مقالات وآراء

د. حسام بدراوي يكتب: أنتروبيا الأمم

في الفيزياء قانون لا يرحم أحدًا: كل نظام مغلق، مهما بلغت دقته وجماله في لحظة ما، يتجه حتمًا نحو مزيد من الفوضى. يسميه العلماء “الأنتروبيا”، ويعنون به أن الطاقة، إذا تُركت لشأنها، تتسرب وتتبعثر ولا تعود أبدًا تتجمع من تلقاء نفسها. قطرة الحبر في كأس الماء تنتشر ولا ترتد، والحرارة تهرب من الجسم الساخن إلى البارد، ولا يحدث العكس أبدًا. هذا ليس عيبًا في الكون، بل هو قانونه الصارم: كل ما هو معزول عن مصدر متجدد للطاقة، مصيره التفكك.

وما يصدق على الذرات يصدق، بمكر أشد، على الأمم.

فالمؤسسة التي تُغلق أبوابها على نفسها، والنظام الذي يكتفي بذاكرته القديمة ويرفض أن يستورد فكرًا جديدًا، والخطاب الذي يخاف من السؤال أكثر مما يخاف من الجهل، كلها أنظمة تسير، بلا ضجيج، نحو أنتروبيتها الخاصة. لا ينهار شيء في يوم واحد. الانحلال الحضاري لا يقرع جرسًا يُنذر به، بل يتسلل كما تتسلل الرطوبة إلى الجدار: غير مرئي، بطيء، متراكم، حتى تأتي اللحظة التي يسقط فيها الجدار كله دفعة واحدة، فيتساءل الجميع: كيف حدث هذا فجأة؟ والحقيقة أنه لم يحدث فجأة قط. كان يحدث طوال الوقت، في صمت.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين نوعين من الأنظمة: النظام المغلق، والنظام المفتوح.

النظام المغلق هو الذي يقتات على نفسه: يكرر خطابه، ويعيد إنتاج عقلياته، ويتعامل مع النقد كتهديد لا كطاقة متجددة. هذا النظام محكوم عليه، بقوة القانون الفيزيائي ذاته، بأن يفقد نسقه الداخلي تدريجيًا، مهما بدا في الظاهر متماسكًا.

أما النظام المفتوح فهو الذي يسمح لنفسه، رغم الألم أحيانًا، أن يستقبل طاقة من خارجه: فكرًا مختلفًا، سؤالًا مزعجًا، جيلًا جديدًا لا يرث المسلمات كما ورثها آباؤه بل يعيد فحصها. هذا النظام وحده هو القادر على تأجيل الانحلال، لا لأنه استثناء من القانون، بل لأنه فهم القانون: الحياة نفسها، كما بيّن أحد كبار الفيزيائيين في القرن الماضي، ليست خرقًا لقانون الأنتروبيا، بل هي مقاومة مؤقتة له، تستمد بقاءها من انفتاحها الدائم على تبادل الطاقة مع محيطها. اللحظة التي تُغلق فيها الكائنات الحية منافذها، تبدأ في الموت. وكذلك الأمم.

والأخطر من الانغلاق الصريح هو الإصلاح الذي يخدع نفسه: أن نعيد ترتيب الأثاث في البيت المتصدع دون أن نرمم الأساس. أن نستبدل شعارًا بشعار، ومنصبًا بمنصب، ونسمي ذلك تجديدًا، بينما التصدع الحقيقي – في جودة العقول التي نخرجها، وفي مساحة السؤال المسموح به، وفي احترام الاختلاف بوصفه ثروة لا خطيئة – يتسع تحت السطح.

هذا النوع من “الإصلاح” لا يوقف الأنتروبيا، بل يمنحها قناعًا مؤقتًا، ويؤجل الفاتورة إلى جيل لم يشارك في كتابتها.

فهل الانحلال إذن قدر محتوم لا مفر منه؟ هنا بالذات يكمن الأمل، لا اليأس. فالقانون الفيزيائي يحكم الأنظمة المعزولة، لا المفتوحة. وحضارة تختار أن تبقى نظامًا مفتوحًا – تستورد المعرفة ولا تخشاها، وتُصدر الفكر ولا تحتكره، وتربي أبناءها على أن يسألوا لا أن يرددوا فحسب – ليست محكومة عليها بالمصير نفسه الذي يواجهه كل ما ينغلق على ذاته.

إني أنظر إلى كل نسق ديني اختار أن يُقفل نصه على قراءة واحدة، ويعامل كل تأويل جديد بوصفه خطيئة وكفر لا اجتهاد. تلك الأنساق، التي تشكلت نصوصها في زمن ما قبل الانفتاح العلمي والثقافي الذي أنتجته عقول البشر لاحقًا، تواجه اليوم خيارًا لا ثالث له: إما أن تسمح للفهم بأن يتجدد كما تتجدد الحياة نفسها، أو أن تتحصن خلف حرفية النص وتترك الفجوة بينها وبين العالم تتسع جيلًا بعد جيل، حتى تصبح غريبة عن أبنائها قبل أن تصبح غريبة عن خصومها، وقد تؤدي إلى انهيار الأديان أو التطرف فيها في آن واحد.

وانظر، من زاوية أخرى، إلى النظم السياسية التي راهنت على الإغلاق التام: الاتحاد السوفييتي، بكل ما امتلك من قوة عسكرية وصلابة أيديولوجية ظاهرية، انهار لا لأن أحدًا غزاه من الخارج، بل لأنه أغلق نوافذه على السؤال حتى اختنق من الداخل. لم يسقط في يوم، كما لم يسقط أي جدار في التاريخ في يوم؛ كان يتآكل في صمت عقودًا، إلى أن جاءت اللحظة التي بدت فيها “المفاجأة” حتمية طال انتظارها.

غير أن الانفتاح نفسه، إن فُهم على أنه طاقة مطلقة بلا ضابط، يحمل فخه الخاص. فالحرية التي تُترك بلا حد أدنى من القيود التي تحمي الأقليات والفئات المهمشة وتضبط العدالة، لا تنتج بالضرورة نظامًا أكثر حياة، بل قد تنتج فوضى تتفجر فيها كل الطاقات المكبوتة دفعة واحدة، فتدمر النظام بدل أن تجدده.

فكما أن الجدار المغلق ينهار من فرط التماسك الزائف، فإن البيت بلا جدران على الإطلاق ينهار من فرط التشتت.

الحكمة إذن ليست في الانغلاق ولا في الانفلات، بل في ذلك التوازن الدقيق الذي تحدثت عنه الفيزياء ذاتها: نظام مفتوح بما يكفي ليتنفس، ومحكوم بما يكفي ليحافظ على شكله وهو يتنفس.

الأنتروبيا هنا ليست نبوءة قدرية، بل إنذار: علامة تستدعي فعلًا إراديًا متجددًا، لا استسلامًا سلبيًا لحكم لا يُرد.

فالسؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا، أفرادًا ومؤسسات وأديانًا وأوطانًا، ليس: هل نحن متماسكون اليوم؟ بل: هل ما زلنا نظامًا يتنفس، أم أننا، دون أن ندري، أغلقنا نوافذ كانت تمدنا بالطاقة التي تؤجل عنا حتمية التفكك؟

أخشى أن مجرد فتح مثل هذه المواضيع التي تتكلم عن خبرة مستمدة من الفيزياء والتاريخ، من العلم والتجربة، قد لا يُسمح به، بل قد يصبح في بعض المجتمعات التي تغلق عيونها عن الحقيقة، تهديدًا وجوديًا لمسار الانتروبيا، مع أن المقصود بها ومنها هو استخدام الطاقة للبناء والتطوير والبقاء والحياة، لأجيال لم تشارك في خلق ما هي فيه ولكنها ستتحمل عواقبه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى