مقالات وآراء

د.عمرو هاشم ربيع يكتب: حادث القصاصين بين الفقر وعمالة الأطفال


الأسبوع الماضى وقع حادث سير بمركز القصاصين بالإسماعيلية، راح ضحيته أكثر من 10 أطفال، وبينهم ستة أشقاء. الحادث الذى نتج عن تصادم بين سيارة ربع نقل كانت تنقل عمالًا معظمهم من الأطفال، وسيارة أخرى، كشف عن أمر واقع وحاصل فى كل المحليات المصرية، وهو أن الأطفال لا زالوا أحد مصادر القوى العاملة، شئنا أم أبينا.

العمالة غير المنتظمة التى تغلب على سوق العمالة المصرية بأكثر من 50٪ هى أحد نواتج الجديدة/القديمة المُظهرة لهذا الحدث الكبير، وهى عمالة غير مؤمَّن عليها، ومُستغلة من قبل أرباب الأعمال الذين يتصيدون عوز الناس، فيقومون بإخراج أبنائهم إلى العمل، وهم دون السن المقررة قانونًا، فى استغلال واضح لكون هؤلاء عادة يعملون بأجور زهيدة.

واحد من أكثر ما عبّر عنه حادث القصاصين هو الفقر، فلولا الفقر ما خرج هؤلاء إلى العمل، وما قام أولياء أمورهم بحثهم على الخروج للحصول على لقمة العيش، أو المساعدة فى مد الأسرة باحتياجاتها، أو كى يقوم هؤلاء بتدبير لوازمهم المالية خلال فترة الدراسة العام التالى.

إذن الفقر هو العامل الرئيس الذى جعل من هؤلاء ضحية، وهو ما جعل المجتمع يدفع ضريبة دموية لانتشالهم من الفقر، فإذا بأجسادهم تتخطفها ظلمة القبور، ويصاب الوالدان إلى الأبد بكسر القلوب.

بين فوارق الدخول وبشاعة اللامساواة التى تعيشها الطبقتان الدنيا والوسطى من ناحية، والشريحة العليا من الطبقة العليا من مجتمع «ياللا ساحل» من ناحية أخرى، تبرز المشكلات المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص والمساواة. هنا من المهم التذكير بالسياسات المنظمة لقهر الفئات الضعيفة، من إخراج عشرات الآلاف من بطاقات الدعم العينى، إلى شح العلاج المجانى، وبين كل ذلك قصور الخدمات التى يعانى منها أبناء الريف من نقص الأسمدة وغلاء البذور وارتفاع أسعار السولار وزيادة إيجارات الأرض الزراعية، يُطحن الناس، ولا يجدون ملجأ إلا بالبحث عن أى مصدر رزق إضافى، ولو كان عمالة فلذة الأكباد من الصغار.

لكن ورغم ما للفقر من عامل رئيس فى تلك المشكلة، إلا أن غياب المحاسبة والرقابة على أداء الحكومة، هو ما يُساهم فى تكرارها. لقد أصبح الفقر أو التهديد به همًّا لأغلب الأسر المصرية، حتى إن نسبته باتت من الكبر إلى الحد الذى تم التدخل لمنع ظهور بحث الدخل والإنفاق منذ عدة سنوات والصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، والراجع فى جزء منه إلى شروط الاقتراض المفروضة من صندوق النقد الدولى. كل ما سبق يفرض على الحكومة شروط عمل أخرى، وسياسات ضريبية تصاعدية، وتأسيس حزم اجتماعية جديدة، تقى الفئات الأكثر احتياجًا من العوز والفاقة.

لا شك أن متابعة الحملات الحكومية على مقار العمل المختلفة لمراقبة أوضاع العاملين، وأعمارهم، والتزام أصحاب العمل بالحد الأدنى للأجور (8000 جنيه)، وجودة الطرق، والتأكد من وجود وسائل مثلى لنقل العمال من منازلهم ومناطق تجميعهم إلى مقار عملهم، وكشف المخدرات للسائقين. كل تلك الأساليب، وأساليب أخرى، مهمة حتى لا تتكرر مأساة القصاصين، ونعيد الكرة مرة أخرى، ونفقد الناس بعد أن افتقدنا الرقابة والمحاسبة.

المصدر: المصري اليوم

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى