اتفاقية الدفاع المشترك في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية خارج التصورات الأمريكية، معتبرة الخطوة مؤشراً على نهاية حقبة الهيمنة الأمنية المستمرة منذ نهاية الحرب الباردة وتحرك حلفاء واشنطن خارج مدارها لضمان المصالح الخاصة.
البراغماتية الصينية ومستقبل التحالفات الإقليمية
أوضح أستاذ العلاقات الدولية جيانغ لي أن التحالفات الدفاعية تعكس هواجس الحلفاء في الخليج وآسيا، مشيراً إلى أن علاقات الصين الجيدة مع أطراف التحالف كباكستان والسعودية تمنحها اندماجاً غير مباشر في شراكات أمنية وعسكرية تشمل صفقات الأسلحة ومعسكرات التدريب. يمثل تراجع المظلة الأمنية الأمريكية فرصة للوجود العسكري وتوسيع النفوذ وتحديث ترسانة الصاروخية والجيش بفروعه البحرية والجوية ووحدة الدعم الاستراتيجي.
أفادت وسائل إعلام صينية بأن الموقف الرسمي لبكين سيظل براغماتياً وداعماً بحذر للشراكة الدفاعية تحت شعار السيادة الإقليمية وعدم التدخل الغربي لضمان الاستقرار، بينما ستتحرك الدبلوماسية غير الرسمية لضمان عدم تحول التكتل إلى كيان معادي لإيران تفاديًا لاندلاع صراع إقليمي أوسع.







