مصرملفات وتقارير

32 ألفا للعيش والراتب 8 آلاف جنية: كارثة اتساع فجوة المعيشة في مصر

تكشف أحدث القراءات الاقتصادية عن معضلة حقيقية تواجه الملايين في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة بصورة غير مسبوقة. تؤكد الأبحاث الميدانية أن الأسرة الحضرية المتوسطة تتطلب ميزانية شهرية باهظة لتأمين متطلباتها الأساسية. توضح هذه المؤشرات أن الدخل الثابت المتمثل في الرواتب الرسمية يقف عاجزاً عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية اليومية للأسر. تطرح هذه الأرقام تساؤلات ملحة حول مصير الطبقات الأكثر هشاشة التي تعيش دون خط المعيشة المتعارف عليه في الأوساط الحضرية والريفية.

الفجوة الاقتصادية وقسوة المعيشة بين مطرقة الأسعار وسندان الأجور المتقطعة

تعتمد النماذج الاقتصادية المعيارية على حسابات دقيقة تخص أسرة مكونة من 4 أفراد تقطن مسكناً متوسطاً ولديها طفلان في المراحل التعليمية المختلفة. تشير البيانات إلى أن إجمالي النفقات الشهرية يبلغ 32051 جنيهاً، بواقع 267 جنيهاً للفرد الواحد يومياً. تشتمل هذه الميزانية على بنود رئيسية تتوزع بواقع 8320 جنيهاً للغذاء، و6000 جنيه للسكن، و5200 جنيه للتعليم، و3640 جنيهاً للنقل، و2200 جنيه للصحة، و1891 جنيهاً للمرافق والاتصالات، و4800 جنيه للملابس والطوارئ. تعكس هذه الأرقام حجم العبء المالي الواقع على عاتق الأسر التي تسعى جاهدة للحفاظ على مستواها المعيشي.

تتضح الفجوة الكبرى عند مقارنة هذه النفقات بمستويات الأجور المقررة في قطاعات العمل المختلفة. يبلغ الحد الأدنى للأجور في الجهاز الإداري للحكومة 8000 جنيه، بينما يسجل في القطاع الخاص نحو 7000 جنيه شهرياً. تعجز هذه المبالغ عن تغطية سوى نسبة ضئيلة لا تتجاوز 25 بالمئة من إجمالي الاحتياجات الشهرية للأسرة المتوسطة. تتسع الهوة بصورة مرعبة لتصل إلى عجز يناهز 24051 جنيهاً بالنسبة للعاملين بالحكومة، وترتفع إلى 25051 جنيهاً للعاملين بالقطاع الخاص، مما ينذر بتحديات معيشية جسيمة.

تتفاقم الأزمة بصورة أكبر لدى الفئات المهمشة والعمالة غير الرسمية التي تشكل شريحة واسعة من القوى العاملة بحسب تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. يتقاضى عمال اليومية والباعة المتجولون والحرفيون دخولاً تتراوح بين 2000 و5000 جنيه شهرياً لمواجهة تكاليف معيشية تطابق تلك التي تتحملها الطبقات الأعلى. يعاني أصحاب المعاشات البالغ عددهم أكثر من 11.5 مليون مواطن من ضغوط مشابهة، إذ تتراوح معاشاتهم بين 1500 و4000 جنيه، وهو مبلغ يقل عن قيمة سلة الغذاء وحدها. تتضاعف هذه المعاناة بين أسر الريف والعشوائيات والنساء اللائي يعلن أسرهن بمفردهن وسط ظروف بالغة القسوة.

ترتفع حدة الأعباء المعيشية مع القفزات الكبيرة في أسعار السلع الأساسية وعلى رأسها الخبز المدعم الذي يمثل خط الدفاع الأخير للفقراء. تراجعت الكميات المتاحة في الرغيف الواحد منذ عام 2014 لتنخفض من 130 جراماً إلى 70 جراماً بنسبة تراجع بلغت 46 بالمئة. ارتفع السعر الرسمي للرغيف الواحد من 5 قروش إلى 150 قرشاً مسجلاً قفزة نوعية بلغت 30 ضعفا. تتكبد الأسر الفقيرة التي تستهلك مئات الأرغفة شهرياً مبالغ باهظة للحصول على حصص تقل حجماً وتتضاعف أعباؤها المالية باستمرار.

يستحوذ قطاع التعليم على جانب كبير من ميزانية الأسرة رغم مجانية التعليم الحكومي المفترضة في المخططات الرسمية. تنفق الأسر 62 بالمئة من مخصصاتها التعليمية على الدروس الخصوصية وحدها لضمان نجاح الأبناء في المدارس. يعجز أبناء الطبقات الفقيرة عن توفير هذه النفقات، مما يؤدي إلى تسربهم من التعليم أو حصولهم على شهادات هزيلة تعيد إنتاج دائرة الفقر للأجيال القادمة. تتعمق الأزمة في الجانب الصحي، حيث يضطر المرضى إلى الاستدانة أو تأجيل العلاج لعدم القدرة على مواجهة تكاليف العيادات الخاصة واكتظاظ مستشفيات التأمين الصحي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى