مصر

الأزهر الشريف.. أول جامع أُنشئ في قاهرة المعز ومنارة للعلم منذ أكثر من ألف عام

يُعد الجامع الأزهر أحد أقدم وأشهر المساجد في مصر والعالم الإسلامي، وأول جامع أُنشئ في مدينة القاهرة عقب تأسيسها في العصر الفاطمي، قبل أن يتحول عبر أكثر من ألف عام إلى واحدة من أبرز المؤسسات الدينية والعلمية في العالم الإسلامي.

بدأت قصة الأزهر مع تأسيس القاهرة على يد القائد الفاطمي جوهر الصقلي، الذي أنشأ المدينة لتكون مقرًا للخلافة الفاطمية، وأطلق عليها في البداية اسم «المنصورية»، قبل أن تعرف لاحقًا بالقاهرة.

ووُضع أساس الجامع في جمادى الأولى سنة 359 هجرية، الموافق عام 970 ميلادية، واكتمل بناؤه في شهر رمضان سنة 361 هجرية، الموافق عام 972 ميلادية، ليصبح أول جامع يُقام في قاهرة المعز.

من «جامع المنصورية» إلى الأزهر

عُرف المسجد في بدايته باسم «جامع المنصورية»، نسبة إلى المدينة التي شُيد فيها، كما عُرف في بعض المراحل باسم «جامع القاهرة»، قبل أن يستقر اسمه لاحقًا على «الجامع الأزهر».

واختلف المؤرخون في تفسير سبب إطلاق اسم «الأزهر» عليه، إذ ترجح إحدى الروايات ارتباط الاسم بالسيدة فاطمة الزهراء، ابنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في ظل انتساب الدولة الفاطمية إليها.

وتذهب رواية أخرى إلى ارتباط التسمية بما عُرف بـ«القصور الزاهرة»، وهي قصور الخلفاء الفاطميين التي أقيمت في القاهرة، وما أحاط بها من حدائق ومنشآت ملكية.

عمارة الأزهر وتوسعاته عبر العصور

بُني المسجد في صورته الأولى على هيئة قاعة للصلاة تضم خمسة ممرات، إلى جانب فناء مركزي، قبل أن يشهد على مدار تاريخه توسعات متتالية أضافت إليه منشآت وعناصر معمارية جديدة.

وتعكس عمارة الأزهر تعاقب الدول والحكام على مصر، إذ تركت كل حقبة تقريبًا بصمتها على المسجد، سواء من خلال عمليات التوسعة أو الترميم أو إضافة المآذن والأبواب والمحاريب.

وشهد العصر المملوكي إضافة عدد من أبرز مآذن المسجد وعناصره المعمارية، فيما أُدخلت خلال العهد العثماني تعديلات شملت المحاريب والبوابات، كما تعرضت مآذن الأزهر لعمليات إعادة بناء وترميم أكثر من مرة.

الأزهر بين الجامع والجامعة

لم يقتصر دور الأزهر منذ نشأته على إقامة الشعائر الدينية، بل أصبح مركزًا للتعليم وحلقات العلم، وتطور دوره تدريجيًا حتى صار أحد أهم مراكز المعرفة الإسلامية.

وتذكر الروايات التاريخية أن حلقات التدريس بدأت في الأزهر في وقت مبكر من تاريخه، قبل أن يتوسع النشاط العلمي ليشمل علوم الدين واللغة والشريعة وغيرها من العلوم.

ومع مرور الزمن أصبح الأزهر جامعًا وجامعة في الوقت نفسه، واستمر نشاطه العلمي قرونًا طويلة، ما جعله من أقدم مؤسسات التعليم التي واصلت أداء دورها عبر التاريخ، إلى جانب جامعة القرويين في المغرب.

وفي العصر الحديث، أُعيد تنظيم الأزهر ومؤسساته التعليمية، ثم صدر في عام 1961 القانون الذي أعاد هيكلة جامعة الأزهر ووسع تخصصاتها، لتضم إلى جانب العلوم الشرعية والعربية عددًا من الكليات العلمية والعملية.

الأزهر في العصر الفاطمي

خلال الحكم الفاطمي، أدى الجامع الأزهر دورًا محوريًا في الحياة الدينية والعلمية للدولة، وأصبح من أبرز المؤسسات التي اعتمدت عليها الخلافة الفاطمية في نشر المذهب الإسماعيلي، في وقت تحولت فيه القاهرة إلى مركز سياسي وديني رئيسي للدولة الفاطمية.

وكانت حلقات العلم والدروس الدينية داخل المسجد جزءًا أساسيًا من الوظيفة التي أرادتها الدولة للأزهر خلال تلك المرحلة.

تحولات كبرى في عهد صلاح الدين والأيوبيين

تغير وضع الأزهر بعد سقوط الدولة الفاطمية ووصول صلاح الدين الأيوبي إلى الحكم، إذ عملت الدولة الأيوبية على إعادة ترسيخ المذهب السني في مصر، فتراجعت المكانة الرسمية التي تمتع بها الأزهر خلال العصر الفاطمي.

وشهد المسجد خلال تلك الفترة مرحلة من الإهمال النسبي، وفقد جانبًا من الدعم الرسمي الذي كان يحصل عليه، كما تأثرت حلقات التدريس وبعض أوجه النشاط العلمي المرتبطة به.

ورغم ذلك، استمر الأزهر قائمًا، واحتفظ بدوره الديني والعلمي بدرجات متفاوتة حتى استعاد مكانته بصورة أكبر في العصور التالية.

العصر المملوكي.. مرحلة ازدهار واسعة

بلغ الاهتمام بالأزهر ذروة جديدة خلال عصر السلطنة المملوكية، حتى ينظر إلى تلك المرحلة باعتبارها واحدة من أبرز فترات ازدهاره.

وشهد الجامع خلال الحكم المملوكي عمليات توسعة وتجديد واسعة، شملت بنيته الأساسية ومآذنه ومدارسه وأروقته، كما تزايد الدعم المقدم إلى العلماء والطلاب.

وأصبح الأزهر في تلك المرحلة مركزًا رئيسيًا للعلوم الدينية والعربية، واستقطب طلاب العلم من مصر ومن مناطق متعددة في العالم الإسلامي.

الأزهر خلال الحكم العثماني

واصل الأزهر أداء دوره خلال الحقبة العثمانية، وحظي بمكانة خاصة واحترام كبير لدى حكام مصر والأمراء العثمانيين، رغم تراجع نمط الرعاية الملكية المباشرة الذي عرفه في بعض العصور السابقة.

وكان عدد من كبار المسؤولين والأمراء يحرصون على حضور صلاة الجمعة في الأزهر، فيما عزز المسجد مكانته بوصفه أحد أهم مراكز التعليم الديني في مصر.

ومع مرور الوقت، ازدادت المكانة الاجتماعية والسياسية لشيوخ الأزهر وعلمائه، وأصبحوا من أبرز القوى المؤثرة في المجتمع المصري.

محمد علي وسياسة الحد من نفوذ الأزهر

ومع صعود محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، بدأت الدولة المصرية في إنشاء نظام تعليمي حديث موازٍ للتعليم الأزهري، يعتمد بصورة كبيرة على النظم الأوروبية.

واتجه محمد علي إلى إرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا، ولا سيما فرنسا، بهدف إعداد كوادر متخصصة في الإدارة والجيش والطب والهندسة وغيرها من المجالات الحديثة.

وأدت هذه السياسة إلى تقليص احتكار خريجي الأزهر للمناصب التعليمية والإدارية، مع ظهور مؤسسات ومدارس حكومية حديثة تستند إلى نمط مختلف من التعليم.

الأزهر.. مؤسسة تجاوزت تقلبات التاريخ

مر الجامع الأزهر خلال تاريخه الطويل بمراحل متباينة بين الازدهار والتراجع، وتأثر بالتحولات السياسية والمذهبية التي شهدتها مصر منذ العصر الفاطمي مرورًا بالأيوبيين والمماليك والعثمانيين وصولًا إلى الدولة المصرية الحديثة.

ورغم تلك التحولات، ظل الأزهر محتفظًا بمكانته الدينية والعلمية، وتحول من مسجد أُنشئ في قلب القاهرة الفاطمية قبل أكثر من ألف عام إلى مؤسسة عالمية تضم الجامع وجامعة الأزهر وهيئات دينية وتعليمية متعددة.

واليوم يمثل الأزهر الشريف واحدًا من أبرز الرموز الإسلامية والتاريخية في مصر، ومؤسسة ذات تأثير واسع في الحياة الدينية والثقافية والتعليمية، فيما يبقى الجامع الأزهر شاهدًا معماريًا وعلميًا على أكثر من عشرة قرون من تاريخ القاهرة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى