مقالات وآراء

ساسية بكاري تكتب: الجزائر أمام قواعد نفوذ جديدة.. هل تكفي الجغرافيا والأمن في ساحل متعدد الشركاء؟

تجد الجزائر نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد الحفاظ على نفوذها التقليدي في منطقة الساحل. ففي الداخل، أعادت الانتخابات التشريعية الأخيرة سؤال المشاركة والثقة السياسية إلى الواجهة، بينما شهد الجنوب تحوّلاً مهماً مع استئناف العلاقات مع مالي بعد أكثر من عام من القطيعة. وفي الوقت نفسه، تعزز روسيا حضورها العسكري في مالي وليبيا، فيما يدفع المغرب بمشروع اقتصادي ولوجستي لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي.

ولا تعني هذه التحولات بالضرورة أن الجزائر تفقد موقعها الإقليمي، لكنها تكشف أن القواعد التي صنعت هذا الموقع تتغير. فالجغرافيا والأمن والوساطة ما تزال أوراق قوة جزائرية يصعب تجاوزها، لكن المنافسة باتت تشمل أيضاً الموانئ والاستثمار والطاقة والممرات التجارية والشراكات العسكرية.

الانتخابات.. انتظام المؤسسات وسؤال المشاركة

أجرت الجزائر انتخابات المجلس الشعبي الوطني في 2 يوليو/تموز 2026، وبلغت نسبة المشاركة النهائية 21.24% داخل البلاد و10.75% بين الجزائريين في الخارج، وهي أرقام أعادت النقاش بشأن حجم العزوف عن العملية السياسية رغم انتظام الاستحقاقات الانتخابية.

وجرت الانتخابات في ظل حضور واضح للملفات المعيشية، من القدرة الشرائية والخدمات إلى الأجور والتقاعد، إلى جانب جدل بشأن استبعاد مرشحين؛ إذ قالت السلطة الانتخابية إن بعض حالات الاستبعاد ارتبطت بشبهات تتعلق بشبكات مالية غير مشروعة وأنشطة سياسية مشبوهة، بينما رأى منتقدون أن الإجراءات ضيقت مساحة المنافسة.

ويرى الباحث في الشأن السياسي الجزائري مصعب حمودي أن انخفاض المشاركة لا يمثل ظاهرة مرتبطة بهذا الاستحقاق وحده، وإنما يعكس “مشكلة بنيوية وليست مرحلية” في علاقة الرأي العام الجزائري بالنظام الحاكم.

وقال حمودي لـ”اخبار الغد” إن نسبة العزوف جاءت مرتفعة حتى مقارنة بالانتخابات البرلمانية السابقة، رغم محاولات السلطة تقديم الاستحقاق باعتباره مساراً انتخابياً مضبوطاً ومؤسساتياً، معتبراً أن ذلك يكشف استمرار فجوة الثقة بين المواطنين وصانع القرار السياسي.

وأضاف أن هذا الوضع يجعل المسار الانتخابي، في نظره، أقرب إلى الشكلية، مشدداً على أن السؤال المركزي يبقى سؤال “المشاركة والشرعية”، وخلص إلى أن الحياة العامة الجزائرية تفتقر إلى ديناميكية سياسية تشكل أرضية أوسع للممارسة الديمقراطية، بما فيها الانتخابات.

وتمثل هذه قراءة نقدية للمشهد؛ في المقابل، حافظ الاقتراع على استمرارية المؤسسة التشريعية، فيما أكدت السلطات أن العملية جرت وفق الأطر القانونية القائمة. وهكذا لا يتعلق الاختبار الداخلي بمجرد إجراء الانتخابات، بل بقدرة المؤسسات على تحويل الاستقرار إلى مشاركة وثقة أكبر.

وإذا كان ذلك هو اختبار الجزائر في الداخل، فإن التحدي الخارجي يتعلق بقدرتها على الاحتفاظ بالتأثير في محيط تتغير داخله أدوات القوة بسرعة.

مالي.. ما الذي تغير في الدور الجزائري؟

في يوليو/تموز 2026، أعادت الجزائر ومالي فتح مجالهما الجوي واستأنفتا العلاقات الدبلوماسية بعد قطيعة بدأت في أبريل/نيسان 2025، عقب إسقاط الجزائر طائرة مسيرة مالية قرب الحدود. وقالت الجزائر إن الطائرة اخترقت مجالها الجوي، فيما رفضت باماكو الرواية الجزائرية.

لكن أزمة الطائرة جاءت في سياق خلاف أعمق. فقد أنهت السلطات المالية اتفاق السلام الموقع في الجزائر عام 2015 مع حركات شمال مالي، وهو اتفاق كانت الجزائر راعيه الرئيسي وشكّل لعقد تقريباً واحدة من أبرز أدوات نفوذها الدبلوماسي في الساحل.

وهنا يظهر أحد أبرز التغييرات في ميزان القوة: لم تفقد الجزائر أهميتها الجغرافية بالنسبة إلى مالي، لكنها فقدت جزءاً من مركزية دور الوسيط الذي تمتعت به عندما كان اتفاق الجزائر يمثل المرجعية السياسية الرئيسية لإدارة أزمة الشمال.

ويرى المحلل في الشؤون الاستراتيجية والجيوسياسية أحمد ميزاب أن عودة التنسيق بين البلدين تعكس “عودة منطق الدولة والمصلحة الاستراتيجية إلى الواجهة بعد مرحلة اتسمت بكثير من التوترات وسوء الفهم”.

وقال ميزاب لـ”اخبار الغد” إن الجزائر لم تنظر إلى الساحل “باعتباره مجالاً للمنافسة أو التموقع السياسي الضيق”، وإنما باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، مشيراً إلى أن مقاربتها قامت على الجمع بين الأمن والتنمية والتسوية السياسية.

غير أن الجزائر تعود اليوم إلى مالي مختلفة وساحل مختلف.

روسيا.. حين تقل مساحة الوساطة الجزائرية

من أبرز المتغيرات صعود روسيا شريكاً عسكرياً رئيسياً للسلطات المالية. فقد عمقت مالي والنيجر وبوركينا فاسو تعاونها العسكري مع موسكو بعد تراجع علاقاتها الأمنية مع فرنسا وقوى غربية أخرى، فيما أصبح “الفيلق الأفريقي” الروسي حاضراً بصورة مباشرة إلى جانب القوات المالية. وفي يوليو/تموز أكدت روسيا ودول تحالف الساحل توسيع تعاونها العسكري والتقني.

ومع ذلك، لم يؤد هذا الدعم إلى حسم الوضع الأمني. فقد تعرضت مواقع وقوافل للقوات المالية وحلفائها الروس لهجمات متكررة خلال 2026، فيما تواصل الجماعات المسلحة توسيع عملياتها في مالي وأجزاء أخرى من الساحل.

ويرى الصحفي والكاتب صابر بن عامر، المتابع للشؤون الليبية والإقليمية، أن المشكلة بالنسبة إلى الجزائر ليست مجرد وجود روسي قرب حدودها، وإنما امتلاك موسكو أدوات تأثير داخل دولتين تمثلان عمقاً أمنياً مباشراً لها: مالي وليبيا.

وقال بن عامر لـ”اخبار الغد”: “في مالي، منح الدعم الروسي السلطة في باماكو هامشاً أكبر للابتعاد عن الوساطة الجزائرية والمراهنة على الحسم العسكري في الشمال، بينما يوفر الانتشار الروسي في ليبيا نقاط ارتكاز باتجاه الساحل”.

ويضيف أن الجزائر تخشى، وفق تقديره، من تحول روسيا “من شريك بعيد إلى فاعل قادر على التأثير في البيئة الأمنية المحيطة بها من الشرق والجنوب معاً”.

ولا يعني ذلك أن موسكو حلت محل الجزائر في مالي؛ فالجزائر ما تزال تمتلك الحدود والمعرفة التاريخية بشمال البلاد وشبكات العلاقات والخبرة في الوساطة. لكن تطور الشراكة الروسية-المالية منح باماكو خيارات أمنية لم تكن متاحة بالحجم نفسه عندما كان المسار الذي ترعاه الجزائر أكثر مركزية.

ليبيا.. من مصدر تهديد إلى عقدة لوجستية محتملة

يتضح هذا التحول أكثر عند النظر إلى ليبيا.

فوفق تحليل نشره مشروع “Tearline” التابع للوكالة الوطنية الأمريكية للاستخبارات الجغرافية المكانية في يونيو/حزيران 2026، شهدت ست قواعد جوية ليبية ارتبطت بحضور “الفيلق الأفريقي” الروسي أعمال بناء وتطوير منذ أبريل/نيسان 2024، بينها الجفرة وبراك الشاطئ وتمنهنت ومعطن السارة. وربط التحليل هذه البنية العسكرية بمحاولة موسكو تعزيز موطئ قدم يدعم حضورها تجاه منطقة الساحل.

ومن هنا، يقول بن عامر إن ليبيا لا تمثل بالنسبة إلى الجزائر جبهة منفصلة عن الساحل، بل “البوابة الشمالية له”.

ويضيف: “جنوب ليبيا يتصل بالنيجر وتشاد ثم مالي والسودان، وأي فراغ أمني أو تمركز لقوة أجنبية هناك يمكن أن يمتد تأثيره إلى كامل الحزام الجنوبي للجزائر”.

وبحسب بن عامر، لا يقتصر القلق الجزائري على انتقال السلاح والمقاتلين، وإنما يمتد إلى احتمال قيام “بنية عسكرية ولوجستية عابرة للحدود تجعل ليبيا منصة للتأثير في الساحل”، ما يجعل استقرار الجنوب الليبي جزءاً من منع تشكل حزام أمني مضطرب حول الجزائر.

وتبقى فكرة تشكل شبكة روسية موحدة من ليبيا إلى الساحل تقديراً تحليلياً وليست واقعة مثبتة بهذا الشكل، لكن توسع البنية العسكرية الروسية في ليبيا والحضور العسكري المباشر في مالي يوفران أساساً واقعياً للمخاوف المتعلقة بتزايد الترابط بين المجالين.

المغرب.. المنافسة تنتقل إلى الموانئ والطرق

وإذا كانت روسيا تدخل معادلة الساحل عبر الأمن والقوة العسكرية، فإن المغرب يختبر طريقاً مختلفاً.

ففي أبريل/نيسان 2025، أعلن وزراء خارجية مالي والنيجر وبوركينا فاسو دعم المبادرة المغربية الرامية إلى منح دول الساحل غير المطلة على البحر منفذاً إلى التجارة العالمية عبر الموانئ المغربية على المحيط الأطلسي. وتعتبر باماكو المشروع فرصة لتنويع منافذها البحرية.

وهذا يطرح نوعاً مختلفاً من المنافسة أمام الجزائر. فالقرب الجغرافي والأمن يمنحانها أفضلية يصعب تعويضها، لكن دول الساحل تحتاج أيضاً إلى منافذ تجارية وتمويل واستثمارات وطاقة وبنية تحتية.

ويرى ميزاب أن الحديث عن تقدم مغربي كبير في الساحل ينطوي على “مبالغة”، معتبراً أن النفوذ الحقيقي يقاس بالقدرة على توفير الأمن والاستقرار والتنمية، وأن الجزائر ما تزال تمتلك رصيداً لا يمكن تجاوزه بحكم الجغرافيا والخبرة والعلاقات التاريخية.

لكن هذا يمثل القراءة الجزائرية للمنافسة، فيما تقدم الرباط مبادرتها الأطلسية باعتبارها مشروعاً تنموياً يهدف إلى معالجة معضلة الدول الحبيسة وربطها بالأسواق الدولية.

أما بن عامر فيرى أن المشكلة تكمن تحديداً في الاعتماد على عناصر القوة القديمة وحدها.

ويقول: “الجزائر تمتلك الجغرافيا والخبرة الأمنية، لكن المنافسة في الساحل أصبحت منافسة على من يربط دول المنطقة بالعالم: عبر الموانئ والطرق والطاقة والاستثمار والتمويل”.

ويضيف: “إذا بقي النفوذ الجزائري قائماً أساساً على الوساطة والأمن، بينما يقدم منافسون آخرون منافذ تجارية ومشاريع بنية تحتية وتمويلاً، فإن الجزائر قد تجد نفسها ضرورية أمنياً لكنها أقل تأثيراً اقتصادياً وسياسياً”.

وهذه ربما أبرز مفارقات المرحلة: أن تحتفظ الجزائر بثقلها الأمني، من دون أن يضمن ذلك تلقائياً القدر نفسه من النفوذ السياسي والاقتصادي.

الصحراء الغربية.. المنافسة تنتقل إلى الدبلوماسية أيضاً

ويصبح تغير الموازين أكثر وضوحاً في ملف الصحراء الغربية.

فالمغرب يطرح الحكم الذاتي تحت سيادته أساساً للحل، بينما تدعم الجزائر جبهة البوليساريو وتتمسك بحق تقرير المصير. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2797 الذي وضع مقترح الحكم الذاتي المغربي في مركز عملية التفاوض، مع التأكيد على الوصول إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف يحقق تقرير المصير. وأُقر القرار بـ11 صوتاً، فيما امتنعت روسيا والصين وباكستان، ولم تشارك الجزائر في التصويت.

ولم يحسم القرار الوضع النهائي للصحراء الغربية، لكنه عكس تحسناً واضحاً في البيئة الدبلوماسية المحيطة بالمقترح المغربي. ثم جاء تطور أكثر ارتباطاً بالساحل في أبريل/نيسان 2026، عندما سحبت مالي اعترافها بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” وأعلنت دعمها خطة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساساً لحل النزاع.

وتكتسب الخطوة المالية أهمية خاصة بالنسبة إلى الجزائر؛ لأنها تظهر أن المنافسة مع المغرب في الساحل لا تقتصر على الاقتصاد والموانئ، بل يمكن أن تنتقل أيضاً إلى ملفات دبلوماسية تعدها الجزائر من ثوابت سياستها الخارجية.

وفي المقابل، لا يعني ذلك حسم النزاع لصالح المغرب، إذ ما تزال الجزائر والبوليساريو تتمسكان بحق تقرير المصير، كما يبقى الوضع النهائي للإقليم دون تسوية متفق عليها دولياً.

هل تكفي الجغرافيا؟

تكشف هذه التطورات أن الجزائر لم تفقد أهميتها في الساحل، لكن طبيعة الأفضلية الجزائرية نفسها أصبحت موضع اختبار.

فالحدود الطويلة مع مالي والنيجر، والقدرات العسكرية، والخبرة الأمنية والوساطة، تجعل تجاوز الجزائر أمراً بالغ الصعوبة. غير أن مالي والنيجر وبوركينا فاسو باتت تملك خيارات أكثر من السابق: روسيا في الأمن، المغرب في الربط التجاري، وشركاء آخرون في الاستثمار والطاقة والتمويل.

وهكذا لا يبدو المشهد قصة انتقال النفوذ من الجزائر إلى منافس واحد، بل تفككاً نسبياً للاحتكار القديم لأدوات التأثير.

فالجزائر ما تزال ضرورية لأمن الساحل بحكم موقعها، لكن الحفاظ على النفوذ السياسي يتطلب منها تحويل القرب الجغرافي إلى تجارة، والحدود إلى ممرات اقتصادية، وموارد الطاقة إلى شراكات إقليمية، إلى جانب دورها الأمني والدبلوماسي.

وفي الداخل، يضيف ضعف المشاركة الانتخابية اختباراً موازياً يتعلق بقدرة الدولة على تحويل الاستقرار المؤسسي إلى ثقة ومشاركة أوسع. وفي الخارج، يتعلق الاختبار بقدرتها على تحديث أدوات القوة قبل أن تصبح الأفضلية التي منحتها الجغرافيا لعقود أقل حسماً مما كانت عليه.

فالجزائر لا تخسر الساحل بالضرورة، لكنها تدخل ساحلاً جديداً؛ ساحلاً لا يكفي فيه أن تكون الدولة الأقرب أو الأكثر خبرة أمنياً، بل تتحدد القوة أيضاً بمن يستطيع أن يقدم لدول المنطقة الأمن والمصلحة الاقتصادية والبدائل الاستراتيجية في الوقت نفسه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى