رحلة أموال التأمينات من الثمانينيات حتى اليوم.. كيف بدأت التشابكات ووصلت إلى مئات المليارات؟

على مدار أكثر من أربعة عقود، انتقلت قضية أموال التأمينات في مصر من مجرد طريقة لاستثمار فوائض الصناديق، إلى واحد من أعقد ملفات التشابكات المالية بين التأمينات وبنك الاستثمار القومي والخزانة العامة.
بدأت القصة رسميًا مع إنشاء بنك الاستثمار القومي في مطلع الثمانينيات، ثم ظهرت التحذيرات والاعتراضات داخل البرلمان، قبل أن تكشف الأرقام لاحقًا عن مستحقات بمئات المليارات، وصولًا إلى قانون 2019 الذي وضع تسوية تمتد لعقود.
وفي 2026، عاد الملف مرة أخرى إلى الواجهة بعد سجال علني بين وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي ووزيرة التأمينات السابقة ميرفت التلاوي.
فكيف تطورت القصة؟
1980 | البداية مع بنك الاستثمار القومي
مع صدور قانون إنشاء بنك الاستثمار القومي رقم 119 لسنة 1980، أصبحت صناديق التأمين والمعاشات تودع فوائض أموالها لدى البنك، الذي كان يعيد ضخ هذه الأموال في تمويل استثمارات الخطة العامة للدولة.
ومن هنا بدأت العلاقة الطويلة بين فوائض أموال التأمينات وتمويل استثمارات الدولة، وهي العلاقة التي ستتحول لاحقًا إلى ما عرف باسم «التشابكات المالية».
التسعينيات وبداية الألفية | الملف يصل إلى البرلمان
مع تزايد الدين العام واحتياجات الدولة للتمويل، بدأت قضية أموال التأمينات تظهر بصورة متزايدة في النقاش السياسي والبرلماني.
وخلال عضويته في مجلس الشعب بين عامي 1995 و2005، كان الدكتور أيمن نور من بين النواب الذين أثاروا القضية ضمن استجوابات وتحركات برلمانية تناولت الدين العام وأموال التأمينات وطريقة إدارة موارد الدولة.
وتكتسب هذه الاستجوابات أهميتها اليوم باعتبارها جزءًا من تحذيرات مبكرة سبقت ظهور الحجم الكامل للتشابكات بالأرقام.
أواخر التسعينيات | أموال التأمينات تدخل البورصة
تكشف الروايات التي عادت إلى الواجهة في 2026 عن مرحلة أخرى من القصة، تتعلق بتوجيه جزء من فوائض أموال التأمينات للاستثمار في سوق المال خلال أزمة الأسواق الآسيوية.
يوسف بطرس غالي يقول إن الفكرة كانت استثمار جزء من الفوائض من خلال شركات متخصصة في إدارة المحافظ، وإن الأموال لم تضع وحققت عوائد مرتفعة.
لكن ميرفت التلاوي تقدم رواية مختلفة، وتقول إن العائد لم يكن بالمستوى الذي يتحدث عنه غالي، وإن طبيعة أموال التأمينات كانت تفرض إدارة أكثر تحفظًا لها.
2006 | 241.4 مليار جنيه
بحلول 30 يونيو 2006، بلغت مستحقات صندوقي التأمين والمعاشات لدى بنك الاستثمار القومي نحو 241.4 مليار جنيه.
وتكشف البيانات أن الرقم لم يكن كله أموالًا أصلية تم تحويلها إلى البنك، وإنما كان يتكون من أصل الأموال المحولة بالإضافة إلى فوائد تراكمت عليها.
وهنا أصبحت القضية مرتبطة بصورة واضحة بمئات المليارات من الجنيهات.
2007 وما بعدها | الخزانة تدخل على الخط
مع تطور العلاقة المالية، انتقل جانب من مستحقات التأمينات والتشابكات إلى وزارة المالية، وأصبحت القضية موزعة بين بنك الاستثمار القومي والخزانة العامة.
واستمر الجدل خلال السنوات التالية بشأن قيمة المستحقات وطريقة تسويتها والعوائد المستحقة عليها، لتتحول القضية تدريجيًا من إدارة فوائض مالية إلى ملف ديون والتزامات متبادلة بين مؤسسات الدولة.
2019 | نقطة التحول الكبرى
جاء التحول الأهم مع صدور قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الجديد عام 2019.
القانون وضع آلية رسمية لفض التشابكات المالية بين الخزانة العامة والتأمينات، وارتبطت التسوية بمستحقات قُدرت بنحو 898 مليار جنيه.
وبدأت الخزانة بموجب التسوية في تحويل أقساط سنوية إلى هيئة التأمينات، بلغ قسط السنة الأولى نحو 160.5 مليار جنيه، ضمن خطة تمتد إلى 50 عامًا.
وهكذا انتقل الملف من سنوات الجدل حول حجم الأموال والمستحقات إلى تسوية قانونية طويلة الأجل.
2026 | يوسف بطرس غالي يعيد فتح الملف
في يوليو 2026، عاد الملف بقوة بعد تصريحات يوسف بطرس غالي.
وزير المالية الأسبق رفض الرواية التي تقول إن أموال التأمينات ضاعت، وقال إن جزءًا من الأموال استُثمر من خلال شركات متخصصة، وإن هذه الاستثمارات حققت، بحسب روايته، متوسط عائد بلغ 23% سنويًا على مدى سنوات.
كما نفى أن تكون الأموال قد استُثمرت خارج مصر.
ميرفت التلاوي | رواية مضادة
ميرفت التلاوي رفضت رواية غالي، واعتبرت أن حديثه يتضمن خلطًا في الوقائع.
وقالت إن العائد الذي حصلت عليه أموال التأمينات كان أقل مما كان يمكن تحقيقه، كما تحدثت عن استخدام هذه الأموال في تمويل مشروعات للدولة، من بينها توشكى ومدينة الإنتاج الإعلامي.
وبذلك تحول الملف مجددًا إلى مواجهة بين روايتين لمسؤولين كانا داخل الحكومة وقت اتخاذ بعض القرارات المتعلقة بهذه الأموال.
طرف ثالث يدخل على الخط
السجال لم يتوقف عند غالي والتلاوي.
محمد يونس، رئيس مجموعة كونكورد التي أشار إليها غالي باعتبارها إحدى الجهات التي أدارت استثمارات التأمينات في البورصة، دخل على خط القضية، وقال إن شركته كانت مديرًا للمحفظة الاستثمارية ولم تكن صاحبة قرار التصرف في الأموال، وإن قرار الاستثمار نفسه كان قرارًا اتخذته الدولة.
وهنا أصبح لدينا أكثر من رواية تستحق أن توضع أمام الوثائق والأرقام.
2026 | 46 عامًا والسؤال مستمر
من إيداع فوائض التأمينات لدى بنك الاستثمار القومي في الثمانينيات، إلى استثمارات البورصة في التسعينيات، والتحذيرات البرلمانية، ثم ظهور رقم 241.4 مليار جنيه في 2006، وصولًا إلى تسوية 2019 التي ارتبطت بنحو 898 مليار جنيه، مرت القضية بمراحل شديدة التعقيد.
واليوم لم يعد السؤال فقط: أين الأموال؟
هناك أسئلة أخرى لا تقل أهمية:
كيف استُخدمت؟ وما العائد الذي حققته؟ وكيف تكونت المديونيات؟ ومن اتخذ قرارات الاستثمار والتمويل؟ وما الذي تم سداده بالفعل؟ وما الذي لا يزال يمثل التزامًا على الخزانة؟
بعد أكثر من أربعة عقود، يعود الملف من جديد إلى نقطة البداية:
ماذا حدث لأموال التأمينات فعلًا؟
وهو السؤال الذي يواصل «أخبار الغد» البحث عن إجابته، من خلال الوثائق والأرقام وشهادات من كانوا في قلب هذه القضية.







