
في اعتقادي، أن إسرائيل، من خلال عدوانها اليوم على شمال سورية، ونتيجة لحماقة بنيامين نتنياهو، ارتكبت خطأً استراتيجياً ستدفع ثمنه، بشكل أو بآخر، خلال الأيام والسنوات القادمة.
فالعدوان الإسرائيلي في هذه المرحلة ليس مجرد عملية عسكرية عابرة، بل هو رسالة سياسية واستراتيجية بالغة الخطورة، موجهة إلى دولة كبرى تقف على حافة الهاوية منذ ثلاثة عقود، لكنها نجحت في كل مرة في تجاوز أزماتها، بل وحوّلت الكثير من الضغوط والمواجهات إلى عناصر قوة جديدة. دولة بنت جزءاً كبيراً من مجدها وقوتها العسكرية والسياسية فوق خناجر أعدائها، وحوّلت الصراعات التي استهدفتها إلى فرص لإعادة بناء قدراتها وتعزيز نفوذها.
تركيا لم تنل قوتها بمساعدة الغرب وحده، ولا بدعم الشرق، وإنما انتزعتها عنوةً وغصباً عن هذا وذاك. واستطاعت، على مدى عقود، أن تحوّل كل معركة، وكل محاولة انقلاب عسكرية أو سياسية، وكل ضغط اقتصادي، إلى تجربة جديدة تعزز قدرتها على الصمود والمناورة والتقدم.
والقيادة التركية، في تقديري، قيادة تاريخية براغماتية؛ لا تتعامل مع الملفات الكبرى بمنطق الانفعال أو ردود الفعل السريعة، ولا تهادن عندما يتعلق الأمر بمصالحها الاستراتيجية، ولا تساوم على حساب أمنها القومي. إنها تحسب خطواتها جيداً، وتراقب موازين القوى، ثم تتقدم في اللحظة التي تراها مناسبة.
وأنا هنا لا أمدح تركيا، وإنما أحاول أن أقرأ الواقع كما هو.
المعركة التي افتتحها نتنياهو في هذه المرحلة قد تتحول إلى معركة خاسرة بالنسبة إلى كيانه في كل الأحوال؛ لأن القيادة التركية ليست قيادة ساذجة يمكن دفعها إلى رد الفعل الذي يريده نتنياهو. ستدرس أنقرة خياراتها بعناية، وستحسب طبيعة الرد وتوقيته وأدواته، وقد تجعل إسرائيل تدفع ثمناً سياسياً واستراتيجياً واقتصادياً، وليس بالضرورة بالطريقة التي تتوقعها تل أبيب.
وهنا يكمن الخطأ الاستراتيجي الأكبر.
فالكيان الإسرائيلي يعيش، في تقديري، واحدة من أصعب مراحله منذ تأسيسه، وقد استدرج نفسه إلى معركة أخرى، سياسية واقتصادية واستراتيجية كبرى، في وقت تتراكم فيه عليه الأزمات والضغوط من أكثر من اتجاه.
بدلاً من محاولة الخروج من أزماته، يفتح نتنياهو جبهات جديدة، ويضيف إلى قائمة خصومه وتحدياته لاعباً إقليمياً كبيراً مثل تركيا، بما تحمله من ثقل جغرافي وعسكري واقتصادي وسياسي، ومن قدرة على التحرك ضمن مساحات إقليمية ودولية واسعة.
وقد يكون هذا هو الخطأ الذي سيدفع الكيان ثمنه في المستقبل.
أما سورية، فهي دولة خارجة من حرب طويلة، وتدخل الآن مرحلة إعادة البناء واستعادة مؤسسات الدولة وترميم اقتصادها ومجتمعها. ولذلك فإن دمشق ليست معنية بالدخول في الأزمات التي يحاول نتنياهو تصديرها إلى محيطه بكل الوسائل.
سورية تملك إمكانيات كبيرة، وتملك أيضاً أوراقاً يمكن استخدامها في الوقت المناسب، لكنها، في هذه المرحلة تحديداً، لن تكون الطرف الذي يُستدرج إلى حرب جديدة وفقاً لأجندة نتنياهو.
إن معركة سورية الأساسية اليوم هي إعادة بناء الدولة، وتثبيت الاستقرار، واستعادة القرار الوطني، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة بعد سنوات الحرب والدمار. ولهذا فإن إدارة دمشق للملف مع إسرائيل تبدو، حتى الآن، قائمة على قدر كبير من الحسابات والهدوء وتجنب الوقوع في الفخ الذي يراد لها أن تقع فيه.
أما نتنياهو وكيانه، فسيدفعان، عاجلاً أم آجلاً، ثمن السياسات والقرارات التي اتخذاها، وثمن الحروب التي فُتحت بلا حساب واضح لعواقبها.
قد لا يكون الثمن فورياً، وقد لا يأتي بالطريقة التي يتوقعها كثيرون، لكن التاريخ لا يلغي الحسابات؛ بل يؤجلها أحياناً.
وفي تقديري، فإن المسألة في نهاية المطاف هي مسألة وقت.
فالقيادة السورية تدرك أن المرحلة الحالية ليست مرحلة الانجرار إلى حرب جديدة، كما تدرك أن الصراع أكبر من حادثة عسكرية أو غارة عابرة. ولهذا تبدو طريقة إدارتها للملف مع الكيان الغاصب محسوبة بعناية، على قاعدة أن من يملك القدرة على الانتظار والمراكمة وحساب اللحظة المناسبة، قد يكون هو الطرف الأكثر قدرة على تحويل أزمات خصمه إلى نقاط ضعف ضده.
وفي السياسة والاستراتيجية، ليست كل معركة تُحسم بالصواريخ والطائرات.
أحياناً، تكون أكبر هزيمة هي أن يفتح الخصم بنفسه جبهة لم يكن مضطراً إلى فتحها، ثم يكتشف بعد سنوات أنه كان هو من صنع الظروف التي ستدفعه في النهاية إلى مزبلة التاريخ.







