نار الاستيطان تحرق الضفة: مصادرة أراضي وحصار بالرصاص وتواطؤ دولي

يشهد واقع الضفة الغربية المحتلة تصاعداً مضطرداً في حدة اعتداءات المستوطنين بالتوازي مع التوسع المتسارع في مشاريع الاستيلاء على الأراضي، حيث يعكس هذا المشهد ترابطاً عضوياً بين العنف الميداني والسياسات الرسمية التي تتبناها إسرائيل لفرض وقائع تهويدية جديدة وتعزيز التواصل الجغرافي بين البؤر الاستعمارية. ويوثق تصاعد وتيرة الاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية يهدد التواجد الفلسطيني هذا المسار عبر إعلانات رسمية تستهدف تفريغ الأرض من ساكنيها الأصليين لصالح توسيع المستعمرات القائمة.
تصاعد وتيرة الاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية يهدد التواجد الفلسطيني
وتكشف هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن توجه إسرائيلي جديد للاستيلاء على مساحة تصل إلى 1152 دونماً من أراضي بلدات سنجل واللبن الشرقية وقريوت تحت بند “أملاك حكومية”. ويهدف هذا الإجراء إلى توسيع مستعمرة “كرمي عوز” لتعزيز التواصل الجغرافي بين المستعمرات المقامة في المنطقة الواقعة شمال محافظة رام الله وجنوب محافظة نابلس. ويحمل الإعلان الصادر استناداً إلى الأمر العسكري رقم 59 لعام 1967 الرقم هـ ك/04/26 ومؤرخ في 18 أغسطس 2026.
ويفتح الإعلان باب الاعتراض أمام لجنة الاعتراضات العسكرية في معسكر “عوفر” خلال مهلة زمنية قدرها 45 يوماً، وهي آلية تثير تساؤلات قانونية حول جدوى الاحتكام إلى منظومة عسكرية تفتقر إلى ضمانات قضائية مستقلة وفعالة للفلسطينيين أصحاب الحقوق الأصلية في هذه الأراضي. وتأتي هذه الخطوات لتؤكد مضي الاحتلال في تنفيذ مخططات التوسع التي تستهدف السيطرة الكاملة على مساحات شاسعة من الأراضي في الضفة الغربية، مما يؤدي إلى تقطيع أوصال القرى والبلدات.
ويواجه سكان بلدة قصرة جنوب نابلس حصاراً مشدداً يفرضه مستوطنون بحماية مباشرة من جيش الاحتلال لليوم العاشر على التوالي. وتمنع هذه القوات العائلات من الدخول أو الخروج من منازلها، بالتزامن مع إعلان المنطقة عسكرية مغلقة، مما يحول دون ممارسة السكان لحياتهم الطبيعية. ويشير استمرار الحصار لأيام متتالية إلى طبيعة تصعيدية تستخدم فيها كافة الأدوات المتاحة لفرض قيود ترهيبية تهدف لدفع المواطنين نحو الهجرة القسرية أو التخلي عن أراضيهم.
وتكشف تقارير حقوقية صادرة عن هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى أن عنف المستوطنين ليس سلوكاً فردياً، بل نمط موثق ومدعوم. وغالباً ما ينفذ مسلحون هذه الهجمات بالتزامن مع وجود وحدات من الجيش الإسرائيلي دون تدخل فعلي لوقف الانتهاكات. وأشارت ذات التقارير إلى أن هؤلاء المستوطنين يحصلون على دعم مالي ومادي وقانوني من مؤسسات إسرائيلية رسمية، مما يدمج عنفهم ضمن منظومة الاستيطان والسيطرة العامة على الأرض.
ويرى الباحث والمؤرخ المختص في شؤون الاستيطان خليل التفكجي أن ما يجرى حالياً يعكس محدودية القانون الدولي في محاسبة إسرائيل. ويؤكد التفكجي، انطلاقاً من خبرة خمسة عقود تحت الاحتلال، أن القانون الدولي يطبق فقط على الأقوياء، معتبراً أن الإدانات الصادرة عن جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي لا ترقى لمستوى الأحداث. ويضيف أن الولايات المتحدة وأوروبا تمتلكان أدوات التأثير لكنهما تفتقران للإرادة السياسية الحقيقية، مشدداً على أن أهدافهما تتحقق على أجساد الفلسطينيين.
ويستنكر التفكجي استخفاف المسؤولين الإسرائيليين وعلى رأسهم إيتمار بن غفير بحياة الفلسطينيين، ويتساءل عن عجز مجلس الأمن الدولي عن اتخاذ إجراءات ملزمة. ويشير إلى التناقض الصارخ في التعامل مع الأزمات الدولية، حيث كانت تصدر قرارات أممية أسبوعية ضد العراق عند احتلاله الكويت، بينما تغيب القرارات الفاعلة تجاه عمليات القتل وهدم المنازل ومصادرة الأراضي الفلسطينية، مؤكداً أن إسرائيل تستند إلى دعم أمريكي وتيارات صهيونية مسيحية تساهم في تثبيت الدور الإسرائيلي كقوة تنفيذية للمصالح الأمريكية بالشرق الأوسط.
ويحذر التفكجي في ختام تحليله من أن استمرار السياسات الإسرائيلية يضع الفلسطيني أمام خيارات قاسية ومأساوية تتمثل في الموت أو العبودية تحت نير الاحتلال أو الهجرة القسرية. وتؤكد هذه القراءة الميدانية والتاريخية أن ما يجرى في الضفة الغربية ليس مجرد أحداث متفرقة، بل هو استراتيجية ممنهجة تسعى لتغيير الجغرافيا والديموغرافيا على حد سواء لضمان الهيمنة المطلقة على كامل الأرض.







