أخبار العالمحقوق وحرياتملفات وتقارير

«إعجاب» على «إكس» يقود إيرانية للسجن بتهمة التعاون مع إسرائيل

تلاحق السلطات القضائية في الجمهورية الاسلامية الايرانية المواطنة التي تدعى آذر ياهو وذلك على خلفية اتهامات تتعلق بنشاطها الرقمي المكثف عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة. وتاتي هذه الواقعة لتسلط الضوء من جديد على مدى تضييق الخناق على مستخدمي الشبكات العنكبوتية في البلاد خاصة عندما يرتبط الامر بالتفاعل مع منشورات تعود لشخصيات تصنفها طهران في قائمة الخصوم السياسيين والامنيين. وتعتبر هذه المحاكمة جزءا من نهج قانوني مشدد يهدف الى رصد اي نشاط يمس امن قومي او يفسر على انه تعاون مع جهات خارجية تعتبرها السلطات عدائية.

وتخضع المواطنة آذر ياهو البالغة من العمر 39 عاما لقرارات المحاكم الايرانية بعد توجيه سلسلة من الاتهامات الجنائية والامنية ضدها. وتركزت ادلة الادعاء العام في هذه القضية على نوعية التفاعل الرقمي الذي قامت به المتهمة مع حسابات رسمية تعود لكل من الرئيس الامريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو. وبحسب المعلومات المتاحة فان هذه التفاعلات لم تكن مجرد تعليقات عابرة بل تم تكييفها قانونيا لتشكل تهديدا مباشرا للاستقرار الامني داخل البلاد وفقا لرؤية المحكمة المختصة.

بدات فصول هذه القضية في شهر مارس الماضي حينما قامت عناصر من جهاز استخبارات الحرس الثوري الايراني بعملية توقيف ميدانية للمتهمة في مدينة مشهد. وعقب عملية الاعتقال تم ايداعها داخل سجن وكيل آباد سيء السمعة للبدء في التحقيقات الاولية. وخلال فترة احتجازها واجهت ظروفا قاسية تمثلت في فرض قيود صارمة على التواصل مع افراد اسرتها ومنع الزيارات بشكل شبه تام قبل ان يتم نقلها لاحقا الى احد العنابر الداخلية في نفس السجن.

وتشير التفاصيل القانونية الى ان جهاز استخبارات الحرس الثوري الايراني قد استند في توجيه الاتهامات الى قيام المتهمة بنشر تعليق محدد على الصفحة الرسمية لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو. وبالاضافة الى ذلك رصدت الجهات الامنية قيامها باستخدام رمز القلب للتفاعل مع منشورات اخرى تعود لكل من ترامب ونتنياهو. واعتبرت المحكمة هذا النمط من نشاط تواصل اجتماعي دليلا كافيا على ارتكاب جريمة التعاون مع اسرائيل وهو ما يقع تحت طائلة القوانين الايرانية الصارمة التي تجرم التواصل مع كيانات تعتبرها طهران معادية.

تداعيات قضية امن قومي ومسارات العدالة الايرانية

اصدرت الشعبة الرابعة من محكمة الثورة في مدينة مشهد حكمها النهائي في هذه القضية يوم 19 اغسطس. وقضت المحكمة بسجن المتهمة لمدة ثلاث سنوات كاملة بتهمة التعاون مع اسرائيل. ورغم قسوة عقوبة السجن الا ان المحكمة قررت وقف تنفيذ سنتين من مدة العقوبة لتستقر المدة واجبة التنفيذ على عام واحد فقط يقضى داخل السجن. وياتي هذا الحكم ليضع حدا لشهور من الترقب القانوني والامني الذي عاشته المتهمة منذ لحظة القائها في زنازين الحرس الثوري في مارس.

وتثير هذه القضية تساؤلات قانونية وحقوقية واسعة حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير الرقمي وبين ما تعتبره السلطات الايرانية تهديدا للامن القومي. فالمواطنة آذر ياهو لم تكن سوى مستخدمة عادية لمنصات التواصل الاجتماعي الا ان هذا تفاعل تحول فجاة الى قضية امن دولة معقدة. ويبدو ان استهداف ترامب ونتنياهو بالتعليقات او الاعجابات قد اصبح معيارا مباشرا تستخدمه الاجهزة الامنية الايرانية لتكييف القضايا الجنائية ضد اي مواطن يمارس نشاطا مشبوها من وجهة نظر النظام.

ويؤكد خبراء ان التعامل مع هذه الواقعة يعكس استراتيجية اوسع تتبعها الاجهزة القضائية في البلاد لترهيب المستخدمين ومنعهم من التفاعل مع اي محتوى يرتبط بالادارة الامريكية او الحكومة الاسرائيلية. وتلعب محكمة الثورة دورا مركزيا في تنفيذ هذه التوجهات الامنية عبر اصدار احكام مشددة تسعى من خلالها الى تقنين الرقابة الرقمية. ورغم ان العقوبة واجبة التنفيذ هي عام واحد فقط الا ان الرسالة التي ارادت السلطات ايصالها لعامة الشعب الايراني هي ان اي نشاط على مواقع التواصل تحت مجهر الرقابة.

تستمر التوترات بين طهران من جهة والولايات المتحدة واسرائيل من جهة اخرى في فرض القواعد الصارمة على الداخل الايراني. ولم تعد مواقع التواصل مجرد منصات للترفيه او النقاش السياسي بل اصبحت ميدانا للمواجهة الامنية والقضائية. وستظل قضية آذر ياهو واحدة من الشواهد الحية على عمق هذه الحساسية المفرطة تجاه اي تفاعل رقمي قد يمس صلب السياسات الوطنية الايرانية في ظل المناخ الاقليي الملبد بالصراعات. ويعكس هذا الملف حجم التعقيد الذي يواجهه المواطن العادي في التعبير عن ارائه او تفاعلاته في ظل قوانين لا ترحم اي نشاط رقمي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى