مقالات وآراء

عدنان الصباح يكتب: انتخابات التشرذم التي لن تأتي

انتخابات لإنهاء الانقسام… أم لإعادة إنتاجه؟

ليس من السهل، في لحظة فلسطينية بهذا القدر من الانكشاف والألم، أن يجادل أحد في قيمة الانتخابات أو في ضرورة استعادة الحياة الديمقراطية وتجديد الشرعيات السياسية، فالانتخابات، في أصلها، ليست ترفًا سياسيًا، ولا مجرد إجراء تقني لتبديل الأشخاص، وإنما إحدى أهم أدوات إعادة بناء العلاقة بين المجتمع ومؤسساته، وبين المواطن والنظام السياسي الذي يفترض أن يمثله.

لكن المشكلة تبدأ حين نتعامل مع الانتخابات باعتبارها غاية في ذاتها، لا باعتبارها أداة ضمن مشروع وطني أوسع. فليست كل انتخابات بالضرورة طريقًا إلى الوحدة، كما أن صندوق الاقتراع لا يستطيع، وحده، أن يصنع توافقًا وطنيًا غائبًا، أو أن يحل انقسامًا سياسيًا متجذرًا، أو أن يمنح مشروعًا وطنيًا لم يتبلور بعد شرعيةً لمجرد أن أصوات الناخبين وُضعت في الصناديق.

ولهذا تبدو الدعوة إلى الانتخابات اليوم مختلفة جذريًا عن النقاش الذي سبق انتخابات عام 2021، يومها كانت البيئة الفلسطينية، على الرغم من كل أزماتها، أقل قسوة مما هي عليه الآن، أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة المشهد الفلسطيني إلى حد يجعل استنساخ النقاش القديم، وكأن شيئًا لم يحدث، نوعًا من العجز عن قراءة الواقع.

نحن أمام وطن يتعرض لتفكيك ممنهج، وشعب يعيش واحدة من أكثر مراحله مأساوية، وقطاع غزة دفع ثمنًا إنسانيًا وسياسيًا هائلًا، بينما تتعرض الضفة الغربية لمزيد من الاستيطان ومصادرة الأرض والاعتداءات، وتتراجع مكانة القدس، وتتآكل فكرة الدولة الفلسطينية على الأرض، فيما يتعمق الانقسام السياسي والاجتماعي، ولا يعود الخلاف محصورًا بين فصيلين أو اتجاهين، بل يتشعب داخل كل مكونات المشهد الفلسطيني.

في مثل هذه البيئة، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل نريد انتخابات؟ بل: أي انتخابات نريد؟ ولأي مشروع؟ وبأي ضمانات؟ وما الذي نريد أن تنتجه؟

الانتخابات ليست مشروعًا وطنيًا

ثمة وهم سياسي خطير في الاعتقاد بأن الانتخابات يمكن أن تكون نقطة البداية لكل شيء. الانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية، لكنها لا تنتج وحدها البرنامج الوطني الذي سيحكم المرحلة المقبلة.

فالشعب يمكن أن يختلف على الوسائل، وعلى الأولويات، وعلى أدوات النضال، وعلى شكل الإدارة السياسية، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى حد أدنى من الإجابة عن سؤال جوهري: إلى أين نريد أن نذهب؟

هل ما زال مشروعنا الوطني هو إقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967؟ وإذا كان كذلك، فما أدوات الوصول إليها بعد كل ما تغير منذ اتفاق أوسلو؟ وما موقع المقاومة بمختلف أشكالها في هذا المشروع؟ وما طبيعة العلاقة مع إسرائيل؟ وكيف نتعامل مع واقع الاستيطان؟ وما موقع غزة والضفة والقدس في البنية السياسية الواحدة؟ وكيف نعيد بناء منظمة التحرير ومؤسسات السلطة على نحو يجعلها ممثلة لجميع الفلسطينيين؟

هذه ليست أسئلة نظرية. إنها جوهر السياسة. أما الاكتفاء بترديد شعار “حل الدولتين” من دون إعادة تعريفه في ضوء التحولات التي وقعت على الأرض، فهو أشبه باستخدام خريطة قديمة للوصول إلى مكان تغيرت ملامحه بالكامل.

لقد اعتدنا، بصورة خطرة، التعامل مع الشعارات وكأنها برامج، والحقيقة أن الشعار لا يصبح مشروعًا إلا عندما تكون له أهداف واضحة، وأدوات محددة، وجدول زمني، وآليات تنفيذ، وقدرة على الإجابة عن أسئلة الواقع.

لا يمكن بناء مؤسسات الدولة على قاعدة الانقسام

هناك قاعدة سياسية تبدو بسيطة، لكنها عميقة الدلالة: المؤسسات الوطنية الجامعة لا تُبنى على قاعدة انقسام وطني دائم، فقد تتحول الانتخابات، إذا جرت في بيئة الانقسام الراهنة، من وسيلة لتوحيد الشرعية إلى وسيلة لإعادة توزيع الانقسام، والأخطر أن الانقسام اليوم لم يعد فقط ذلك الانقسام المعروف بين سلطتين أو فصيلين، لقد أصبح أكثر تعقيدًا: فصائل تتباعد، وشخصيات مستقلة تتباين، وكتل اجتماعية وسياسية جديدة تتشكل، وغاضبون يبحثون عن تمثيل، وتيارات داخل التيارات، وتحالفات مؤقتة، وانقسامات داخل التنظيمات نفسها.

وهنا تكمن المفارقة: قد ندخل الانتخابات بحثًا عن إنهاء الانقسام، فنخرج منها بانقسامات جديدة لم تكن موجودة قبلها.

فالانتخابات، في المجتمعات المستقرة، تُنتج أغلبية وأقلية، ثم يعود الجميع إلى قواعد اللعبة، أما في مجتمع يعيش صراعًا وطنيًا وجوديًا، وتحت الاحتلال، وفي ظل غياب التوافق على المشروع السياسي، فإن الخلاف الانتخابي يمكن أن يتحول بسهولة إلى خلاف على الشرعية ذاتها.

وهذا هو الفارق بين الاختلاف الديمقراطي والانقسام الوطني. الديمقراطية تفترض وجود قواعد مشتركة للاختلاف، أما حين يصبح الخلاف نفسه حول القواعد والمرجعيات والشرعية والبرنامج الوطني، فإن الانتخابات قد لا تعالج الأزمة، بل تمنحها شكلًا جديدًا.

أين هو الحوار الذي يسبق الانتخابات؟

ليس المطلوب إلغاء الانتخابات، ولا الالتفاف على حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم، بل المطلوب هو أن تسبق الانتخابات عملية سياسية تعيد تعريف المساحة المشتركة التي سيذهب الفلسطينيون إلى صناديق الاقتراع داخلها.

لا يمكن أن تكون الانتخابات بديلًا عن الحوار الوطني. بل إن الانتخابات، لكي تكون ذات معنى، ينبغي أن تكون إحدى نتائج هذا الحوار.

نحن بحاجة إلى حوار لا يهدف إلى توزيع المقاعد أو التوصل إلى صفقة مؤقتة بين الفصائل، وإنما إلى الاتفاق على المشروع الوطني وأدواته ومؤسساته وقواعد التنافس السياسي داخله.

حوار يقول بوضوح: نختلف في كيفية تنفيذ المشروع، لكننا لا نختلف على أصل المشروع الوطني نفسه. نختلف على الوسائل، لا على وجود شعبنا وحقوقه. نختلف على التكتيك، لا على الثوابت الوطنية. ونتنافس على إدارة المؤسسات، لا على شرعية وجود المؤسسات ذاتها.

هذه هي القاعدة التي تجعل الانتخابات أداة ديمقراطية، لا أداة لتكريس الانقسام.

الاحتلال ليس مراقبًا محايدًا

ثم هناك العامل الذي لا يجوز لأي قراءة سياسية مسؤولة أن تتجاهله: الاحتلال. من السذاجة السياسية أن نتعامل مع الانتخابات الفلسطينية باعتبارها شأنًا فلسطينيًا داخليًا محضًا، وكأن إسرائيل ستقف على مسافة واحدة من جميع النتائج.

الاحتلال، بطبيعته، ليس طرفًا محايدًا تجاه أي محاولة فلسطينية لبناء مؤسسات وطنية جامعة وذات شرعية شعبية، والتاريخ السياسي للصراع يعلّمنا أن إسرائيل لم تنظر يومًا بعين الرضا إلى بناء مركز سياسي فلسطيني قادر على إنتاج تمثيل موحد، ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: هل نستطيع الوصول إلى يوم الاقتراع؟ بل أيضًا: ماذا سيفعل الاحتلال في اليوم السابق للانتخابات، وفي يومها، وفي اليوم التالي لها؟

ماذا لو مُنع مرشحون؟ ماذا لو جرى التضييق على الحملات الانتخابية؟ ماذا لو مُنع التصويت في القدس؟ ماذا لو اعتُقل مرشحون أو ناشطون؟ ماذا لو رفض الاحتلال نتائج معينة أو تعامل معها بطريقة انتقائية؟ وماذا لو استُخدمت هذه الإجراءات لإعادة إنتاج الانقسام بدلًا من إنهائه؟

هذه ليست أسئلة تشاؤمية، بل أسئلة تخطيط سياسي. والأخطر أن غياب خطة فلسطينية واضحة للتعامل مع هذه الاحتمالات قد يجعل الاحتلال قادرًا على التأثير في العملية الانتخابية دون أن يخوض الانتخابات أصلًا.

انتخابات قد لا تأتي

لهذا السبب، أميل إلى الاعتقاد بأن هذه الانتخابات، بصيغتها الراهنة، قد لا تصل أصلًا إلى يومها الموعود، ليس لأن الانتخابات غير ضرورية، بل لأن الاحتلال قد يجد

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى