تونسملفات وتقارير

70 عاما على مجلة الأحوال الشخصية بتونس: بين جمود القوانين والتحيز الإعلامي

انعقدت فعاليات جلسة حوارية موسعة في تونس العاصمة ناقشت بعمق تفاصيل التعاطي الإعلامي مع مجلة الأحوال الشخصية، وذلك بالتزامن مع احتفال البلاد بمرور 70 عاماً على إصدار هذا التشريع المفصلي. وشهدت الفعالية التي نظمتها جبهة المساواة وحقوق النساء بالشراكة مع شبكة هن للصحفيات المغاربيات نقاشات واسعة حول دور المؤسسات الصحفية والرقمية والمرئية والمسموعة في تغطية قضايا المرأة، وتناول المشاركون الإشكاليات المتعلقة بالتغطية الإعلامية لمجلة الأحوال الشخصية وسط تحديات مجتمعية وسياسية واقتصادية معقدة تحيط بالمشهد العام.

تقييم شامل للتعاطي الإعلامي مع مجلة الأحوال الشخصية في تونس بعد عقود من الإصدار

شهدت قاعة الاجتماعات نقاشات مكثفة حول تقييم أداء المنصات الإعلامية المختلفة في تسليط الضوء على بنود مجلة الأحوال الشخصية وتطورها عبر الزمن. وأكد الحاضرون أن الخطاب الإعلامي يراوح مكانها بين تكريس المفاهيم الذكورية والدفاع عن حقوق ومكتسبات المساواة، مما يستدعي وقفة جادة لتحليل الخلفيات الفكرية والتنظيمية للكيانات الصحفية والإخبارية المختلفة في البلاد خلال المرحلة الحالية.

برزت خلال النقاشات مداخلة هامة للحقوقية منية العابد التي أوضحت أن النقاشات المجتمعية والإعلامية اختزلت مجلة الأحوال الشخصية في قضايا الطلاق والنفقة والحضانة متجاوزة مجالات حيوية أخرى. وأشارت إلى أن العديد من الأحكام التشريعية ما زالت معطلة وغير نافذة وسط غياب تام لنقاشات جادة حولها، محذرة من أن غياب المتخصصين يخلق تشوها واختزالا يعيد إنتاج الصور النمطية السلبية للمرأة عبر المنصات المختلفة.

تحدثت منية العابد باستفاضة عن تداول مصطلحات غير قانونية مثل نشوز المرأة التي تعني مغادرة منزل الزوجية أو رفض العلاقة الحميمية، مؤكدة أن هذا المفهوم غير موجود أصلاً في نصوص المجلة ولكنه متداول بعشوائية واعتساف بين العموم وفي التغطيات اليومية. وأوضحت أن هذا الاستخدام الخاطئ يكرس نظرة قاصرة تضر بالحقوق الأساسية للنساء وتعيق مسار العدالة الاجتماعية المنشودة في المجتمع منذ عقود طويلة.

انتقلت الكلمات إلى نبيلة حمزة عضوة جمعية النساء الديمقراطيات التي ركزت على ضرورة تغيير الخطاب الإعلامي تماشيا مع التحولات الديمغرافية الكبرى في تونس وتراجع معدلات الولادات والنمو السكاني. وأكدت أن الأصوات النسوية تواجه تراجعا ملحوظا في الفضاء العام ومواقع التواصل الاجتماعي بسبب الهجمات المتكررة على أصحاب الرأي النسوي وسط غياب تام لخطاب مضاد يواجه تلك الحملات الرقمية المنظمة.

تطرقت سناء بن عاشور رئيسة جمعية بيتي إلى الفجوة الكبيرة المتسعة بين نصوص المجلة وواقع المجتمع الحالي بسبب جمود آليات التنقيح لسنوات طويلة. وبينت أن آخر تنقيح رسمي جرى في سنة 2006 مما يعني مرور 20 سنة كاملة دون أي تعديل جوهري يتناسب مع التحولات الاجتماعية المتسارعة، مؤكدة أن القانون أصبح في بعض جوانبه عائقاً أمام استقرار الأسرة ومواكبة النمط الجديد للعيش العائلي.

أشارت سناء بن عاشور إلى استمرار الممارسات ذات الطابع الذكوري في تفاصيل الحياة اليومية رغم التعديلات القانونية مثل قضايا المهر والإرث المرتبطة بالعادات والتقاليد المتأصلة. وأوضحت أن الخطاب الرجعي يستمد بعض جذوره من تفسيرات فقهية مالكية تتضمن أحكاماً غير منصفة للمرأة في قضايا مثل التبني والمساواة في الإرث، مما يجعل التحديث التشريعي ضرورة ملحة لمواكبة المعايير الحقوقية والدولية المعاصرة.

عقبت الناشطة النسوية ومنسقة الجبهة نجاة العرعاري على هامش الفعالية بأن النقاشات مستمرة حول مدى قدرة مجلة الأحوال الشخصية بعد سبعين عاماً على تلبية تطلعات النساء والأطفال والأسرة. ولفتت إلى أن الإعلام يعد شريكاً أساسياً في صناعة الرأي العام والتمثلات الاجتماعية، مما استوجب تقييم كيفية معالجة المنصات الإعلامية للمجلة في ظل انفجار تكنولوجيا الاتصال والانفلات الرقمي وتنامي خطاب الكراهية.

اختتمت نجاة العرعاري تصريحاتها بالتحذير من الأخطاء المتكررة في تناول قضايا النفقة التي يتم حصرها خطأ في حقوق الزوجة بينما هي حق أصيل للأطفال ومسؤولية مشتركة بين الزوجين تحت مظلة مصلحة الطفل الفضلى. وأكدت أن الارتدادات على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي تتطلب وعياً إعلامياً وحقوقياً متقدماً لمواجهة عودة الصور النمطية السلبية ضد النساء والأطفال في مختلف وسائل الإعلام والنشر.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى